لا عزاء لوفاة الأمنيات

تبذل الدولة الفتية الكثير من الجهد والمال في إقامة مشاريع ضخمة من المفترض أن تشكل حجرًا رخاميًّا في تأسيس عهد جديد من الخدمات في جميع المجالات ومنها مجال النقل والمواصلات. ولا شك أن المملكة كدولة مترامية الأطراف جغرافيًّا تستحق شبكة متكاملة من خطوط النقل البري والبحري والجوي، وكان تأسيس خط السكة الحديدية بين مكة، والمدينة، وجدة، خطوة مهمة منتظرة؛ فالمواسم التي يزيد عدد الموجودين فيها في موانئ جدة ومنها إلى مكة والمدينة عن الملايين، ناهيك عن الضغط المحلي الراغب في التنقل بين هذه المدن لزيارة المسجد الحرام أو المسجد النبوي تتطلب هذه الخطوة، وقد حلت فرحة عامرة حين دشنت وزارة النقل هذا الصرح الرائع الذي سيقدم خيارًا حضاريًّا للتنقل بين مكة وجدة والمدينة. ولكن حدث بالأمس ما آلم النفس وصبغ بخيبة الأمل لونًا رماديًّا على تلك الفرحة القصيرة الأمد؛ فالقطار لم يكمل العام بعد، وذلك الحريق الذي ظل يتأجج لساعات طويلة كانت سحابات دخانه تخفي ملامح الأسى على هذا الوليد الذي أصيب في مقتل بعد ولادته بعام واحد فقط.

ليس غريبًا أن تحدث الحوادث من حريق أو غيره؛ فهذا أمر يحدث في العالم كله طولًا وعرضًا، لكن الغريب أن كثير من مواقع مشاريعنا يصيبها الخلل أو الدمار أو الإفساد أو التعطيل أو الحوادث قبل أن يتسنى للمواطنين التمتع بثمارها لعام أو اثنين، فكثير من المشاريع عندنا تصاب في بعض أجزائها إما بالترهل أو بالتراجع في الجودة سواء من ناحية التشغيل أو الاستمرارية، وهذا أمر ملحوظ في دوائر عدة لمشاريع وإنجازات في مجالات مختلفة.

لماذا قد يحدث حريق كالذي حدث بالأمس؟

ما السبب الذي أدى إلى نشوب حريق بهذه الضخامة المريعة؟ وما سبب استمراره لفترة ليست بقصيرة مع محاولات جبارة لإطفائه؟

هذا ملف يجب أن يتم فيه التحقيق على أعلى مستوى وبكثير من الشفافية؛ حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي التي تهدر المال الذي صنعت به، وتريق ترياق الحلم الذي غلف وجداننا حين فرحنا بإنشائه. تبني دول العالم المشاريع، وتنشئ الإنجازات، ربما بتكلفة وميزانية أقل مما نكلف ونطرح، لكن العبرة في استمرار مستوى الجودة، وارتفاع مستوى الصيانة، ورقي معايير الأمن والسلامة المتخذة للحفاظ على ما تم إنشائه، وهذا ما يجعلنا نرى دولًا كثيرة لديها خدمات نقلية كالسكة الحديد تعمل بكثافة استيعابية مهولة، ومع ذلك تأتي الإحصاءات السنوية بناتج فساد أو خطر أو طوارئ أو غيره (صفر).

القطارات ومحطاتها تعمل في أوروبا وشرق آسيا وغيرها منذ عشرات السنين، ونادرًا ما يسجل طارئ هنا أو حادث هناك، مع إمكانية تبرير حدوث ذلك بالكثافة في التشغيل وضخامة الشبكات، لماذا نعاني دوما في مشاريعنا الحكومية منها والخاصة من ظاهرتين: إما انحدار مستوى الجودة في الأداء والتشغيل، أو حدوث حوادث مؤلمة وطوارئ عجيبة غير متوقعة من مشاريع غضة للتو ولدت، والمفترض أن تكون في ريعان شبابها جودة في الصيانة والأداء.

وما المشاكل التي حدثت في قطار المشاعر منذ أعوام، وحريق الأمس في محطة جدة، … وغيرها الكثير مما لا يحصى من حالات تردي مستوى الخدمة، وهبوط نسبة الجودة، وانعدام شروط السلامة، إلا مؤشرات على ماسبق ذكره، فهل الأسباب يمكن حصرها فيما يلي:

– سوء إعداد العمالة التشغيلية،

– تردي مستوى المتابعة والرقابة في جميع مستويات أداء المنجزات،

– إمكانية وجود فساد مالي وإداري يؤدي لكل هذه النقائص،

– بدائية وسائل الأمن والسلامة في هذه المنشآت،

– تقاعس بعض الدوائر من العمالة والموظفين عن القيام بعملهم بالجدية والالتزام المطلوبين.

وكل هذه الأسباب كمشكلات حرجة تحتاج إلى حلول حقيقية تقدم بصورة منهجية مخططة وليست مجرد حلول عشوائية قصيرة المدى لا تسمن ولا تغني، قد تحل إشكالًا طارئًا لكنها تعجز عن تقديم حلول جذرية لمشكلات تعاد وتتكرر بذات الجودة، وذلك لأن الأخطاء تتكرر ومسبباتها لا تزال جارية.

نقدر لحكومتنا الرشيدة ما تبذله لراحة المواطن وإعلاء هذا الوطن، ونشكر كل مواطن وعامل نزيه وشريف بيننا. وللحفاظ على ذلك نطالب بتحقيق موسع في شأن الحريق وفي شأن كل خطأ يهدر المال العام، ويسبب تضررا للخدمات العامة، ونطالب بوضع حلول حقيقية مستمرة ومراعاة ما تم طرحه في هذا المقال من توجيهات تؤخذ بعين الاعتبار.

نحب بلادنا وولي أمرنا وولي عهده، ونريدها أفضل بلاد الدنيا وبتصحيح ما يجب تصحيحه نرتقي ونصل للهدف.

بقلم: د/ فاطمة عاشور 

6 تعليقات

  1. خالد عبد الرحمن

    موضوع مهم وأسئلة عالجرح

  2. ضاحي السلطان

    بحاجة الى وقفة جادة

  3. فعلا..لا عزاء لوفاة الأمنيات

  4. الف سلامة

  5. الى متى الاستهتار والتسيب؟

  6. قدر الله وما شاء فعل..

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا