عندما تغني الصورة عن آلاف الكلمات

تنويه/

تَشرُفُ هذه الزاوية، ويُسعِد كاتبها أن تصافح أعينكم الجميلة، وأذهانكم الواعية كل ثلاثاء، بدلا من كل جمعة، وذلك ابتداءً من اليوم بإذن الله تعالى، لاعتبارات تحريرية؛ تعود لرؤى الإخوة الكرام، القائمين على تحرير هذه الصحيفة الموقرة؛ (هتون الإلكترونية).

اشتيارنا اليوم – قرائي المتميزين  أحسبه مختلفا عن غيره، وفيه خروج بفكرة الزاوية شكلا ومضمونا، عن السائد والمعروف والمعتاد. فكتابة الزوايا في معظم إن لم يكن في كل الصحف الإلكترونية في عالمنا العربي ظَّلَتْ تٌعرَض وتُقَدَّمُ بنفس الشكل والمحتوى، الذي تعرض به وتقدم في الصحافة التقليدية، والمجلات الورقية؛ مجرد مساحة بيضاء، يملؤها الكاتب بما شاء من النصوص فقط.

ولم توظف الصحف الإلكترونية، ولا كُتَّابها إمكانات النشر الإلكتروني الفائقة، و (الملتيميديا) في الزوايا الصحفية، وأعني بذلك إضافة صور فوتوغرافية، أو مقاطع فيديو ، أو روابط تشعبية تقود إلى مواقع على الإنترنت عبر دهاليز الشبكة العنكبوتية العملاقة.

ولعلي اليوم أكون واحدًا من القلائل الذين يفعلون ذلك، متمنيًا أن يروق لذائقتكم الراقية معشر القراء.

مقالي اليوم، عبارة عن قراءة متواضعة لصورة فوتوغرافية منشورة – كما ترون أعلاه.

هذه الصورة التقطتها عدسة ابني الأكبر المهندس (سعد) – منذ زمن –  واستوقفتني؛ نظرت إليها مرارا، وأمعنت النظر فيها تكرارا.

وجادت قريحتي بعدها بهذا التأمل، وإن صح القول، بهذه القراءة التأويلية، من وحي تلك الصورة.

فإلى ذلك البوح الذي أحببت مشاركته إياكم أيها الأفاضل/

يا لها من صورة معبرة يا سعد!

إني أتساءل: هل ثمة علاقة بين اهتراء القبعة السعفية لهذا الرجل العجوز، وبين تجاعيد سنين عمره البادية على وجنتيه، وبين رماد سيجارته؟

كلها معطيات تؤذن بقرب الرحيل، وإن شئت الدقة، فقل الفناء.

يا ترى … ما الذي تقوله عيناه للكاميرا، وللمصور، ولنا جميعا، ولكل من يطالع صورته؟

ما سر هذا الحزن في عينيه؟ وما الذي يجول بخاطره؟

– أتراه يرثي عمره الذي أوشك نجمه على الأفول ؟ أم أنه يُعَزّي بقايا أيامه في سابقاتها؟

– أتراه مشتاقا لفلذة كبد بعيد عنه، لم يره منذ سنوات، ولم يعد يعرف عنه شيئا؟

– أم أنه يبكي رفيقة عمره التي اختطفها الموت ذات فجر؛ سَمِعَ نعيب بُومه يومها كل من في القرية؟

– أم أن هذا الحزن قد اكتنف هذا الرجل، ومازال مطبقا عليه، منذ أن فقد فلذة كبده الصغير؛ نتيجة داء بسيط؛ كان من الممكن أن يجد له علاجا في أحد مستشفيات العاصمة البعيدة عنه، فقط لو كان يملك المال اللازم لذلك؟ وكأني به في هذه الحالة هو و (ابن الرومي) سواء في حسرة الفقد.

ألا قاتل اللَّهُ المنايا ورميها

من القومِ حَبّات القلوب على عَمدِ

توخَّى حِمَامُ الموت أوسطَ صبيتي

فلله كيف اختار واسطة َ العقدِ

يا ترى .. لو كانت الصورة عبارة عن مقطع فيديو .. ما الذي نتوقع أن نشاهد فيه، ونسمع منه؟
هل نرى العجوز فيه يعمل شيئا، أو نسمعه يهمس أو يصرح ببنات شِفَاه؟ أم سيظل طيلة دقائق المشهد صامتا، وعندها إذا ليس ثمة كبير فرق بين الصورة الصامتة أعلاه، وبين المقطع؟

من يدري فلعله يحاول أن يوصل لنا بصمته هذا، رسالةً من نوع ما، وأكثر الرسائل خطورة في الحياة، هي تلك التي تكون صامتة؟

ما الذي يشغل باله؟

أهو الحنين لأيام طفولته، وصباه؟ حيث كان متحررا من كثير من التزامات الحياة، وقيود الزمن، ومتطلبات العمر

أم هو الشوق لتلك العشيقة الحسناء؛ التي أحبها ذات أعوام خلت، كأعظم ما يكون الحب، وبنى معها قصورا في الرمال، ولكنها خُدعت بمعسول كَلاَمِ ذلك الفتى الأنيق، وأغراها ماله الوفير؛ عندما أتى إلى قريتهم سائحا ذات صيف ضيعت اللبن، وضاعت فيها الأحلام والقيم أيضا، وتسربت تلكم المرأة من بين أصابع يدي عشيقها المتيم هذا، ذات ليلة حالكة السواد؛ نام فيها سهيل، ومات القمر؟ وغطى ظلامها سماء المعمورة وسطحها، ومن يدري فلعله تغلغل في أعماقها أيضا؟

ولماذا يرتدي العجوز تلك القبعة السعفية فوق قبعته العادية الأخرى؟

أيخشى على رأسه أن يفر من مكانه، لو كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن رأسه مثله تماما ممتلئ بأفكار شاخت مثلما شاخ هو؛ لكنها تراوده عن نفسه بكرة وأصيلا؟ ومن شدة احتدامها بدأ يشفق على رأسه منها. وهل له أو لأحد منا سلطة على الأفكار؛ متى تأتي؟ ومتى ترحل؟!

لماذا حرص على أن تكون القبعة الثانية من السعف؟

لعله يثق بأمه الأرض كثيرا، وبحنوها عليه حُنُو مرضعة على فطيمها، لهذا غطى رأسه المشتعل شيبا، المحتدم فكرا بشيء مما تخرج الأرض.  

لماذا هو مُهمَل شكله هكذا؟ أبسبب الفقر أم بسبب الملل؟

قال الشاعر العربي القديم:

سئمت تكاليف الحيـاة ومن يعش

ثمانين حولاً لا أبـا لك يسأم

وأعلم ما في اليوم والأمس قبله

ولكنني عن علم ما في غد عَمٍّ

لماذا يمسك بالسيجارة؟ ألا يعلم أنها مضرة بصحته لا سيما في هذا العمر؟ أم أنه قد وصل لمرحلة أنه لم يعد لديه ما يخسره، وتساوت عنده حسابات الربح والخسارة، حتى على مستوى العمر نفسه؛ وبالتالي فتشبثه بالحياة يقل كل يوم عن سابقه؟ أم أن (السيجارة) هي ما تبقى له من أصدقاء العمر، ورفاق السهر، وصِحاَب الحِلِّوالترحال؟

لعل كل أولئك غادروه، ورحلوا عنه ومنه، وباعدت بينه وبينهم صنوف الدهر، وتصانيف الأيام؛ منهم من مات، ومنهم من نسيه أو تناساه، ومنهم من استبدله بغيرهربما، لم يتبق له غير (السيجارة) خلا وفيا؛ يرى فيها ما يراه القائل:

لَمَّا رَأَيْتُ بَنِي الزَّمَانِ وَمَا بِهِمْ ​​خِلٌّ وَفِيٌّ، للشَّدَائِدِ أَصْطَفِي

أيْقَنْتُ أَنَّ المُسْتَحِيلَ ثَلَاثَةٌ:​​الغُولُ وَالعَنْقَاءُ وَالْخِلُّ الوَفِي

 

ما الذي ينتظره يا ترى؟

قطارًا يقله من قريته إلى مكان آخر؟ بعد أن فاته القطار السابق، وفي الحقيقة أنه لم يفته قطار واحد، بل قطارٌ، وثانٍ وثالثٌ إلى ما شاء الله.  والقطارات لا تنتظر أحدا كما يقول الحارثي؛ فهد بن ردة.

ومن يدري .. فلعله ينتظر المطر الذي لم يسقط على قريتهم منذ زمن، لذا نفقت المواشي، وهلك الزرع، وجَفَّ الضرع. ولم تجدهم نفعا – وهيهات لها أن تجدِّ – تلك القرابين التي قدموها لإلهة الخصب والمطر كما يزعمون؛ وفقا لاعتقاداتهم.

(القطْر) ..  أم المطر .. ينتظر؟ ليتنا نعرف، لا لشيء إلا لنرضي فضولنا، وما أعظم فضول الإنسان، وما أكثره!

أسئلة حبلى تفضي إلى مزيد من الأسئلة، وهذا هو الإبداع الذي يحرك في الذهن السؤال تلو السؤال، وفي البدء كان السؤال؟
وتلك الأسئلة وشبيهاتها تؤجج المشاعر، وتجعل الوجدان في حالة مخاض تتيسر تارة، وتتعسر أخرى؛ لِتلد مشاعر شتى متشابهة حينا، متباينة في غالب الأحيان.

وصدق الصينيون إذ قالوا الصورة تغني عن ألف كلمة!

شكرا لك على إمتاعنا بهذا الجمال يا سعد. دمت سعيدًا.

☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦

بقلم الأديب العربي/ خلف بن سرحان القرشي

51 تعليق

  1. الاعلامي حاتم العبدالكريم الغامدي

    ابداع منقطع النظير الصوره والمصور وكاتب المقال الأديب الأريب ابا سعد شكرا هتون اسعدتمونا بهكذا مقال وكاتب وصوره ♥️

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.