الفاروق عمر .. روح المبادرة وعبقرية اتخاذ القرار!

تعرض الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قديمًا وحديثًا لإساءات مقصودة حينًا، وبريئة حينًا آخر جراء قراره السريع – نوعًا ما – بمبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة. وزعم بعض المؤرخين والمستشرقين أن عمرًا شرعَنَ بذلك للديكتاتورية، وتغييب صوت الناس في أمر اختيار قائدهم، وأنه أهمل بذلك توجيه القرآن الكريم بالتشاور … الخ.
وفي هذا السياق يأتي (اشتياري) اليوم لكم أعزائي القراء.

إن في سيرة عمر بن الخطاب موقفان لم ينالا الربط بينهما – منوجهة نظري حقه من الدراسة والتحليل، والقراءة العميقة، مع أن الموقفين مكملان ومتممان لبعضهما، ومعضد أحدهما للآخر، ومن خلال فهمهما معًا جيدًا، يُنْصَفُ الفاروق، وَيذَّبٌ عن عرضه الشريف، وتاريخه المَصُوُن بشكل أبلغ وأعمق.

أولهما موقفه في سقيفة (بني ساعدة) عندما خطب خطبة عصماء، أطفأ بها فتنة كادت تعصف بالمسلمين حينها، بينما جسده الشريف لم يُوارى الثرى بعد؛ وأعني بتلك الفتنة الخلاف على تولي منصب (الخلافة) بين المهاجرين والأنصار. فاضطر الفاروق لحسم الأمر، بعد إيضاح نقاط رئيسة مهمة ببلاغة وإيجاز في خطبة  شهيرة، تلت خطبة مماثلة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه أمام ذلك الجمع المحتشد. وكان مما قاله الفاروق حينها: (…… وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر). وكذلك قوله:
( يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر).
وطلب – بعد انتهائه من خطبته – أبا بكر الصديق أن يَمُدَّ يده ليبايعه، فكان ذلك، وتمت البيعة.

تصرَّفَ عمر هنا بعقلية القائد العبقري، الذي يقرأ الحدث جيدًا، ويستشرف مآلاته بعمق، ويعصف ذهنه أيما عصف؛ للتصرف المناسب؛ العاجل والحاسم.

لقد رأى الفتنة مثلها مثل حَيّة رقطاء، تطل برأسها برأسها من جحرها، توشك أن تنفث سمومها الفتاكة في جسد الأمة وكيانها،  وتمزقها شر ممزق، فكان لزامًا عليه باعتباره قائدًا محنكًا؛ عَرِف القوم وحبرهم سابقًا وحاضرًا، وأدرك حينها كثيرًا مما يختلج بقلوبهم، قبل أن تتلفظ به بنات شفاههم، كان عليه والحالة هذه – من أن يقول كلمة الفصل، ويتعاطى مع الموقف بعقلية؛ (كن مبادرًا وبالحزم والحسم، فهو حيال أمر من الأمور التي يصنفها خبراء التنمية البشرية، والتطوير الذاتي اليوم بـــــ (العاجل والمهم). ولعمري إن تصرف الفاروق ذاك من صفات القادة النجباء، والناس الناجحين في حياتهم في كل زمان ومكان، ومن حق هذا الموقف أن يدرس في أدبيات (إدارة الأزمات).

ألم يجعل (ستيفن كوفي)؛ مؤلف كتاب (العادات السبع للأشخاص الأكثر فاعلية)، صفة المبادرة، أول صفة تجمع بين الناجحين في مختلف أنحاء العالم، وعبر التاريخ؟

بتَّ ابن الخطاب في الأمر الخطير الذي كان لحظتها مَثار الأخذ والعطاء، وبايع الصّدِّيق بالخلافة، وطلب من الموجودين بالتالي مبايعته. وقال فيما بعد عن تلك المبايعة أنها فلتة، وقى الله المسلمين شرها، وفسّر بعضهم قوله (فلتة) بالفتنة.

ولعل مما ساعد الفاروق على سرعة اتخاذ هذا القرار، وجود أبو بكر؛ شخصية متفق أو شبه متفق على تفردها وتميزها، عن الموجودين آنذاك، بسبق وسابقات مشرفة في تاريخ الإسلام، فهو ثاني اثنين إذ هما في الغار، وهو أول من أسلم من الرجال، وهو من دعم بنفسه وماله وجاهه الدعوة في بادئ أمرها، كما أنه من كبار الصحابة الذين شهدوا بدرًا وأحدًا، والخندق … وغيرها. وثمة الكثير في سيرته العطرة، وكأني بأبي حفص، موقن بأنه لو  يسمح الظرف الزماني آنذاك بعقد مجلس شورى لأهل الحلِّ والعقد للتشاور والتداول لاختيار خليفة، لكان ثمة إجماع، أو شبه إجماع على الأقل، على ترشيح أبا بكر. وأحسب أن عمرًا اعتبر ذلك الحشد، وما دار فيه من نقاش بمثابة مجلس مصغر، وإن كان غير كامل، لغياب عدد من رؤوس الصحابة عنه خصوصًا من بني هاشم حيث كانوا مشغولين بتكفينه ودفنه صلى الله عليه وسلم.

وهنا نجد الفاروق بعقليته الفذة، وعبقريته الفريدة، وحرصه البالغ على سلامة الأمة دينًا ودنيا، وقبل هذا كله بتسديد الله له، وتوفيقه إياه، قد تَجَاوَزَ الخطوات الروتينية، وحَرَقَ المراحل غير الضرورية، وبدأ من حيث ما يُتوقعُ، ويُرجَّح أن تؤول إليه تلك الأمور، كسبًا للوقت، ومنعًا للتداعيات، واللتِّل والعجن، والفيل والقال، وكثرة السؤال، وعظيم الجدل وكثير الجدال.

وهذا التصرف الحكيم غير مستنكر، ولا مستبعد من رجل حكيم، وبعيد النظر جاء القرآن الكريم مؤيدًا لرأيه في أكثر من موقف ليس هذا مجال تفصيلها.
أضف إلى ذلك تتلمذه في مدرسة محمد ، وتعلمه منها وفيها أصول القيادة، وترتيب الأولويات، وحسن إدارة الأمور صغيرها وكبيرها.

الموقف الثاني حدث عند اقتراب وفاته رضي الله عنه، بعد تلك الطعنة الغادرة التي تلقاها غيلة، وهو يؤم المسلمين في صلاة الفجر، من ذلك الغلام المجوسي الحاقد. فقد أوصى الفاروق بالخلافة من بعده لواحد من ستة رجال ممن توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ؛ وهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص.

وكل أولئك الستة مؤهلين، وجميعهم من أهل الحل والعقد، وطلب منهم الاجتماع والتشاور، والتداول فيما بينهم لاختيار من يرونه الأنسب.

ووضع معهم ابنه (عبد الله بن عمر)؛ للمشاركة في النقاش، والتصويت والترجيح، شريطة ألا يُرشَّح هو للمنصب.
ليس هنا ما يستلزم السرعة، ويقتضي العجلة، ولا ما يتطلب الحسمالفوري، والحزم الآني، لأن الظرف مختلف تمامًا عنه في الموقف الأول، فالفتنة مأمون عدم وقوعها، أو حدوثها بأمر الله تعالى، وفقا للمعطيات المتوفرة أمام الفاروق حينها، فكان لزامًا عليه أمام الله، ثم الناس والتاريخ، أن يُفَعِّلَ مبدأ الشورى، ويستأنس به، لأنه أنسب نظام، وأفضل خيار لاختيار الخليفة آنذاك، عطفًا على عوامل زمانية ومكانية، فكرية وثقافية، تتعلق بتلك البيئة القبلية؛ حديثة العهد بالإسلام، والنظم الحضارية.

قال تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)، وقال أيضًا: (وشاورهم في الأمر).

عمر بن الخطاب نحسبه والله حسيبه – نزيهًا كل النزاهة عن الطمع بمنصب أيا كان بريقه، أو التشبث به، أو مجاملة أحد من قرابته أو من أصحابه لنيله، بغير وجه حق أو استحقاق.

وفي الوقت نفسه، لم تكن تلك النزاهة الواعية تمنعه من قبول أهم منصب، عندما أوصِيَ له  بالخلافة من قِبل الصِّديق رضي الله عنه، ورُشح وبويع من قبل كبار الصحابة. وقبوله لها يتماشى مع شخصيته القيادية التي تقدر المسئولية أيما تقدير، وتتحملها متى ما أيقنت في نفسها أنها لها أَهل أكثر من غيرها، فالزهد والتواضع والإيثار حينها، ليس إلا هروبًا، ما كان ينبغي لقائد عبقري مسدد، لديه دوما حِس عالٍ بالمسؤولية، مثل أبا حفص أن يتصرفه.
وكأني به -رضي الله عنه – يستذكر ويسترجع هنا طلب يوسف الصديق عليه السلام من حاكم مصر أن يجعله على خزائن الأرض، ليديرها خير إدارة، ويعمر ويبني، ويتجاوز بالبلد والناس التحدي الاقتصادي العظيم الذي كانوا على مشارفه، لأنه يجد في نفسه الكفاية والقدرة، ولديه من المعرفة والأدوات ما ليس لدى غيره.
رضي الله عن أبي حفص وعن سائر صحابة رسول الله .

☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦

بقلم الأديب العربي/ خلف بن سرحان القرشي

62 تعليق

  1. ذهبة الداود

    بورك مجهودك، حقا مقال رائع ومعلومات قيمة.

  2. هدى المسعود

    بوركت وبورك فكرك وقلمك..

  3. الله مقال رائع من مفكر عظيم.

  4. مقال رائع جدا

  5. كلام جميل

  6. جزاك الله كل خير

  7. عبدالعزيز الفريدي

    الأستاذ خلف يتميز بقراءة التاريخ بعيون الحاضر و ربط الأحداث التاريخية بآخر ما توصل له علم الإدارة و الإجتماع.
    تأملات جميلة مبثوثة في مقالاته

  8. ربط ذكي يدفع عن الفاروق أي محاولة للنيل من سيرته العطرة

  9. قالها صلى الله عليه وسلم (اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين)

  10. رضي الله عنه وأرضاه

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.