وقفة مع الروائي العربي “عامر حميوّ” حول ثلاث فتيات من سبايا داعش وكبير الآلهة الشيطانية

ما بين روايته ” رواية (بهار) التي صدرت عام 2016م، رواية (سُلَّم بازوزو) عام 2018 عامين قصيرين في الزمن لكنهما تمثلان مسيرة إبداعية وروائية للكاتب عامر حميوّ الروائي العراقي، فكانت بهّار..كما قيل عنها رواية الألم في زمن الموت والتي خلفت حكاية ومأساة عائلة إيزيدية خلال اقتحام داعش للموصل ومعها معاناة (بهار) تلك الفتاة والتي كانت تستعد للزواج، فتمازجت

“هتون” التقت هذا الروائي لتقف بالقارئ مابين مسافة على الصعيد المضموني، و التعاطي مع الوطن بوصفه صورة حالمة يمتزج بها الفرح وخيبة الأمل مع الواقع المأساوي في بهار ومابين حالة من الدهشة والحيرة من خلال (رمال حارة جدًا) .

أجرت الحوار/ دولة بيروكي

إذا كان القول في الشكل والمضمون الروائي يتفق بما جاء به صاحب نظرية النظم عبد القاهر الجرجاني من أن جلّ ما يميز رواية عن رواية بنائها وتصميم هندستها، الذي يمثل شكلاً لفحواها أو مضمونها، فالإبداع في النثر الروائي إنما يصدر من الفنان مُلهم فيُنسق أجزاء الشكل والبناء بحسب حاجة الدلالة ،أي أن المعنى المراد في نفْس المُؤلف  هو الذي يرسم شكل البناء، وهذا مانشعر به من خلال تلك الكتابة الروائية والتي يضغنا ضيف لقاءنا في صورة إنتاجه الأول وتجربته مع الكتابة بشكل عام .

  • حيث نتعرف في البداية عن من يكون عامر حميوّ الكاتب والإنسان ؟
  • عامر حسين حميوّ عراقي من محافظة بابل ولدت في العام 1964 حصلت على الدبلوم في المحاسبة، تقاسمت مع الملايين من العراقيين الضيم والقهر والبطش واستلاب الحرية والعوز والعري كل سنين الحصار وقبلها سنين القمع الفكري في ثمانينيات القرن المنصرم، أوجدت لي مثل غيري خزين تجربة مؤلمة لو تسنى لغيري أن يمتلك ناصية الرسم بالكلمات لكنت إزاء وصفه مثل نقطة في بحر، فبقدر المأساة التي تقع يكمن داخل كل إنسان أروع الروايات. بدأت بالكتابة عام 2015 وبدأت بالنشر عام 2016م .
كل من كان حولي كان يتمنى أن يكون طبيب أو مهندس لكني كنت أتمنى أن أكون كاتبًا فقط
  • ماهي الكتابات التي تركت أثرها على الأستاذ عامر حميوّ؟
  • عمري مع القراءة تجاوز الأربعين عامًا ببضع سنوات أخرى، ومثل هذه المدة لايمكن إحصاء عدد الكتاب الذين تركوا اثرهم فيَ وإستمرأت كتاباتهم، لكنني أستطيع أن أقول إن محاكات نجيب محفوظ لبسطاء الناس وجريه وراء تناقضاتهم، ثم جنون نيكوس كزنتزاكيس، وحكمة أرنست همنكواي، وشقاوة أبطال حنا مينه، وتحريض مكسيم غوركي لمتمرديه، وتحرر شخوص نوال السعداوي، وقهر نساء ليلى عثمان، وكدح أبطال غائب طعمه فرمان وراء خبزة يومهم، وملاحقة إميل زولا لمنبوذي باريس، ثم طيبة الفلاح العراقي وبساطته في ماكتبه شمران الياسري، وسحق الانسان العربي تحت جزمة الدكتاتور في روايات عبد الرحمن منيف،واستنباط خبايا النفس البشرية بقبحها وجمالها عند دستويفسكي، وتخبط المثقف الواعي وحنينه لاطلال الوطن المفقود عند جبرا ابراهيم جبرا، والعيش مع ضنك الفدائي وتشرذمه بين عائلته والقضية التي نذر نفسه لها عند غسان كنفاني، ثم توظيف جغرافية جسد المرأة لنقد عهر الساسة العرب عند نزار القباني، والخوف من يد رجل الأمن وسوط الجلاد عند أحمد مطر، كلها كتابات لمؤلفين لازالوا يحتلون الصدارة في ذائقتي الأدبية.
  •  دائمًا الكتابة الأولى تعيدنا للكتابة مرات عدة حتى نتأكد من جماليتها،ماهي تجاربك الكتابية ومحاولات كتابتك الأولى؟
  • ولدت في بيت يمتلك مكتبة ثرية في الرواية والقصة القصيرة والبحوث ودواوين الشعر وكتب اخرى عن علم الاجتماع وعلم النفس،فصادقت الكتاب، ومنحني الرفقة وأنا ابن العاشرة من عمري، وفي الوقت الذي كان فيه أقراني يتمنون أن يكونوا أطباء ومهندسين ومدرسين وطيارين، أنا تمنيت أن أكون قاصًا وروائيًا،وفي عمر الخامسة عشر جربت أن أكتب القصة القصيرة، لكني بعد هذا الوقت بسنوات قليلة، انضممت لتنظيم سري يعنى بالأدب والفكر ويحارب أيديولوجية السلطة وقمعها الفكري في زمن الثمانينيات، واعتقلت بعد سنة ونصف أنا وكل المجموعة فأضيف لمخزون تجربة الصغير بعدًا آخر اسمه عالم مواجهة الذات وحيدًا، منحني خزين صور عن بشاعة ظلم الحاكم وجبروته-صدام حسين أنذاك – ،إزاء من يعارضه حتى فكريًا،وأنا لهذا اليوم أدين لتلك التجربة بالعرفان؛ لأنها أبعدتني لاحقًَا عن التغني بالذات ونرجسيتها، فزخرت أقاصيصي التي نشرت لاحقًا بقدرة فائقة على وصف الألم عند الآخرين، بعد الاعتقال توقفت بضع سنوات عن الكتابة،لكني لم أفارق رفيقي الكتاب أبدًا، ثم في العام 1986 لاحظت أن أسلوبي في الكتابة بدأ بالنضج والتماسك، فكتبت قصة قصيرة في الأدب الإنساني، موضوعتها الحرب، قدمتها لمجلة الطليعة الأدبية فاشترطوا لنشرها ان أسمّي الأبطال ببلدانهم حتى يضيفوني لما كان يطلق عليه في ذلك الحين(أدباء قادسية صدام)، أخذت قصتي ولم أنشرها، وشاءت الظروف أن تَنجو القصة كل مدة طمر كتب مكتبتي تحت تراب الأرض،خوفًا من السلطة،والقصة لازالت بحوزتي سالمة مع أقاصيص أخرى سأنشرها قريبًا في مجموعة قصصية.
  • ماذا تعني الكتابة الروائية وشخوصها لدى الكاتب عامر حيمو ؟

الرواية نزيف وعي جامح بحلم، قد يكون متفائلا وقد يكون متشائمًا، لكن على الوعي هذا أن لا ينزف تهريجا قوامه الترويج التجاري لبضاعة فاسدة، تكون بديلا لهدف السرد الذي يغني لحياة صاخبة تفاؤلا أو تشاؤما و كلّما حاصرت الشخوص الروائية كاتبها بتناقضاتها، وتماهى معها أثناء الكتابة، أجاد بتصويرها وخرجت نابضة بصخب الحياة.

وكلّما كانت الشخوص عابرة، ولا يشعر بأشباحها ترافقه أينما حل ورحل لتشابهها، بدت بين أوراقه شخوص باهتة، مصطنعة، كأنها أشباح موتى تزور أطيافها محتضر على فراش الموت، وفي الحالة الأخيرة عليه خلط أوراق لعبته من جديد، وتوزيعها بشكل آخر

  •  ماهي صفات الروائي المتميز في نظركم ؟
  • الروائي شخص حالم يصنع لنا انعكاس ما بداخلنا، واختلافنا على تذوق تلك الروايات، هو اختلاف على نسبة الحلم بيننا وبين مؤلفيها. فنحن نوافق الروائي المتشائم إن كنا في داخلنا قانطون متبرمون مما نعيشه، ولا نتذوق كتاباته إن كنا نرى إن الحياة تمنح للبشر مرة واحدة فقط، ومن الصعب تضييعها بعبث التشاؤم الذي لا طائل منه، ونوافق الروائي الآخر إن رسم لنا صورة حلمه لحياة تقبل الظلم، إن كنا نحن من يسبب الظلم لغيرنا…
  • كيف بالإمكان أن نضع مواصفات لصناعة –أن صح التعبير- متميزة للرواية ؟
  • فعل الكتابة (الروائية حصرا) فعل جماعي تعجل بولادته العوامل التالية:
    – مجتمع يمنح للمؤلف تجربة حياة كبيرة، ومؤلف لديه الاستعداد والقدرة على تخزين صور تلك التجربة، واستدعائها (بجمالها وقبحها) عند فعل الكتابة.
    – وعي متراكم للمؤلف من قراءات مسبقة ( مجموع القراءات هي جهد فكري لآخرين خارج سيطرة المؤلف).
    – مجموعة أصدقاء (لديهم وعي متراكم لجهد غيرهم أيضا) هؤلاء ينشطون بمراجعة مسودات نص المؤلف ورصد ثغرات النقص فيه، وكأنهم لا يعرفون ذلك المؤلف ولم يلتقوا به.
    والروائي الذي يتهيأ له أنه بمنجى عن وجود الثغرات في نصه (التالي) يكون مغفلا بامتياز، مهما علا رصيده من القرّاء بعد طباعة منجزه (الحالي).
المرفهين والمتنعمين لايمكن أن يخرجوا عمل روائي جميل إلا إذا عاشوا البؤس والحرمان  
  • مابين حلم الخامسة عشرة بالكتابة ومرورًا بالاعتقال كيف تشكلت الرواية كمحك حقيقي في تجربتكم ؟
  • الكتابة حين نعالجها عن الحرب بصورة واقعية نستشف من خلالها عمق المأساة التي يعاني منها إنسان هذه الحرب,فالدلالة التي تأتي إلينا عبر ما تراكم في هذه التجربة الإنسانية من أحزان والآلام نحاول وفقها إدراك البعد الأيقوني والجوهري للشخصيات في الرواية,كما تمدنا بأحداث وتفاصيل قد تكون مغيبة عن الرأي العام ,لكنها في الرواية هي قراءة حقيقية لوقائع الحرب ,بمميزات جمالية للرواية ومن ذلك أقول في رواية بهار ( تحركت أكرة الباب واطل رأس أشعث, تدلت منه حزمة ضفائر شعر أسود لف بعصابة من جبهة الرأس, واختلط أسفل ذؤابات الضفائر بشعر اللحية المنفوش, وانفرجت شفتا فمه عن صف أسنان, بدت صفراء كلون السماء المغبرة, كانت نظراته مركزة على أيديهن المتشابكة فوق رؤوسهن، دفع الباب بركبته وبدت إحدى يديه ممسكة ببندقية, وجّه ماسورتها باتجاه مكانهن, ثم تقدم بحذر نحوهن, مثل قط يحاصر فأرا, وأطلت رؤوس من وراءه ترقب المشهد بحذر مثله. وقال أحدهم بنشوة فرح: أبو براء..كأني أشم رائحة سبايا)) .من هنا بدأت ماساة بهار,فتاة أيزيدية تتعرض للخطف والإغتصاب في الحرب القائمة بالعراق…
  •  هل كانت بهار تنتظر كل هذا الوقت للكتابة عنها في ظل ما يشهده العراق من حروب عبر عقود عدة؟
  • الفعل الروائي لايخرج جميلا من تحت أيدي المتنعمين، مالم يعيشوا حرمانًا ما أو يخضعوا لتجارب قاسية، مقترنة بوعي لايساير القطيع، وهو مثل البيضة التي لا تأتي مسلوقة تمامًا مالم يصل الماء في الحيّز الذي توضع فيه لدرجة الغليان الكاملة، وكانت كارثة احتلال الموصل من قبل مجاميع الإرهاب هي الماء المغلي لإخراج البيضة بهار كاملة السلق كما ظهرت في طبعتها الأولى من دار ليندا للطباعة والنشر والتوزيع.
  •  ماهو الشئ الجديد والمغاير في رواية بهار؟
  • أنا أقول أنه الحقيقة,فالرواية الحقيقية هي التي تحتاجها القراءة،أعتقد أن ما أكتبه ينتمي للمدرسة الواقعية النقدية، وقد وظفت ادوات مابعد الحداثة في موضوعة الزمن برواية بهار، فالقاريء لها سيجد ان لحظة الشخوص الحاضرة تختلط في المستقبل وتنهل من الماضي أو العكس،والرواية في الوقت الذي تحكي فيه عن قصة ثلاث فتيات عراقيات:بهار الأيزيدية وفيفيان المسيحية وآمال الشيعية ثلاثتهن طالبات يدرسن علم النفس في جامعة الموصل،ولكل منهن عالمها، وطقوسه الخاصة به،لكن الزمالة الجامعية، وتقارب الأفكار جعلت منهن صديقات لايفرق بينهن شيئًا، إلا وقوعهن سبايا عند تنظيم داعش، ولكي ألم بحالتهن استمعت لعشرات الشهادات ممن عاش المحنة وذاق مرارتها، وقرأت الكثير من المصادر عن ميثلوجيا الديانة الايزيدية، ونبشت كثيرًا في كتاب الجلوة ومصحف رش المقدسين عند الطائفة الإيزيدية، فهذه الرواية في الوقت عينه إنما تحاكي واقعًا حقيقيًا لشخوص افتراضية نهلتها من مصادر المحنة وأجوائها.
  • حدثنا عن روايتك الثالثة (سُلَّم بازوزو) ؟
  • بازوزو: هو كبير الآلهة الشيطانية للعالم السفلي في ميثلوجيا الديانة البابلية والآشورية، وعندهم هو المسؤول عن الرياح الجنوبية الغربية التي تكون من مهامها العواصف والجراد في الشتاء، والجفاف والتصحر في الصيف: (يعني هذا الإله بالشتا ضيم، وبالصيف ضيم!!!) لذا لوحة غلافها صورة لتمثال الإله بازوزو
    وأنا اعتبرت العراق بئر يحكمه الإله بازوزو، فبدأت الرواية من أسفل سلمة في البئر عام ١٩٦٨ وانتهت بآخر سلمة له عام ٢٠١٧ :
    جهدت فيها أن أدون آلام المجتمع، تلك الآلام التي ألقت ظلالها على بنية المجتمع العراقي السايكولوجية، وانتجت هذا التشظي الذي أصاب النفس وشتت الفكر بمفاهيم الهوية والانتماء. وكان لقهر السجون وصمود الرجال فيها ثم انهيار آخرين، ومطحنة الحرب الأولى، وجوع الحصار وركوع الكرامة ، ولمعان الأيادي البيضاء، وذل سلاح الارهاب على الأهالي الآمنين نصيب في سلّمات الرواية التي كانت (السلّمات) عكس ما تصوره: فيها ترابط ملحمي تؤدي فيه إحداها الى الاخرى بوشائج تجمع بين التناص مع القص في حكايات (الف ليلة وليلة)، وبتخيل راوٍ يعتمد الواقعية بثيمة القصص مختلقًا لها أجواء في الوصف والحوارات تناسب الفعل، وبين سلّمات توغل بالرمزية الكبيرة، لكن الشكلان يجتمعان في النهاية ليخدما خاتمة رواياتي التي عادة ما تكون ذات نهايات مفتوحة تغرس الوردة العطرة وسط كوم نفايات كبير، أو تخرج سنبلة قمح وسط حقل شوك كثيف.
  • كل ذلك يجري: من خلال متابعتي لشخصية (إبراهيم العسافي) منذ أن كان صبيًا في الابتدائية وحتى يصبح رجلًا يتجاوز الخمسين من عمره.
  • وفي الرواية تأخذ المرأة حيزها من هذا التشظي فتكون مرة مشاركة فاعلة في الأحداث، لكنها كباقي أفراد المجتمع تحكم تجربتها الخيبة والانكسار، ومرة تكون شاهدة على ما يجري لكنها تلوذ خلف دموع القهر، وفي سلّمات القهر تكون المرأة الضحية المعاندة التي لها حضن مثل جناحي حمامة على فراخها الصغار.
  • لمن يكتب عامر جيمو رواياته ؟
  • القرّاء نوعان:
    قرّاء نسخ ورقية(وأنا منهم)، وقرّاء نسخ إلكترونية، والصراع بين وجودهما يكاد أن يكون مثل صراع الحضارات، هذا يقول ستنتصر حضارتي وتعمل بها البشرية، وذاك يحذو حذوه ويقول ذات القول.
    لكن الحقيقة على مستوى واقع الحاضر أن قرّاء النسخ الإلكترونية يزدادون على حساب قراء النسخ الورقية.
    ولأن الزمن: زمن الديمقراطية، وأنا بحكم الواقع ديمقراطي(حتى النخاع في عظامي يصرخ بالديمقراطية)!.فإنني أُتيح للمتلقي(قارئ أو ناقد) نسخة إلكترونية من روايتي الثانية( رمالٌ حارةٌ جداً) لأسلم على وجودي بزمن الحضارتين معًا، فهناك رواية تُكتب لتُرضي القارئ، ورواية تُكتب لتُغيظ القارئ(مع توفر الشروط الفنية بإجادة النوعين) وفعل التغيير والارتقاء بوعي القارئ يقف مع الرواية المُغيظة، لأن هذا النوع هو من يوّلد التساؤل داخل فكر المتلقي.
  • هذا التصنيف منكم للقراء هل يعني أن الروائي ملزم بأن تكون له رسالة محددة ومخصصة؟
  • عادة مايلجأ الروائي(خاصة في الشرق) إلى الاستفزاز والإغاظة عن طريق التورية والرمزية، فعبد الرحمن منيف وهو القومي العروبي أكثر الروائيين العرب الذين استفزوا الحاكم العروبي المستبد برواية (شرق المتوسط) وبرأيي لم يحدث استفزازه من خلال سرده لما يجري من تعذيب للمعتقلين بالشرق، رغم أنه فضح أساليب التعذيب في السجون الفكرية بالوطن العربي، لكن استفزازه يكمن بما انتهت له رسالة شرق المتوسط عندما يعتقل رجب ثانية وهو مسمل العينين بينما يولد الطفل…رسالته كانت: مهما قمعتمونا سيبقى رفضنا لكم يتناسل ويولد…أما مجموع الروائيون الذين اسميتيهم ب(مهاجمي الثوابت بشكل فج) فهؤلاء لايفقهون رسالة الروائي وهم عبارة عن صحفيي روبرتاجات مصورة يطالبون غيرهم بمعالجات للمشاكل التي سلطوا الضوء عليها. وإذا جئت لتجربتي في بهار فإن معنى بهار هو الربيع باللغة الكردية، ولجأت لهذه الوسيلة للترميز إلى دورة الحياة والموت، أو للتذكير بأسطورة تموز، ومما قاله النقاد عنها وهم يعدون قراء باجترافية ( سمحت الرواية بضم أجناس متعددة ولم تغفل دور الجاني بل رسمته بكل حيادية دون تكلف فكانت كما لو أنها كُتبت بيده وعن نفسه.
    الرواية تقود القارئ معها إلى نهاية متوقعة فكل القرائن الناضحة في سطورها تصل بالأحداث إلى الخروج من عنق الزجاجة، وحسنا فعل كاتبها ذلك فبعد تلك الأحداث المروعة تمكن ببراعة أن يرسم ابتسامة سرور في النهاية التي تميزت بالشد العاطفي المكثف في صفحاتها الأخيرة حتى يشعر القارئ هناك برغبة عارمة للبكاء فرحًا.)
مواقع التواصل الاجتماعي كشفت لي بكل أسف حالات لكتاب مشاهير  يحملون من (مرض الشيزوفرينيا)
  • هناك روائيين عراقيين إستطاعو الفوز بجوائز عربية وعالمية,لأنهم وضعو الوطن وحقيقته الموجعة في صلب كتاباتهم,هل ترى بأن الرواية العراقية تعود لتأخذ مكانتها بين الروايات العربية؟
  • بعد سنين من التعتيم على المؤلفات العراقية ومنع طباعتها مالم تحكي في مدح السلطان، وتلك حالة استمرت في العراق من نهاية السبعينيات حتى عام 2003انفتحت قريحة الكتاب العراقيين وقرائهم على خزين تجربة،فيها القمع السياسي،والحصار الاقتصادي الذي جعل الانسان يبيع حصير بيته من أجل لقمة عيشه، ثم هذا الكم الهائل من الحروب وأعتاها كانت موجة الإرهاب التي عصفت في النسيج الاجتماعي فظهرت أسماء كتاب عراقيون أثروا الساحة الأدبية العربية بما خطته أقلامهم منهم على سبيل المثال لا الحصر: سنان أنطون و أحمد سعداوي وأنعام كجه جي وحسن بلاسم وعلي بدر ومحسن الرملي، وآخرون غيرهم، استطاعوا أن يحصدوا جوائز عربية وعالمية، وترجمت مؤلفاتهم لأكثر اللغات الحية، وأستطاعوا بفعلهم هذا مع غيرهم أن يعيدوا مجدًا للرواية العراقية، افتقدته لسنين، بين قريناتها العربيات.
  • ماذا عن الوضع الثقافي في العراق، في ظل المشهد السياسي والطائفي في مجمل تجربتك بين العمل الإبداعي والسياسي اين تقف بين المشهدين؟
  • قبل أن أكون أديبًا فأنا لا أجد توازني إلا في العمل النضالي والكشف عن حقيقته ولم أكن بعيدًا عن الهم السياسي في يوم من الأيام، مثل أي مواطن عربي ومناضل لأجل السلام وكل كاتب بالذات في العراق لاينسلخ من الموقف السياسي أي أن كان، وهو دور ثقافي هام وليس فقط دورًا ثقافيًا، لذلك لا نستطيع أن نفصل بين المثقف وموقفه السياسي، وحيث أن هناك مجازر تقوم بها قوات داعش ضد العراقيين، فهم يدمرون حضارات تعود لعصر الروماني، والبيزنطي والإسلامي بمختلف عصوره “الأموي والعباسي والعثماني”، تم تدمير جزء كبير منه مع مرت به العراق بدء من حرب الخليج الأولى كما أنه استمر إلحاق الإضرار بكل موقع أثري، لذا نحن و ثقافتنا مهددة ، أمام محاولة طمس الثقافة العربية الموجود في العراق إن لم تكن طمست حقيقة ، لقد ابتدع الشعب العراقي ومثقفوه، نوعًا جديدًا من الثقافة نستطيع أن نسميه “ثقافة الصمود”وهو يحاكي الواقع لأي مشهد
  • من خلال تجربتكم ماذا قدمت مواقع التواصل الاجتماعي للثقافة ولكم ؟
  • تشكل الوعي عندي مذ كنت صغيرا من خلال أحاديث استقبلها فكري من أصدقاء سمعت كلماتهم ولم اعرف شيئا: لا عن أشكالهم ولا كيف يعيشون ويسلكون ! كنت أتفاعل مع أفكارهم عبر كتبهم , انصهر في حممها وأتجمد فوق ثلوجها.كانوا رسل الأفكار النبيلة التي شكلت عندي ما اعتز فيه الآن : فكري.ورغم أن البحث جاريًا عندي لحد الآن، غير أني وجدت بعضهم، واعترضت على أفكار جلهم وناقشت آخرين كثيرًا، وكم كنت أسفًا أنهم متواضعون ثائرون في كتبهم, حملوني كغيري مشاعل مضيئة ,ناء فيها كتفاي صغيرا , وضاع فيها مستقبلي كبيرا وما ندمت ولن اندم, لكني أسفت للكم الهائل الذي يحملون من (مرض الشيزوفرينيا) بعد أن تعرفت عليهم في كبرهم وكيف يتعاملون مع الرأي الآخر وكيف هي حياتهم سلوكًا لا تغطيه كلمات رنانة؟!.وهذا يجعلني أتقدم فيه بالشكر الجزيل لكل شبكات التواصل الاجتماعية(فيس , سكايب ,هوتميل , ياهو….) التي (عرفتني بطفولتكم, رغم كبر أعماركم سادتي) , لكني ينتابني إحساس أن أصرخ فيكم الآن: غرقنا بسيول شبكات التواصل , ولأنهم علموني فن الاعتراض وكيف أصيغه بجرأة ودون خوف , فقد بحثت عنهم بحب فضول لا يفوقني فيه ابن العشرين, شغفًا.
  • ما هو جديدكم القادم ؟
  • مخطوط لرواية منجزة، يكتبها اللامنتمي ويرويها المنتمي، يكتبها الخارج الذي عاد بعد عشرين عامًا من الغربة، ويرويها الداخل من وسط تعب الانتظار،كاتبها (شخصية براغماتية): يكتب ما حدث له، يصور، يستفيض بتدبيج مشاعره وأحاسيسه، يتفلسف، يبرر، يستنتج ، يستنبط. يقنعنا في حينٍ فنتصالح مع شخصيته، ويشوش أفكارنا حينا أخر فنتخاصم مع رؤاه، يغلبه الحنين مرة فيتمنى أن تحتضنه الجذور، لكنه في مرة أخرى يلعن أن له تلك الجذور، من وجهة نظره يبيح للظرف أن يشكل ما بداخله، ويرفض على الآخرين أن يخضعوا لذات المنهج. براغماتيته لا يسمح لها أن تتجاوز الكارزما الشخصية له، فهي حق له، وعيب لو تبناها غيره.خيبة الحبيبة وخذلانها وانكسارها له تبرير أمام الظرف السامي الذي وجد فيه.سلبياته كلها مبررة وإيجابيات الناس غير مقنعة له.يؤرقه الماضي ويدعي نسيانه، ويعيش الحاضر بكل ضجيجه ولا يبيحه لغيره، والراوي (شخصية واقعية) يروي الأحداث من خلال: خزين الذاكرة، كراس اللامنتمي، رسائله السرية، اعترافات المواجهة وضعفها، والمرأة في الرواية:مرة تكون حبيبة منكسرة توازي جذور مقطّعة من أصلها، ومرة تكون أخت توازي النبش عن جذور تقطّعت. ونهاية الرواية مثل نهاية رواياتي السابقة:(بهار، ورمال حارة جدا، وسُلّم بازوزو )

سيرة ذاتية

– عامر حميو / روائي وقاص ومسرحي عراقي.

– ولد في بابل / القاسم / عام 1964/ ودرس حتى حصل على دبلوم محاسبة.
, وبدأ النشر عام 2015م – بدأ الكتابة منذ العام 1984.

عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.
– عضو الهيئة الاستشارية للبيت الثقافي في القاسم.
– طبعت له رواية (بهار) بطبعتين، عام 2016/ عن دار ليندا للطباعة والنشر/ سوريا.
– رواية (رمال حارة جدا) عام 2017/ عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع / العراق.
– رواية (سُلَّم بازوزو) عام 2018 عن دار كلكامش للطباعة والنشر والتوزيع/ العراق.
– رواية (حبّة خردل) منجزة/ لم تطبع بعد.
– رواية(الأنتيكة) منجزة/لم تطبع بعد.
– مسرحية(جحر الفئران) نشرت في مجلة الثقافة الجديدة/عدد أيار 2016.

– أكثر من عشر قصص قصيرة منشورة في مجلة (الشرارة) ومجلة (السنبلة) منذ العام 2015 ولحد الآن

 

7 تعليقات

  1. حوار رائع مع أديب متميز، سلّم الله أهل العراق والعرب من الخوارج

  2. حوار عميق ومتميز
    طرحت فيه قضايا تستحق النقاش
    شكرا للكاتب والذي قام بإجراء الحوار
    والشكر موصول لكم

  3. حوار جميل

  4. شكرا لموقع صحيفة هيتون الالكتروني، ولرئاسة التحرير فيها، وللصحفية دولة بيروكي على هذا الحوار الرائع الذي اراه قد قرب عوالمي الروائية من القارئ والقى حزمة ضوء ساطعة على ماانجزته بمسيرتي السردية في الرواية العراقية، ورغم بساطة فعلي لكنها لاتتقاطع مع رصد الاقلام الروائية الاخرى لزملائي في ذات الجنس الادبي…المحبة مقرونة لقراء الصحيفة ومن طالع او سيطالع مانشر عني.

  5. حوار رائع
    صحيح من رحم المعاناه يخلق الابداع
    تحياتى للاديب والكاتب العراقى الاستاذ عامر حميو

  6. أم عبد العزيز الشعلان

    حوار مميز والادب العربي يحتاج مثل هذا الاهتمام

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.