تداعيات الكاتب حامد العباسي مابين السرد والاقتناص

حظوت بالانضمام لمجموعة ملتقى فرقد الرقمي عبر مجموعات تطبيق الواتس (WhatsApp) حيث تنشر نصوصًا عديدة، وكان أن قرأت قصة للكاتب حامد العباسي معنونة بـ (تداعيات ليلة شتوية باردة)، هذه هي القصة للقراءة.

فوجدت أنها من الكتابات التي تستحق القراءة والتناول، لاسيما وأنها ضمن نوع أدبي أعشقه، وهو (القصة) التي تستهويني دومًا بالكتابة عن أدبياتها وجماليات ما فيها.

فما تناوله الكاتب أ/ حامد العباسي في قصته القصيرة يجعلنا  نقف في خانة نضعه  فيها مع من تمرسوا  في كتابة القصة الجديدة التي تقف ما بين القصة القصيرة والأقصوصة، فهو لم يدخل في فن قصصي تعامل معه بأي فن من فنون السرد المكثف، بل نحن نجد تلك الكلمات الرشيقة والخفيفة التي رتبت ضمن جمل وصفية قصيرة تقدح شرارة المفاجأة والإبهار في مخيلة القارئ.

فحين تعاملت شخصية بطل الحدث مع الساعات الأخيرة من الليل ثم الساعات الأولى من الفجر، ومع شخوص ثانوية كالعصفور، وصاحب أنكر الأصوات (حمار)، وربط حالة العصفور بتأملات داخلية هو يعيشها دون أن يفصح عن ذلك  بل جعلها إسقاطات بعيدة عنه ، واتضح كل ذلك بما يعتريه من فقد للطمأنينة والسكينة، ووجود فوضى في حياته لدرجة ربط ذلك  بوصف حالة السفر، والسجين، والأعمال المنهكة التي يعيشها ( فاخترع ذهنه المنهك عشرات الأعذار لعدم تلبية النداء!). 

واستخدم في ذلك أدوات سردية ذات براعة مقتدرة تؤكدها الخبرة والممارسة في طرق هذا الفن.

ونجد ذلك ايضًا في وصف صاحب أنكر الأصوات (يا لهذه، التي كانت ذات يوم ترفل في العزّة والنعيم، فأصبحت مشردّة في الشعاب والأودية، تتقلّب في الذلّ والشقاء!) 

ثم ينتقل إلى صباحية في الذاكرة لكنه يجعلها كلحظة آنية يستكمل بها لحظة جديدة مستوحاة من ذكرى محببة ومشوِّقة” حالته ( مع “ست الحبايب” ..)، كل ذلك في جمل قليلة، ومضغوطة لا تسمح باستئصال كلمة واحدة، وإلا تفكك النص.

ويسير بنا الكاتب نحو اقتناص اللحظات العابرة قبل انزلاقها على أسطح الذاكرة‏،‏ وتثبيتها للتأمل الذي يكشف عن كثافتها الشاعرية بقدر ما يكشف عن دلالاتها المشعة في أكثر من اتجاه، فتزداد وتيرة الألم والمعاناة لديه ليعايشها معه القارئ خاصة حيث يقول ( كان يريد أن يقتطف رياحين، أو “بعيثران”، أو أي شيء جميل، يجعله ينتشي، وينتسي، حالة أرق البارحة!..)  وما يليها من انقطاع الاتصالات .. وإحساسه بأن هنالك سجن وسجان ومسجونين هو منهم.

فأتت لحظة المعاناة لتمتاز بقدرة الكاتب على التكثيف الدلالي، وإثارة التأويلات المختلفة، وعنصر المفارقة فيها يُحكِم استراتيجية النص التي سعى  أن يُبرزها بوعي، ومنها نستخلص أن الكاتب قادر على حمل الهموم المختلفة الشخصية، والاجتماعية، والوطنية، ويؤكد على القيم الإنسانية التي تنطوي عليها‏ الكتابة الصادقة,، التي تتشوق للعدل والحرية‏,، وتنحاز إلى المظلومين والهامشيين، وتحاول أن تغمس مدادها في جراح مجتمعها، لتكشف عن الأدواء في نص قد يكون رواية أو قصة أو أقصوصة فليست القضية في تغيير حجم النص المقروء فحسب من الحجم الكبير إلى حجم أقل في القص ؛ فالرغبة الملحة في التغيير لا بد أن يكون وراءها دوافع جوهرية نابعة من متغيرات الحياة التي نعيشها والتي يجب أن يقدمها الكتاب – كما قدمها العباسي –  لكل قارئ، فهي تحمل جماليات أدبية تحظى بالانتباه والتيقظ من بداية النص إلى منتهاه.

ولعلها فرصة سانحة، وأنا أطرح هذا الرأي ووجهة النظر، أن اختم بما يقول الأديب والعالم الفيزيائي الدكتور أحمد زكي “ليس ألذ في أحاديث الناس من قصة، وليس أمتع فيما يقرأ الناس من قصة، والعقول قد تخمد من تعب، ويكاد يغلبها النوم، حتى إذا قلت قصة ذهب النوم، واستيقظت العقول، وأرهفت الآذان…)، من كتابه في السماء.

فشكرًا من الأعماق للكاتب حامد العباسي على ما قدمه في تداعياته خلال ليلة شتوية باردة.

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

بقلم/ هتون الشمري 

2 تعليقان

  1. خلف سرحان القرشي أبو سعد من الطائف بالسعودية

    نص باذخ وقراءة عميقة فعلا.

  2. حامد العباسي

    شكرا أسناذ خلف .. شهادة أعتز بها

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.

4 × واحد =