قراءة نقدية في قصة (شهقة الحب) للقاص بخيت الزهراني

عند قراءتنا لأغلب المواصفات والتنظيرات لفن القصة القصيرة في الأدب السعودي المعاصر نجد ذلك التحذير  من أن يتحول النص القصصي إلى مشروع خاطرة، أو قصيدة نثر أو شذرة أو انفعال، و يأتي هذا التنبيه خاصة عند اعتماد الكاتب لغةً تعتمد البلاغة بكل صورها، و قد وقع أغلبُنا بالفعل في هذا المطب الذي تمَّ التحذير منه، و ذلك حين انفلتتِ النصوص من أيادينا و خسرنا فيها روح السرد والقَص، وخاصة في القصص القصيرة جدًا.

واليوم نحن مع قصة (شهقة الحب) للقاص السعودي بخيت بن طالع الزهراني ..

اقرأ القصة أولًا:

 أمامنا قصة قصيرة اعتمدت على تجسيد مباشر ينطوي على سؤال، بل عدة أسئلة، يضعنا الكاتب أمامها والتى تتوالى ويتعمد من خلالها  أن يكسر أفق توقع القارئ منذ البداية: كيف حدث ذلك؟ ولماذا حدث؟ وفي أي زمن نجد هذه الثقافة والبيئة المتزمته؟ هذه الاسئلة التي تدور في الذهن.

 كما أنه لو طرحناها على عدة أشخاص -حول القصة- لوجدنا الإجابات متشابهة وجميعها تشير نحو (مقصلة العادات والتقاليد).

فالمقصلة منذ بداية الأحداث بالمرصاد، منذ نشأة الحب العذري (لم يكن يراها إلا في إجازة الصيف عندما يعود إلى القرية).

كان يلتقيها في ساحة البيت، فيتبادلان نظرات الإعجاب ويشهق قلبيهما لكل لحظة لقاء)

ثم تزداد المقصلة حدة وقوة حين يتقدم للفتاة خطيب فـ (لكن رجلا جاء في غيابه إلى أبيها .. وطلب يدها لابنه).

وافق أبوها .. وجرت مراسم الخطوبة في زمن قياسي،

(استحت البنت – ألا توافق ! .)

وتتوالى الأحداث فيظن القارئ وهو يخطو رويدًا رويدًا إلى عالم البطل أنه أمام شخص يكتشف أنه أصيب بالسكري ومن خلاله أصيب بالعمى أو ضعف النظر – بسبب أهماله نفسه سنوات – حيث راجع عيادة طبيب العيون – ولكنه فجأة يجده في عيادة الطبيب ويشعر بأن الأمل تسلل له وتسرب لروحه من جديد وأنه سيبدأ حياة جديدة ومخرجًا له من المعاناة.

لكن انقلب الشعور فجأة، لم تعد التفاصيل في حياته مجرد تفاصيل مؤلمة قابلة للنسيان، أو عادية وتافهة، والتضحية سهلة بحكاية حب لم تتكلل بالزواج كما فكر منذ لحظات، بل فجأة، أصبحت أسخف التفاصيل مهمة. لأن النهاية تسقط على القارئ بصدمة تأتي بصورة صريحة ومباشرة حيث (وهو شارد الذهن وفي أحد الشوارع المزدحمة، سحقته سيارة مجنونة، مات .. وفي قلبه ” كيّة “) واستعمل لفظ  “كيّة” بدلًا من حرقة، ليتوافق اللفظ مع البيئة القروية لبطل القصة.

وتنتهي القصة لكنها تظل ترن في الداخل، فقد يتساءل القارئ بفرضية “ماذا لو؟” ومروره بحالة الشك، ومن أنه مازال حيًا، وإلى سؤال آخر وهو: ماذا كان سيفعل بعدما شفي من العمى؟.

وهنا أجد في بناء القصة شيئًا ما لم يقنعني. مثل بناء شخصية الحبيبة السلبية خاصة أنه (سافر … وهو متيقن من أنها ستنتظره)، فكيف ستنتظر الحبيب فتاة سلبية ومسلوبة الإرادة؛ فالقصة فقيرة بالشخصيات والأحداث وكان بالإمكان استغلال حدث (تزويج) الفتاة رغمًا عنها بشكل أفضل على المستوى الدرامي، الذي كان عبارة عن حزن متخبط للبطل لا تعلم أثناءه أهو حزن على فقدان الحبيبة، أم حزن لأنه تكالبت عليه الوحدة (انكفأ الحبيب على نفسه، انطوى، وبدأ يذبل) وأصابته بشبه العمى، أم لأجل العادات الاجتماعية التي عانى منها، أو لتسارع الزمن وضياعه منه؛ مما أدى  لزواج الحبيبة دون أن يحرك ساكنًا، وأنه من الغباء أن يترك نفسه بعدها هكذا فريسة للمرض …( قرأ في لوحة مشنوقة على الحائط أمامه: “علامة الحُمق .. ضياع الوقت” ..).

كان الكاتب متميزًا في السرد وفي اختيار لغة بسيطة ومحكمة، والقليل من الكّتاب ممن أدركوا أسرار السرد ومتعته وجماله من كتابنا المبدعين، أصبحوا يعرفون من أين وكيف تؤكل الكتف، وأدركوا أن العبرة في أي شرطٍ أو ركنٍ من شروط وأركان القصة القصيرة، هو أن يكون خادمًا للسرد لا العكس… وهذا مافعله القاص بخيت الزهراني في هذه القصة.

وكانت الحبكة مشوقة إلى حد ما، حيث أراد في هذه الحبكة أن يبرز  تكالب النظام الاجتماعي وأنه شيء مناف للطبيعة وقوانينها وحرية الإنسان، وكون هذه الحرية لم تكن تعني شيئًا للناس في القرية حتى أنها لم تعد تحرك مشاعرهم وعواطفهم في المدينة كما حدث معه في (مكان الانتظار في عيادة الطبيب). وكما أشار إلى أن اللوحة كانت مشنوقة كأنها إشارة رمزية للبطل.

وقد وظف الكاتب ما يمتلك من أدوات الكتابة وتقنياتها لخدمة الفكرة و السرد، وليس لإبهار العيون في مدى التقيد بقواعد الكتابة القصصية حرفيًّا، لأنَّ الأدب الحقيقي يعتمد على الإبداع القائم على كسر جميع الأفق، إن كان على مستوى التلقي أو النقد أو الكتابة.

أخيرًا القصة ذات بعد عاطفي حملت إشارات مباشرة بالغة الدلالة، بحيث جاءت معبرة لنا عن مدى العلاقة الحميمة التي تربط بوثاقها قلب الشاب نحو الحياة والمستقبل وإن كان من الأفضل أن تسمى القصة (شهقة الموت) أو (كثير من الحب والموت) بدلًا من اسمها الحالي.

وللقارئ للقصة أختم وأقول: أحيانًا لا تحتاج إلى مساحة كبيرة من الوصف لتضع يدك على الجرح، يكفي أن يصل إليك كومضة تقف طويلًا على نافذة إدراكك دون أن تغادر! وهذا مافعله بخيت الزهراني .. وتمنياتنا له بالتوفيق والسداد بالقادم من أعمال.

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

كتبتها/ هتون الشمري 

37 تعليق

  1. نقد ثري وجميل، بوركتِ أستاذة هتون.

  2. القصة جميلة وبسيطة في لغتها وأسلوبها، لا تتكلف، قليبل من الكلمات تفي بالغرض..
    أبدعت أستاذ بخيت، وبورك نقدك أستاذة هتون.

  3. طلال العطا الله

    تعجبني القصة كثيرًا، ولا يعجبني السرد الدرامي الملحمي للأحداث، تكفيني الإشارة إلى أنه لم يتجاوزها، والإشارة إلى أنها استحت أن ترفض حتى أدرك قساوة ما يعاني بطل القصة.
    وشكرا للأستاذة هتون على هذه القراءة النقدية الثرية.

  4. كأني أطالع القصة من نافذة منزل ريفي جميل، أسلوب سردي بسيط ورائع واختيار موفق جدا لعمل قراءة نقدية.

  5. بدرية العبدالله

    جميلة جدا هذه الرؤية النقدية، اختيار موفق.

  6. شهقة الحب أو ربما هي غصة الحب التي بلغت الحلقوم ولم تصعد!

  7. نقد ثري يصحبنا في رحلة لاستكشاف أحرف بديعة سطرها الكاتب.

  8. شكرا لكِ أستاذة هتون على هذه القراءة النقدية الجميلة.

  9. شريف إبراهيم

    للأسف العادات والتقاليد كثيرًا ما تفرض علينا واقعًا لا نريده ولا نرتضيه، نعيش ملاحمنا الخاصة دون أن يلتفت أحد إليها.

  10. لا أبالغ إن قلت بأن الكاتب برع ببساطة في التفاعل مع ملاحمنا الخاصة وليس مع بطله فقط، فلكل منا ملحمة ترتبط بطريقة أو بأخرى بالعادات والتقاليد..
    وبرعت الأستاذة هتون في نقد هذه القصة الجميلة، كل الشكر لكما.

  11. فايزة الشهراني

    جميل جدا هذا الطرح، بوركت قراءاتك أستاذة هتون.

  12. جواهر الشمري

    رائعة جدا.

  13. ممتاز بالتوفيق

  14. م.خالد عبد الرحمن

    رااائع….كان يلتقيها في ساحة البيت، فيتبادلان نظرات الإعجاب ويشهق قلبيهما لكل لحظة لقاء

  15. الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق

  16. ابراهيم مختار

    الاستاذة هتون الشمري ابدعت في القراءة النقدية لهذه القصة القصيرة هذا يدل على عمق ثقافتها وحسن تلقيها

    شكرا لك استاذتنا الرائعه هتون الشمري

  17. قصة جميلة عندما قرأتها اخذتني لعوالم جميلة

  18. عيسى العبدالله

    ابدع الاديب في هذه القصة والاستاذة هتون ابدعت اكثر واكثر في قرائتها

  19. شكرا لصحيفة هتون الالكترونية على هذا التألق

  20. العادات والتقاليد اكبر عائق لحرية الانسان ولتطوره

  21. سعدية المالكي

    اكثر ما يميز صحيفة هتون الالكترونية الرصانة والجدية في كل ما تنشر

  22. عائشة الرومي

    القصة مكتوبة باحاسيس ومشاعر جميلة

  23. عبدالرحمن الشهري

    ابدعت يا بخيت شكرا لكم

  24. عبدالعزيز الهيجان

    الاستاذة هتون الشمري غير انها اعلامية مبدعة ولكنها اليوم نعرف انها ناقدة متمكنة

    وفقك الله استاذة هتون شمري

  25. وش هذا الابداع ..الله يسعدكم

  26. نعم اوافقك ان العادات والتقاليد مقصلة لحرية الانسان

  27. شهقة موت كما قلت هو العنوان الانسب

  28. جميل جدا

  29. جميل جدا..تحياتي لكم جميعا

  30. رهيب جدا..تحياتي لكم جميعا

  31. محمد القحطاني

    اكرمكم الله

  32. لم يكن يراها إلا في إجازة الصيف عندما يعود إلى القرية)

  33. حمدان المالكي

    تصوير للواقع ممتع وشيق

  34. شئ جيد للغايه

  35. قراءة جميلة لقصة المبدع القاص بخيت الزهراني ” شهقة الحب ” التي استقى شخوصها من الواقع وصاغها لنا في قالب فني مناسب وجميل .
    وإلى مزيد من الإبداع والتألق للأستاذة هتون والأستاذ بخيت الزهراني .

  36. قصه لمست الواقع حقیقه

  37. الكاتبة إبتسام عرفي

    نقد جميل أستاذة هتون الشمري
    والقصة القصيرة من الفنون الكتابية الجميلة بالذات ان حققت هدف الرؤية والفكرة الجيدة التي تصل للقارئ بسلاسة.
    وكنت منذ فترة قرأت لأحد الكتاب قصص قصيرة جدا وهي عبارة عن جملة او سطر واحد مثلاً ك : ” فتح الباب ودخل بارهاق”
    ومن وجهة نظري ان هذا لا يعد فن كتابي ابدأ

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا