هجرة صهيب بن سنان الرومي

«رَبِحَ البَيْعُ يَا أَبَا يَحْيَي.. رَبِحَ الْبَيْعُ»
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ]

كان سيدنا صُهيب يُلقب بصهيب الرومي، لكنه رضوان الله عليه لم يكن رُومياً، بل عربياً خالصاً، ولكنه انتسب إلى «الرُّوم» لأنه قبل البعثة بحوالي عشرين عاماً تم أسره من قبل الروم، ثم بِيعَ صُهيب في أسواق الرَّقيق ببلاد «الرُّوم»، وجعلت تتداولُهُ الأيدي فينتقلُ من خدمة سيِّد إلى خدمة آخر، شأنُهُ في ذلك كشأن الآلاف المُؤلَّفة من الأرقّاء الذين كانوا يملأون قُصُور بلاد «الرُّوم».
وقد أتاح ذلك لصُهيبٍ أن ينفُذ إلى أعماق المُجتمع الرُّوميِّ، وأن يقف عليه من داخله، وفي مرة سمع كاهناً من كهنة النصارى يقُولُ لسيِّد من أسياده: لقد أطلَّ زمانٌ يخرُجُ فيه مكة في جزيرة العرب نبيٌّ يُصدِّق رسالة عيسى بن مريم، ويُخرجُ النَّاس من الظُّلُمات إلى النُّور.

ثمَّ هرب من الروم وتوجه إلى مكة بعد سماعه بكلام الكاهن، وعندما وصل إليها لقبّه أهلها بصهيب الرومي بسبب اختلاف طريقة نطقه، وشعره الأحمر. وعمل بالتجارة مع سيد من سادات مكة هو عبدُ الله بنُ جُدعان، فدرَّت عليه المال الكثير. لكن لم تُنسِهِ تجارتُهُ ومكاسبُهُ حديث الكاهن النصرانيِّ، فكان كُلُّما مرَّ كلامُهُ بخاطِرِه يُسأل نفسهُ: متى يكونُ ذلك؟!

وفي أحد الأيام عاد صهيب إلى مكة من إحدى رحلات تجارته، فقيل لهُ إن مُحمدًا بن عبد الله قد بُعِثَ، وقام يدعُو الناس إلى الإيمان بالله وحده، ويحُضُّهم على العدل والإحسان، وينهاهم عن الفحشاء والمنكر.
فقال: أليس هو الذي يُلقِّبونه بالأمين؟!
فقيل له: بلى.
فقال: وأين مكانُهُ؟
فقيل له: دار الأرقم بن أبي الأرقم عند الصَّفا..
ولكن حذارِ  أن يراك أحدٌ من قُريش؛ فإن رأوك فعلوا بك.. وفعلوا، وأنت رَجُلٌ غريب لا عصبية لك تحميك، ولا عشيرة عندك تنصُرُك.
مضى صُهيب إلى دار الأرقم حذراً يتلفت، فلما بلغها وجد عند الباب عمَّار بن ياسر، وكان يعرفُه من قبل، فتردد لحظةً ثُمَّ دنا منهُ وقال: ما تُريدُ يا عمَّارٌ
فقال عمار: بل ما تُريدُ أنت؟
فقال صُهيب: أردتُ أن أدخل على هذا الرجل، فأسمع منه ما يقول.
فقال عمار: إذن ندخُلَ معاً على بركة الله.

دخل صُهيب بنُ سنانٍ الرُّومي، وعمَّار بنُ ياسر على رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعا إلى ما يقُول، فأسلما، وتَحَمَّل صُهيبٌ نصيبه من أذى قُريش مع بلال وعمار وسمية وخباب وغيرهم من عشرات المؤمنين بسبب إسلامهم.

ولما أَذِنَ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة، عَزَم صهيبٌ على أن يمضي في صُحبة الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر؛ لكنَّ قريشاً شَعَرت بعزمه على الهجرة فصدَّتهُ عن ذلك حتى لا يفلت من أيديهم، ويحمل معه ما جمعه من التجارة من الفضة والذهب.

وفي ليلةٍ باردةٍ، بعد هجرة رسول الله، أكثر سيدنا صُهيب من الخُروج إلى الخلاء كأنَّهُ يقضي الحاجة، فكان لا يرجعُ من قضاء حاجته حتى يعود إليها.

فظن من كانوا يحرسونه أنه متعب، وذهبوا للنوم، وبعدما ناموا انتهز صهيب الفرصة وتوجه للمدينة، ولم يمضِ غير وقت قليل على رحيل صهيب حتى علم حراسه أنه هرب منهم، وركبوا خيولهم حتى لحقوا به. فلما أحس بهم، وقف على مكانٍ عالٍ وأخرج سهامهُ وهددهم بأن يقتلهم بها وهو من أمهر الناس في الرماية، فقال قائلٌ منهم: والله لا ندعُك تفوز منَّا بنفسك وبمالك، لقد أتيت مكة صُعلُوكاً فقيراً فاغتنيت وبلغت ما بلغت.
فقال صُهيبٌ: أرأيتم إن تركتُ لكُم مالي، أتُخلُّون سبيلي؟
قالوا: نعم.
فدلهم على موضع ماله في بيته في مكة، فمضوا إليه وأخذُوهُ منه، ثُمَّ أطلقوا سراحه.

أخذ صُهيبٌ يُسرع نحو المدينة فارًّا بدينه إلى الله غير آسفٍ على المال الذي استولى عليه قريش، وكان كُلما أصابه التعب، استفزَّهُ الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعودُ إليه نشاطه، ويواصل سيره.

فلما بلغ «قباء» رآه الرَّسول صلوات الله وسلامه عليه مُقبلًا، فهَشَّ لهُ وبشَّ (أي ابتهج برؤياه وابتسم) وقال: “رَبِحَ البيعُ يا أبا يحيى.. رَبِحَ البيع” وكررها ثلاثاً.
فعلت الفرحة وجه صهيب وقال: “والله ما سبقني إليك أحدٌ يا رسول الله .. وما أخبرك به إلا جبريل”.

ونزل في صُهيبٍ قولُ الله جلَّ وعزَّ: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌۢ بِالْعِبَادِ”.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا