من وحي سورة الكهف: أي دجال نتقي؟!

القرآن العظيم، كتاب الله القويم كله هديٌ وهدى، حكمةٌ ونورٌ، سدادٌ وتوفيقٌ، توجيهٌ وإرشادٌ للناس في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ.

وسورة الكهف الشريفة تأتي نموذجًا حياً، وشاهد عدلٍ على ما أشرت، ولذلك وَجَّهَنَا معلم النَّاس الخير، وقائدهم نحو كُلِّ ما ينفعهم دنيا وآخرة؛ رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم إلى قراءتها كُل أسبوعٍ، وما ذلك إلا للتزود بشحنةٍ إيمانيةٍ ومعرفيةٍ، وتوجيهاتٍ سديدةٍ دافعةٍ ومعينةٍ. وجاء توجيهه الكريم عليه الصلاة والسلام هذا في عِدَّةِ أحاديثَ شريفةٍ؛ تُرَغِّبُ في قراءتها كُلّ يوم جمعة لتتغلغل حِكَمُهَا الجليلة في وعي الإنسان، وكذلك في عقله الباطن طيلة أيام الأسبوع. وأحسب أن في تلاوة المسلم هذه السورة العظيمة كُلَّ أسبوعٍ تذكيرًا له بالمنهج الحَقِّ، والمنهاج القويم؛ كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

واشتياري اليوم لكم أعزائي القراء الكرام، يأتي من وحي هذه السورة العظيمة، وهو مقال من كتاب لي بعنوان: (من وحي سورة الكهف – تأملات ورؤى)؛ قيد الطباعة حاليًا، وسوف يصدر قريبًا بمشيئة الله تعالى.

فمن يتأمل هذه السورة العظيمة، يجد أنها تحذر من رَذِيلَةٍ خطيرة ألا وهي (الكَذِب)، وتشنع على صاحبه وأصحابه أيَّما تشنيع.

وهذه الرذيلة هي الفيصل في التمييز والتفريق بين المؤمن من جهةٍ، وبين المنافق والكافر من جهةٍ أخرى.

قال تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}  [سورة النحل 105].

وورد في حديثٍ مختلف في صحته، أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: نعم. قيل: أيكون المؤمن بخيلًا؟ قال نعم. قيل: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: لا”.

ويكفي رذيلة الكذب قبحًا أنَّها من آيات النفاق وعلامات المنافقين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلمَ: ” آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ” ولو تأملنا هذه الصفات الثلاث بعمق لوجدناها جميعها تتضمن الكذب بشكل أو بآخر.

وتكاد تكون هذه العادة الذميمة، والخلق الفاسد قاسمًا مشتركًا في كُلِّ شرٍ.

أليس الشرك بالله عزَّ وجلَّ هو كذبٌ وافتراءٌ؟

قال الله عز وجل في هذه السورة متحدثًا على لسان فتية الكهف: {هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [سورة الكهف 15]

وقال تعالى متحدثًا عن مشركي العرب عمومًا، وقريش خصوصًا:

{وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كُلَّمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [سورة الكهف5].

والكذب ليس موجودًا بقوةٍ في قضية الشرك وفتنته العظيمة فحسب، بل إنه حاضرٌ أيضًا في قضية فتنة المال، فعندما تصف السورة حال الصاحبِ المحاورِ الكافرِ، نجده يمارس كذبًا ومغالطةً للحقيقة، سواءً كان يتعمد ذلك أو يتوهم.

قال تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا} [سورةالكهف 35]

والكفر يقوم على الكذب ويتضمنه. إنه تغطية الحقيقة بغيرها، وسترها بخلافها.

قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله في (الفتاوى):

“الكفر في اللغة: التغطية والستر. والكفر شرعاً: ضد الإيمان – فإن الكفر عدم الإيمان بالله ورسله – سواء كان مع تكذيبٍ أو لم يكن معه تكذيب، بل شك وريب في الإيمان، أو إعراض عنه حسداً أو كبراً أو اتباعاً لبعض الأهواء الصارفة عن اتِّباع الرسالة، وإن كان المُكَذِّب أعظم كفراً من غيره”.

ويقال لــ (الليل) كافرٌ لأنه يغطي ضوء النهار ونوره، ويقال أيضًا لــ (المزارع) كافرٌ لأنه يغطي البذور ويخفيها بدفنها داخل التراب تمهيدًا لنموها وظهورها. قال تعالى:

{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [سورة الحديد 20].

إنَّ ثمَّةَ علاقةٌ جليةٌ بين تحذير هذه السورة من الكذب، وبين كونها حاميةٌ وواقيةٌ بإذن الله تعالى من شر الدجَّال وفتنته، كما ورد في الأثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

ورد في تعريف (الدجال) في معجم الجامع الكبير ما يلي:

” الدَجَّالُ: كذَّاب، خدَّاع، مُدَّعٍ، مُضلِّلٍ، يموِّه الحقَّ بالباطلِ.

المَسيحُ الدَّجَّال: المسيخ الدَّجّال؛ شخص يَدَّعي الألوهيّة، يخرج آخر الزَّمن، يتّصفُ بالسِّحر والكذِب والتَّمويه على النَّاس، ويُعَدّ ظهورُه إحدى علامات السَّاعة.

وقد ورد في الحديث النبوي أنَّ الدجَّال من أعظم الفتن التي تمر بالنَّاس قبل قيام الساعة، وبالتالي فما دونه أيسر وأهون، والوعي بمعاني هذه السورة ودلالاتها نحسبه -والله أعلم- كفيل بإذن الله تعالى بحماية ونجاة من يقرؤها، ويسبر أغوارها، من فتن وشرور كُل الدجالين، صغيرهم وكبيرهم، أفراداً أو جماعات في كُل زمان ومكان.

الدجال اليوم قد يكون أَحَد أقاربك، أصدقائك، جيرانك، زملائك في العمل، كما أنه قد يكون واحدًا من التافهين الذين صنعت منهم الفضائيات، ووسائل التواصل الاجتماعي social media نجومًا يشار لها بالبنان، وقد يكون من دعاة الفتنة والضلال، وقد يكون من المنافقين الجدد؛ الذين يقتاتون بالدين، ويزايدون على القيم والفضائل، وقد يكون واحدًا أو مجموعةً من القائمين على بعض التنظيمات والأحزاب، أو من أعضائها، أو من أتباعهم وقطعانهم، تلك التنظيمات والأحزاب التي تريد الاستئثار بالسلطة والمال، والاستيلاء على مقدرات الأوطان والشعوب، والتفرد بها، ووسيلتهم في ذلك الكذب والخداع، والتغرير والدجل بارتداء عباءة الدين، ورفع شعارات براقة ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قِبَلهِ العذاب، وكذلك بتصنع متكُلَّف للزهد والتواضع والمسكنة، والتباكي على مآلات الأمة، ومستقبلها.

وكثير منهم (أَخْبَابٌ) -جمع خِبٍّ -والخِبُّ هو: المُخادع الغادر؛ قال صاحب معجم “الصحاح”: “الخِبُّ: الرَّجل الخدَّاع الجُرْبُزُ، تقول منه: خَبِبْتَ يا رجُل تَخَبُّ خِبًّا، مثال عَلِمْت تعلم عِلمًا، وقد خَبَّبَ غلامي فلانٌ؛ أي خدعه” أ. هـ.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لست بالخِبِّ، ولا يخدعني الخِبُ).

رحم الله الفاروق فلو قدر له العيش في زماننا هذا، لرآنا -إلا من رحم ربي، وقليل ما هم – فسطاطين؛ فسطاط (الأخْبَابٌ)، وفسطاط (المخدوعين بالأخْبَابِ).

إن بعض القائمين على صناعة الدعاية والإعلان للترويج للسلع والخدمات نحسبهم من الدجَّالين المحترفين، وكذلك بعض شركات ومؤسسات التلميع الشخصي التي يلجأ لها بعض مرشحي الرئاسات والمراكز -الانتخابات الأمريكية نموذجا – هم في الغالب – من ممارسي الكذب والدجَّل، والتضليل والخداع.

والقائمة تطول!

وطالما الحالة هكذا فما المخرج؟

سؤال كبير وإجابته أكبر، ولكننا نكرر ونؤكد ونجزم بأنَّ قراءة هذه السورة العظيمة بقلبٍ واعٍ، وعقلٍ متدبرٍ وذهنيةٍ متأملةٍ؛ تمنح – أعني تلك القراءة – فؤاد قارئها وعقله فرصة استيعاب ما فيها من مبانٍ، وتقود جوارحه للعمل بما بها من معانٍ، وهذا الأمر كفيلٌ -بإذن الله – بالعافية والسلامة من شر كُل الدجالين.

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

بقلم الأديب العربي/ خلف بن سرحان القرشي

#خلف_سرحان _القرشي 

السعودية – الطائف – ص. ب 2503  الرمز البريدي 21944

qkhalaf@hotmail.com

تويتر @qkhalaf

43 تعليق

  1. عبدالرحمان الأشعاري

    شفيت وكفيت وأبدعت وأقنعت بارك الله فيك أستاذ خلف..

  2. عبدالعزيز الفريدي

    رؤية جميلة لسورة الكهف من زاوية مختلفة.
    بإنتظار كتابك بإذن الله

  3. عبدالله العفيفي

    تحليل ممتاز وتناول جيد لسورة الكهف أكرمك الله أخي خلف..

  4. ديمة المطر

    محجوز

  5. ابراهيم مختار

    مقال رائع وممتاز

  6. نورة السويلم

    ما اقبح الكذب

  7. ريما العلي

    سبحان الله..سورة عظيمة حقا

  8. داوود الخالدي

    شكرا للاديب الراقي القرشي

  9. بدور المنصور

    هكذا هو القرآن العظيم.. يتجلى لنا بمعاني جميلة وشيقة

  10. فتى العروبة

    قال تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [سورة النحل 105

  11. صادق العشري

    زاوية اشتيار كعادتها تبدع وتتالق

  12. حنان فلمبان

    شكرا لصحيفة هتون لابداعها ونشرها افضل المواضيع

  13. سوير بنت ابوها

    كلام عميق ومدهش

  14. إلهام عبد الفتاح

    وفقكم الله وسدد خطاكم

  15. كلام في الصميم

    الدجال اليوم قد يكون أَحَد أقاربك، أصدقائك، جيرانك، زملائك في العمل، كما أنه قد يكون واحدًا من التافهين الذين صنعت منهم الفضائيات،

  16. رحم الله الفاروق عمر بن الخطاب

  17. ليالي الحلمية

    لذلك لابد من المواظبة على تلاوة سورة الكهف كل جمعة والتفكر في اياتها

  18. غادة الصالح

    نسال الله ان يهدينا لاحسن الاخلاق

    كما كان يدعو حبيبنا المصطفى عليه افضل الصلاة واتم التسليم

  19. ابتسام العطيف

    اوافقك تماما

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلمَ: ” آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ” ولو تأملنا هذه الصفات الثلاث بعمق لوجدناها جميعها تتضمن الكذب بشكل أو بآخر.

  20. منال الحامد

    وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لست بالخِبِّ، ولا يخدعني الخِبُ).
    رحم الله الفاروق فلو قدر له العيش في زماننا هذا، لرآنا -إلا من رحم ربي، وقليل ما هم – فسطاطين؛ فسطاط (الأخْبَابٌ)، وفسطاط (المخدوعين بالأخْبَابِ).

  21. عباس بن فرناس

    صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم حينما قال عن القرآن لا تنقضي عجائبه

  22. جميل جدا

    شكرا لادارة صحيفة هتون

  23. سارة المطيويع

    شكرا لكاتب زاوية اشتيار علي هذا الابداع الممتع الثر الرايع

  24. خالد الباتل

    ونؤكد ونجزم بأنَّ قراءة هذه السورة العظيمة بقلبٍ واعٍ، وعقلٍ متدبرٍ وذهنيةٍ متأملةٍ؛ تمنح – أعني تلك القراءة – فؤاد قارئها وعقله فرصة استيعاب ما فيها من مبانٍ، وتقود جوارحه للعمل بما بها من معانٍ، وهذا الأمر كفيلٌ -بإذن الله – بالعافية والسلامة من شر كُل الدجالين.

  25. اللهم اكفنا شر الدجالين

  26. عبد الشكور الأزوري

    وفقك الله يا أستاذنا على هذا الطرح جعل الله ذلك في ميزان حسناتك

  27. محمد محسن الغامدي

    امة نظيفة بيضاء نقية خالية من الكذب هي امل ومطمح كل الانبياء والمصلحين وعكسها هو مطمح الشيطان ولذا كان الصراع مستمرا الى ان تقوم الساعة لكن في النهاية لايصح الا الصحيح

  28. مقال رائع للغاية

  29. م.خالد عبد الرحمن

    نهج مستمد من القران وتفاصيل من كتابنا المقدس…بها نتقي الشر والدجل والكذب والريااااء…كاتبنا الكبيييير كل التحية والتقدير

  30. أكرم عبدالوهاب

    مقال رائع

  31. محسن المصري

    موضوع ممتاز

  32. تركي الصالح

    “وما يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابا” الحديث صحيح الكذب هو الفاصل بين الخير والشر..

  33. موضوع يناقش انشغالات المواطن العربي اليومية شكرا جزيلا لك أستاذي الكريم.ز

  34. اعتماد ماضي

    ممتاز ورائع

  35. ابن المملكة

    مقال مميز

  36. محمد الراشد

    الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق ان شاء الله

  37. بدر العساف

    متميزين كالعاده

  38. خدوج الاحمد

    شئ جيد جدا

  39. موضي الفضلي

    مقال رائع

  40. حامد الحازمي

    مبدعون كالعاده بالتوفيق ان شاء الله

  41. عايدة أبو كامل

    أشكرك أستاذ خلف القرشي على هذا المقال الجيد.. بارك الله فيك..

  42. الكاتبة إبتسام عرفي

    لم نعهد من كتاباتك إلا الجميل والمفيد
    مقال رائع جزاك الله خير الجزاء

  43. مقال رائع، ومبارك لك كتابك أستاذنا عسى أن يجعله الله علم ينتفع به.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا