عكرمة بن أبي جهل.. شجاعة وإيثار

كَانَ فِي أَوَاخِرِ الثلاثينيات عندما صَدَعَ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ بِدعْوةِ الْهُدَى وَالْحَقِّ. وَكَانَ مِنْ أَكْرَمِ قُرَيْشٍ حَسَباً، وَأَكْثَرِهِمْ مَالاً وَأَعَزِّهِمْ نَسَباً.

وكان جديراً به أن يُسلِم كما أسلم آخرون مِن أمثال سعد بن أبي وقَّاص، وَمُصعب بن عُمير، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَبْنَاءِ البُيُوتَاتِ الْمَرْمُوقَةِ في مَكَّةَ لَوْلَا أَبُوهُ أبو جهل الذي امتحن اللَّهُ بِبطشِهِ إيمان المُؤمِنين فثبتوا..

أمَّا هُو فعٍكرمةُ بنُ أبي جَهلٍ المَخزُوميُّ، أَحَدُ صَنَاديد قُريشٍ وأبرزُ فُرسَانِها.

وجَدَ عِكرِمَةُ بنُ أبي جهلٍ نفسَهُ مَدْفُوعاً بِحُكم زَعَامَةِ أبيه إلى عداوة مُحمَّدٍ عليه الصلاة والسَّلام؛ فعادى الرَّسول أشدَّ العِدَاء، وآذى أصحابه أكبر الإيذاء.

ولمَّا قاد أبوه معركة ”بدرٍ“، وَأَقسَمَ بالَّلاتِ والعُزَّى ألُّا يَعُودَ إلى مَكَّة إلا إذا هَزَمَ مُحَمَّداً، كان عِكرِمَةُ عَضُدَه الذي يعتمد عليه، ويدهُ التي يبطشُ بها. ولكنَّ اللَّات والعُزَّى لم يُلبِّيَا نِدَاءَ أبي جهل لأنَّهما لا يسمعان.. فَخَرَّ أبو جهل صريعاً دُونَ ”بدر“، وَرَآهُ ابنُهُ عكرمة بعينيه، ورماحُ المُسلمين تنهل من دمه.

عَادَ عكرمة إلى مكة بَعدَ أن خلَّفَ جُثَّة سيِّد قُريش في ”بدرٍ“؛ فقد أعجزتهُ الهزيمة عن أن يظفر بها ليدفنها في مكة، وأرغَمَهُ الفرار على تركِها للمُسلمين؛ فألقوها في ”القَلِيبِ“ مع العشرات من قَتلَى المشركين، وأهالُوا عليها الرِّمال.

ومنذ ذلك اليوم أصبح لِعكرمة بن أبي جهل مع الإسلام شأنٌ آخر.. فقد كان يُعاديه في بادئ الأمر حَمِيَّةً لأبيه؛ فأصبح يُعاديه اليوم ثأراً له.
ومن هُنا أصبح عِكرمةُ وبعض الناس مِمَّن قُتِل آباؤُهُم في ”بدرٍ“، يثيرون العداوة ضد المسلمين، حتى كانت غزوةُ ”أُحُدٍ“.

خرج عِكرمة بنُ أبي جهل إلى ”أُحُدٍ“، وَأخرج مَعَهُ زَوجه أُمَّ حَكيم لِتَقف مع النسوة وَرَاءَ الصُّفُوف، وتضرب مَعَهُنَّ على الدُّفُوفِ تحريضاً لِقُريشٍ على القتال، وتثبيتاً لفُرسَانها إذا حدَّثَتْهُم أنفسهم بالفرار.

وجَعَلَتْ قُريشٌ على ميمنة فُرسانها خَالِدَ بنَ الوليد، وعلى ميسرتِهِم عكرمة بن أبي جهل، وأبلى الفارسان المُشركان في ذلك اليوم بلاءً رَجَّح كفَّة قُريشٍ على مُحمَّدٍ وأصحابه، وحقَّق للمشركين النَّصر الكبير؛ ممَّا جَعَلَ أبا سفيان يَقُولُ:
هذا بيوم بدرٍ.

وفي يوم ”الخندق“، حَاصَرَ المُشركون المدينة أيَّاماً طويلة فنفِدَ صَبرُ عكرمة بن أبي جهل، وضاقَ ذرعاً بالحصار، فنظر إلى مكانٍ ضَيِّق مِن الخندق، واقتحمه بجَوَادَهُ فاجتازَهُ، ثُمَّ فر من جيش المسلمين لينجو بحياته.

وفي يوم فتح مكة رأت قُريش أن تُخلِّي للرسول وأصحابه السَّبيل إلى مكَّة، لأنهم لن يقدروا على الحرب. وقد أعانها على اتخاذ قرارها هذا أنَّ الرَّسُول عليه الصلاةُ والسلام أَمَرَ قُوَّادَهُ ألَّا يُقاتلوا إلَّا من قاتَلَهُم من أهل مكَّة.

لكنَّ عكرمة بن أبي جهل ونَفَر مَعَهُ خَرجوا على إجماع قُريش، وتَصَدَّوا للجيش الكبير، فهزمهم خالِدُ بن الوليد -وكان قد أسلم- في معركةٍ صغيرة قُتِلَ فيها مَن قُتِل منهم، ولاذ بالفرار من أمكنهُ الفرار، وكان في جُملة الفارِّين عكرمة بنُ أبي جهل.

والرسول صلوات الله عليه عَفَا عَمَّا سَلَف من قُريش تِجَاههُ.. لكِنَّهُ استثنى منهم نَفَراً سمَّاهُم، وأَمَر بقتلهم وإن وُجِدوا تَحتَ أستار الكعبة.. وكان في طليعة هؤُلاء النَّفر عكرمة بنُ أبي جهل؛ لذا تسَلَّل مُتخفِّياً من مكَّة، وتوجهَ إلى ”اليمن“، إذ لم يَكُن لهُ ملاذٌ إلا هُنالك.

عند ذلك مَضت أمُّ حكيم زوجة عكرمة بن أبي جهل، وهند بنتُ عُتبةَ إلى منزل رَسول الله صلوات الله وسلامُهُ عليه ومَعهما عَشرُ نِسوةٍ ليُبايعن النَّبيَّ عليه السَّلامُ، فدخلن عليه، وعنده اثنتان من أزواجه وابنتُهُ فاطمةُ، ونساءٌ من نِسَاء نبي عبد المُطَّلب، فتكلَّمَت هِندُ مُتَنَقِّبَةُ وَقالت: يا رسُولَ اللَّه، الحَمدُ للَّه الذي أظهَرَ الدِّينَ الذي اختارَهُ لنَفسِهِ، وإنِّي لأسألُك أن تَمَسَّني رَحِمُك بِخير، فإنِّي امرَأةٌ مُؤمِنَةٌ مُصدِّقةٌ..
ثُمَّ كَشَفَتْ عَن وجهها وقَالَت: هِندُ بِنتُ عُتبَةَ يا رَسُول اللَّه.
فقال لها الرَّسُولُ عليه الصلاة والسلام: (مَرحَباً بِكِ).
ثُمَّ قامت أُمُّ حكيم زَوجُ عكرمة بن أبي جهل فأسلَمَت وقالت: يا رَسُولَ الله، قد هَرَب مِنكَ عِكرمة إلى ”اليمن“ خَوفاً مِن أن تَقتُلَهُ فأمَّنهُ أمَّنَكَ الله، فقال عليه السلام: (هُو آمنٌ).
فَخَرَجَت من ساعتها في طلبه، حتى أدركت عكرمة عند ساحِل البَحرِ في منطقة ”تِهامَة“، وهو يُفاوضُ مُسلماً على نقلِهِ، والرجل يَقُول لهُ: أَخلِص حتى أنقُلَكَ.

فقال لهُ عِكرمةُ: وكيف أُخلِصُ؟
قال: تَقُولُ أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله.
فقال عِكرِمَة: ما هَرَبتُ إلا من هذا.
وفيما هُما كذلك إذ أقبلت أُمُّ حكيم على عِكرمة، وقالت: يا ابنَ عَمِّ، جئتُك من عند أوصل النَّاس، وأبَرِّ النَّاس، وخير النَّاس.. من عِندِ مُحمَّد بن عَبدٍ اللَّه.. وقد استأمَنتُ لَكَ مِنهُ فأمَّنَك فلا تُهلك نفسك، فقال: أنتِ كَلَّمتِهِ؟
قالت: نَعَم، أنا كَلَّمتُهُ فأمَّنَك..

وما زالت بِهِ تُؤمِّنُهُ وتُطَمئنُهُ حتى عَادَ مَعَها.

وماهُوَ إلا قليلٌ حتى وَصَلَ عكرمةُ وزوجُهُ إلى حَيثُ يجلسُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا رآهُ النَّبيُّ صلواتُ الله عليه، وَثَبَ إليه من غير رداءٍ فَرَحاً بِهِ..

ولمَّا جَلَسَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَقَف عكرمة بين يديه وقال: يا مُحمَّدُ، إنَّ أُمَّ حكيم أخبرتني أنَّك أمَّنتني..

فقال النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام: (صَدَقَت، فأنت آمن).
فقال عكرمة: إلامَ تدعو يا مُحَمد؟
قال: (أدعُوكَ إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنِّي عبدُ الله ورسوله، وأن تُقيم الصلاة، وأن تُؤتي الزَّكاة…) حتى عدَّ أركان الإسلام كُلَّها.
فقال عكرمة: والله ما دَعَوت إلا إلى حقٍّ، وما أَمرت إلا بخير.
ثُمَّ أردف يَقُولُ: قد كُنتَ فينا -والله- قبل أن تدعو إلى ما دَعَوتَ إليه وأنت أصدَقُنا حديثاً وأبرُّنا بِرَّاً ..

ثم بَسَطَ يَدَهُ وقال: إنِّي أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهدُ أنَّكَ عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ قال: يا رسول الله علِّمني خير شيءٍ أقُولُهُ.
فقال: (تَقُولُ: أُشهدُ الله، وأُشهد من حَضَرَ أنِّي مُسلِمٌ مُجاهدٌ مُهاجرٌ).. فقال عكرمة ذلك.

عند هذا قال لهُ الرَّسولُ صلوات الله عليه: (اليوم لا تسألُني شيئاً أُعطيه أحداً إلا أعطيتُك إيَّاهُ)، فقال عكرمة:
إنِّي أسألُك أن تستغفر لي كُلَّ عَدَاوةٍ عاديتُكَهَا، أو مَسيرٍ أوضَعتُ فيه، أو مقامٍ لَقيتُك فيه، أو كلامٍ قُلتُهُ في وَجهِك أو غَيبَتِك.
فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (اللَّهُمَّ اغفر لَهُ كُلَّ عداوةٍ عَادانيها، وكُلَّ مَسيرٍ سَارَ فيه إلى موضِعٍ يُريدُ بِهِ إطفاء نُورِك، واغفر لَهُ ما نَالَ من عِرضي في وجهِي أو أَنَا غائبٌ عَنْهُ).
فَتَهلَّل وَجهُ عِكرمة بِشراً وقال:
أمَّا والله، يا رسُولَ الله، لا أدع نَفَقَةً أنفقتُهَا في صَدٍّ عَن سبيل الله إلا أنفقتُ ضِعفها في سبيل الله، ولا قِتالاً قاتلتُهُ صَدًّا عن سبيل الله إلا أنفقتُ ضِعفها في سبيل الله، ولا قتالاً صدّاً عن سبيل الله إلا قَاتَلتُ ضِعفَهُ في سبيل الله.

ومُنذُ ذلك اليوم انضَمَّ إلى مَوكِب الدَّعوة فارسٌ باسِلٌ في ساحات القتال، كان يَضَعُ المُصحَفَ على وجهه ويقول:
كِتابُ ربِّي.. كَلامُ ربِّي.. وهو يبكي من خشية الله.

بَرَّ عكرمة بما قطعَهُ للرَّسُول صلى الله عليه وسلم مِن عَهد، فما خاض المُسلِمُون معركةً بعد إسلامه إلا وخاضَها مَعَهُم، ولا خرجوا في بَعثٍ إلا كان طليعتهم.
وفي يوم ”اليرمُوك“ أقبَلَ عِكرمةُ على القتال إقبال الظَّامىء على الماء البارد في اليوم القائظ.

ولمَّا اشتد الكربُ على المُسلمين في أحد المواقف، نَزَل عن جوادِهِ وكَسَرَ غِمدَ سيفِهِ، وأوغَلَ في صُفُوف الرُّوم، فبادَرَ إليه خالدُ بنُ الوليد وقال: لا تفعل يا عكرمة؛ فإنَّ قَتَلَك سيكُونُ شديداً على المُسلمين.

فقال: إليك عنِّي يا خَالِدُ.. فَلَقَد كان لك مع رسُول الله صلى الله عليه وسلم سابقَةٌ، أمَّا أنا وأبي فقد كُنَّا من أشدِّ النَّاس على رَسول الله، فَدَعني أُكَفِّر عَمَّا سَلَف منِّي، ثُمَّ قال: لقد قَاتَلتُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة وأفِرُّ من الرُّومِ اليوم؟! إنَّ هذا لن يكُونَ أبداً.
ثُمَّ نادى في المُسلمين: مَن يُبايع على الموت؟ فبايَعَهُ عَمُّهُ الحَارِثُ بنُ هِشامٍ، وضِرارُ بنُ الأَزْوَر في أربَعمِائةٍ منَ المُسلمين، فقاتلوا دُونَ الفُسطاط، ولمَّا انجَلَت مَعرَكةُ ”اليرموك“ ثلاثةُ مُجاهدين أثخَنَتهُمُ الجِراحُ هُمْ: الحَارِثُ بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل
فأمر الحارث بِماءٍ ليَشرَبَهُ فَلمَّا قُدِّم لهُ نَظَرَ إليه عكرمةُ.. فقال: ادفَعُوهُ إليه…
فَلَمَّا قَرَّبُوهُ مِنهُ نَظَرَ إليه عَيَّاشٌ.. فقال: ادفَعُوهُ إليه.

فُلَمَّا دَنَوا مِن عَيَّاشٍ وَجَدُوهُ قد قَضَى نَحبَهُ..
فلمَّا عادوا إلى صاحبيه وجَدُوهُما قَد لَحِقَا بِهِ.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.

أربعة عشر − ثلاثة =