هُتَافُ صُورَةٍ!

قرائي الكرام/

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
اشتياري لكم هذا الأسبوع عبارة عن بعض هُتَافٍ يصافح آذانكم، وتستقبله عقولكم وأفئدتكم، فعسى أن يكون بردًا  وسلامًا، ويرتقي لذوائقكم الراقية.

هذا الــ (هُتَاف) من وحي الصورة الفريدة أعلاه، التي خلدتها عدسة المبدع المهندس/ عبد المجيد بن بندر العصيمي، سبق له نشرها على حسابه في (تويتر).

في ظني أن ثَمَّة كثير مما يلفت المتمعن في هذه الصورة من معانٍ ودلالات، وفي يقيني أن عدسة المُصور لم تُصوَّب على هذا المنظر الأخاذ عبثًا، ولعل من أبرز تلك المعاني، وأكثرها تجليًّا هو: (التواصل)، و(ثِيْمَتُهُ).

الأشجار– أحد مكونات الصورة الرئيسة – نراها متصلة متواصلة فيما بينها البين؛ فروعًا وأوراقًا، يحسبها الناظر إليها أنها في حالة عناق حميمي، وتعانق تلقائي دائم.
ولم تكتفِ الأشجار هنا بعناق بعضها البعض، بل أظنها أرسلت شيئًا من شذى عبقها الفواح، وقطْعًا بعضًا من ظِلِّها الوارف، وومضات من بهاء منظرها إلى الناسوحواسهم؛ الناس الذين نراهم يسير منهم قوم، ويجلس آخرون في جادة الطريق تحتها، وكأن الأشجار بذلك تريد أن توسع من أفق فضاء حالة العناق والتعانق تلك لتشمل البشر أيضا، فيا للكرم الفياض!.

وليس البشر هم فقط من مدَّتْ لهم الأشجار شفاهًا لتعانق، بل  مَدَّتْهَا أيضًا إلى (الأرض)؛ تلكم الأم الرؤوم التي وَلدَتْ تلك الأشجار، ومن ترابها  تَكوَّن وكُوِّن – بأمر الله – الإنسان.

ألم يُخلَقْ الإنسان من (تراب)؟

الناس الذين تظهرهم الصورة؛ القائم منهم والقاعد، تراهم جميعهم في طريق واحد، وهذا الطريق من المؤكد أنه آتٍ بهم، وموصل إياهم من وإلى أماكن أخرى، وإلى أناس آخرين، وكل ذلك بغرض الاتصال والتواصل الذي هو حاجة فطرية، وغريزة إنسانية جُبِلَ عليها الخلق منذ أن خلق الله عز وجل أباهم جميعًا؛ سيدنا آدم عليه السلام، حيث جعل له من نفسه زوجًا ليسكن إليها، لكيلا يَملّ، ولكيلا تطبق عليه الوحدة بقبضتها المَكينةِ واللعينة.
وما إن وجد زوج وزوجة، كان لزامًا أن يكون هناك بنين وحفدة، وتستمر الحياة إلى ما شاء الله، وأنَّى لها أن تستمر وتدوم دونما لغة أو لغات، ودونما شعور أو مشاعر حب وألفة وعطاء.

بالنسبة للغة فقد هيأ الله عز وجل الإنسان لها ابتداءً من لحظة خلقه، فقد جعل له البارئ عز وجل لسانًا، وفمًا، وشفتين … ونحو ذلك، لينتج الكلام، وكذلك أذنين للسمع والاستماع، وقبل ذلك وبعده ميَّزَهُ الله – سبحانه وتعالى – بعقل فريد؛ قادر على المعالجة والتحليل، وبالتالي الاستيعاب والفهم.

وتواصل ذلك العطاء الرباني وبلغ أوج قمته عندما عَلَّمَ الله سيدنا آدم الأسماء كلها.

تطورت اللغة شيئًا فشيئًا، وتعقدت وتنوعت مع نمو الإنسان، وتطوره وحله وترحاله، وتمكنه من الاتصال والتواصل بمن حوله، ولهذا نشأت وتَولَّدَت آلاف اللغات البشرية.

أما عن المشاعر اللازمة للتواصل، فقد أودع الله في الإنسان قلبًا رقيقًا، وفؤادًا حنونًا ممتلئًا حبًّا وعطفًا وإنسانية، ويظل ينبض بها إلى أن يموت، ما لم يُلَوّثْ، أو تَفسِدُ شياطين الإنس والجن فطرته الإنسانية السوية التي جُبِلَ عليها.

جوانب أخرى من الاتصال والتواصل تقدمها لنا بجلاء هذه الصورة المعبرة؛ فلعلَّ الناس البادين في الصورة يتحدث بعضهم مع بعض، كما أن هناك آخرون منهمكون في القراءة، وواحد منهم أو أكثر يتحدث مستخدمًا هاتفه النقال! فعلام يدل ذلك؟
أليس الحديث والتحدث صورة من صور الاتصال والتواصل فيما بين بني الإنسان؟
أليست القراءة اتصال مع كُتَّابٍ، وشعراءٍ، وروائيين،  ومفكرين، وفلاسفة … وغيرهم، أحياءً وأمواتًا، رغم اختلاف ألسنتهم وألوانهم، أديانهم وأفكارهم، قريبًا كانوا أم في البعيد؟

والقراءة أيضًا تواصل وتلاقح وتقاطع بين أفكار ورؤى، نظريات ومعارف بين القراء والكُتَّابِ منذ أن عرف الإنسان الكتابة، وحتى تقوم الساعة.

الشمس هي الأخرى أَبَتْ إلا أن تشارك في حفلة العناق تلك، فأطلت بحياء عبر فرجات بين الأشجار، وأرسلت قليلًا من ضيائها لِيسطَع، ويمنح المكان ومن فيه سنا بهيًّا، يُنْعِشُ ويُحفِّزُ بحنان وتحنان.
إنها – أعني الشمس تمنح الإنسان والأرض والأشجار طاقة من خلال عناقها هذا.
الطريق في الصورة تواجد من أجل الاتصال والتواصل ذهابًا وإيابًا، وهو يؤدي وظيفته المحتومة دونما كلل أو ملل، ومن غير أن يشتكي تعبًا، أو يتأوه إرهاقًا.

يالعناء هذا الطريق! كم مرّ فوقه من أناس، وكم داسته من أرجل، وكم عَبرَه من أبرار وفجار، أخيار وأشرار، أثرياء وفقراء! وكم عانى من تقلب أجواء المناخ، وعواصف الرياح، وصقيع الثلوج! وكم تنامت إلى مسامعه أحاديث صاخبة حينًا، هامسة وصامتة في أكثر الأحيان! تتحدث بالخير تارة، وبالشر تارات!، ولو فتح لنا إضبارته لرأينا عجبًا، ولو سمح لأحد بتصفح أرشيف ذكرياته، ومستودع أسراره، لتملكته الدهشة والحيرة من اختلاف البشر، وتنوع أفكارهم، وتفاوت مشاعرهم، وتباين نياتهم، وكل ذلك وغيره لم يحل بين الطريق وبين أداء مهمته المقدسة في الإيصال والتوصيل.
ليتنا معشر بني الإنسان نتعلم منه الصبر والمثابرة، ونستقي منه دروسًا في تحمل المسؤولية وأداء الرسالة المناطة بأعناقنا تجاه خالقنا، ثم تجاه أنفسنا، والناس، والكون، أيًّا كانت المعوقات.

الامتداد الظاهر في الصورة أحسبه خير معبر عن (ثيمة) التواصل، وقيمة الاتصال بين (هنا) و (هناك)، وما بين (الآن) و (غدًا)، و (أمس) أيضًا!

مشهد الخريف المتمثل في أوراق كثيرة نراها سقطت من الأشجار على الأرض، يَشي باتصال وتواصل فصول السنة فيما بينها، يؤذن بانتهاء فصل، وابتداء آخر لتستمر الحياة بثرائها الممتع للإنسان خاصة، وللكون عامة، ذلك الثراء البهيج النابع من التغير والتغيير.

سقوط الأوراق هنا رسالة تواصل من أعالي الأشجار لأسافلها، جذورها تحديدًا، لتبدأ مرحلة جديدة من امتصاص الماء والسماد والغذاء؛ لتدور الدورة الحياتية منتجة ًزهورًا عبقة، وثمارًا شهيةً ينتفع بها الإنسان والحيوان.

سقوط أوراق الخريف نقرأ فيه معنى العُرَّي والتَعَرٍّي، الذي تمارسه الأشجار بوعي، لكنه ليس تَعَرٍّ لمجرد التعري، إنه تَعرٍّ مُحتشِمٍ وحَشيم  إن صحَّ الوصف  ليس فيه ما يحرج أو يعيب، وذلك لأنه من أجل استبدال كساء مكان كساء، وثوب قديم بآخر جديد، مثلما نفعل نحن بني البشر في مواسم الأعياد وغيرها، وهكذا يستمر اتصال الفصول فصلًا تلو آخر، وبالتالي تواصل الحياة إلى ما شاء الله، تلكم الحياة التي نجدها حيةً حاضرة بهية في مكونات عدة في هذه الصورة البديعة التي هي واحدة من تلك التي تغني عن الآف الكلمات، وتستحق منا شكر ملتقطها الفنان العصيمي، وتهنئته على إبداعه، والشد على يديه ليمتع أبصارنا وأفئدتنا دومًا بمزيد من  الثراء والجمال.

☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦

بقلم  الأديب العربي/ خلف بن سرحان القرشي

73 تعليق

  1. ماشاءالله ، صورة رائعة وتعليق أروع ،، بالتوفيق للجميع …

  2. خدوج الاحمد

    الصورة تفوح بالأسرار

  3. موضي الفضلي

    في كل صورة عبرة والجدير بالمتابعة من يستطيع استخراج هذه العبرة .. سلكت كاتبنا العزيز

  4. محمد الراشد

    زاوية التصوير تفتح الآفاق .. بورك المصور وبورك الكاتب

  5. محمد القرشي

    قرا ءة الصورة فن لايتقنه ألا مرهفي الحس القادرين على تحريك الشخوص وبث الحياة في عناصر الصورة ومكوناته وأطيافها
    فأحساس المصور يدفعه للتصوير وذوق الكاتب يبث فيها الحياة
    أبدع المصور وتميز الكاتب

  6. صورة لفنان مبدع ربي يحفظه وينور طريقه

  7. تصوير رائع من مصور مبدع يعطيه العافيه

  8. لكل مبدع إنجاز ولك نجاح شكر وتقدير

  9. قرأت المقال أكثر من مرة
    لم أجد فيه شخصية خلف الأديب
    هناك استطراد وعدم ترابط للافكار
    فلدى ابو سعد مقالات أجمل من هذه المقال بمراحل فاشتيارك هذا الاسبوع
    لن ينتج مقالا (حر!!! ) خالص وإنما مخلوط وذلك ربما بسبب ضيق الوقت
    $في النهاية تبقى شامخا ابا سعد$

  10. ماشاءالله تصوير مبدع وتعليق رائع لا يفهم ذلك إلا من لديه حس فني وأدبي

  11. لاقوة الابالله
    الله على الجمال صوره تتحدث أشجار تتعانق ومكان جميل ًًوطريق لمكان يبدوا اجمل ياااارب
    ربي يجعل حياته وحياتنا جمال ول اجمل يااااارب ❤️
    مبدع ورائع الله يزيده من فضله

  12. أم عبد العزيز الغامدي

    ماشاء الله تبارك الرحمن ابداااااع حقيقي ينم عن ابداع في الاحساس عند التقاط الصوره وابداع لحظة الالتقاط وابدع مفرط في شمولية الصوره مصور مبدع ومتمكن تبارك الرحمن

  13. فوزية الغامدي

    ماشاء الله تبارك الرحمن ابداااااع حقيقي ينم عن ابداع في الاحساس عند التقاط الصوره وابداع لحظة الالتقاط وابدع مفرط في شمولية الصوره مصور مبدع ومتمكن تبارك الرحمن

  14. مشالله صوره اكثر من رائعه وتصوير مشالله ابداع الصوره تتحدث عن احساس مبدع

  15. عبدالباري العصيمي

    ماشاءالله تصوير ابداع من شخص مبدع ، أخي وسندي عبدالمجيد اتمنى لك كل التوفيق ومن نجاح الى نجاح يارب🙌♥️، ونشكر الأستاذ والأديب ابا سعد على تعليقه الأجمل من رائع♥️.

  16. عبدالمجيد العصيمي

    شاكر لك أبا سعد هذا التكرم بقراءة الصورة، فرؤيتك للإخراج الفني كانت أعمق مما تخيلت، عندما قررت كمصور تكوين ملامح الصورة. فذلك إنما ينم عن خبرتك الأدبية والفنية، فعلاً رؤيتك الأدبية كانت الجزء الأجمل بالصورة .

    كل التوفيق ومزيداً الإبداع أستاذي .

  17. تعودنا أن تقرأ الصور التشريحية ( جسم الإنسان ) والصور ذات الدلالة على جهاز معين أو الآلآت ( كتالوجات) وخلافه ولكن الأستاذ خلف القرشي كأني به عبر مقالين من مقالاته تفنن في قراءة للصور الفوتوغرافية العادية واستوحى منها جوهر تأملي يعد ذا بؤرة فنية جمالية تحاكي مايسمى الأدب التصويري أن صح التعبير فإن كان الأدب التصويري يسخر الصورة الأدبية أو النص للتبليغ والتوصيل من جهة والتأثير على القارئ من جهة أخرى فإن التحليل الذي نجده من القرشي يستثمر الصورة في التعبير والتشكيل والبناء لانطباعات البصر والعقل والوجدان في نطاق رحب وواسع تجعل التحليل ومؤشراته تحتكم لأي تفاعل من المشاهد سلبًا أو إيجابًا .
    فهذا يعني أن الأديب القرشي يخرج بما هو جديد ولم يعد حكرًا على صور الشروحات والكتالوجات ..
    بل جعل للصور الفوتوغرافية نطاق رحب وواسع. خاصة إذا جاءت كهذه الصورة الفريدة للمصور العصيمي تحمل مقاييس جمالية وتعبيرات ليست تقليدية وهذا المقال أوجد قاسمًا مشتركًا بين الأديب والكاتب القرشي والمصوران المتميزان كالمهندسن سعد القرشي في مقاله الأول وكالمهندس عبدالمجيد العصيمي في مقاله الثاني وهذا القاسم يحتكم إلى مقاييس الانتباه نحو الجمال والأبهار والتأنق والتألق .ويسير بنا نحو علم به نستطيع دراسة الصور في ضوء رؤية معينة، يفرضها منطق ومنهج معرفي وخيال ذو آليات تحليلية خلابة في الفهم والتوصيف والتفسير .
    سلمت الأنامل وحفظ الله كاميراتكم ويراعكم لمزيد من الإبداع ودمتم بود .

  18. أبو عبدالمجيد.

    ولا يزال الشكر موصولًا باسمي واسم ابني للصحيفة المبدعة والرائعة “هتون” ولجميع فريق العمل القائمين عليها إدارةً وأسرة تحريرٍ
    فهي تمتاز بامتلاك رؤيةٍ ذات توازنٍ للزوايا المبهرة والحفية بكُتّابٍ متميزين طرحًا وفكرًا وإمتاعًا لقرائها ومتابعيها المتألقين والمتذوّقين.

  19. جميل هو المنظر وخلف هذا الجمال جمال فنان ابدع بتخليد هذة اللقطة باحتراف وابداع .. الى الامام قدما عبدالمجيد ..

  20. ابداع غير مستغرب من مصور مبدع
    حفظك الله والى الامام دائماً

  21. مشاءالله تبارك الله صوره ولا اروع مبدع الله يحفظه

  22. لمسنا جمال وروعه المنظر ،من عدسه فنان مبدع ،تألق في سماء الفن والإبداع ، بالتوفيق مجيد …..

  23. ماشاء الله تبارك الرحمن
    بارك الله في أبناءنا إخراج فني رائع للصورة
    وقراءة أروع للصورة
    مبدعة أنامل ورؤية وعدسة المصور ولسان وتذوق لالأستاذ الذي علق على الصورة الله يفتح عليهم جميعاً

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.