الإشاعة، بضاعة أم وضاعة؟!

إذا كان نقل الأخبار دون التثبّت منها بشاعة؛ إذن ما حالها وقد تلقّفتها غوغاء الإشاعة، فبئس هي من بضاعة وزاد، تشحن القلب مع عداوةٍ تزداد، ليحلّ الكره منازل الألفة، ويقطع الضغنُ حبال الرأفة.

فيما مضى من زمن يمكن القول إنّ للإشاعة بوقًا واحدًا، خفيّ المصدر، فلا يعرف له – إلّا ما ندر – خطوة طريق، وإن كان بين الناس قويّ التسويق! وربما مضت الإشاعة فيه، وكأنّها الصواب والحقيقة، التي لا تُحجب شمسها بغربال الشعيرة والدقيقة.

أمّا اليوم، فكم من مُتبوّقٍ للكذب تعدّدت مصادره وإشاعاته، وكان له في (فبركته) دور في معركته؛ حتى لا تُحجب شمس زيف افترائه، فإذا بالشمس تحرقه وتحرق زور ادّعائه، لأنّ المجتمعات تغيّرت مع تغيّر وتعدّد وسائل الاتصال؛ فأصبحت تدرك حقيقة الشمس دون عناء ودون (أدلجة) تفرضها وسائل الاتصال القديمة في زمنٍ عابر ووقتٍ غابر.

غير أنّ البعض لم يزل يعيش عصر (الأدلجة)، فلا يقف ويستوقف نفسه على الواقع ليدرك الحقائق والدقائق. فالمرء يبقى مُناظِر عقله؛ وأستاذ ضميره؛ ومالك رغبته؛ ليس بعاجزٍ أن يفصل بين الدجل والعدالة، والصدق والضلالة، ما دام البرهان موضع يديه، والإثبات محلّ ناظريه.

وهناك من يجيد فن الإشاعة؛ باجتزاء مقطعٍ أو تقبيح صورة؛ أو تحريف صوتٍ، يوافق شعور هواه فيواري عن الورى بقية مسراه، ليصل بذلك إلى مقصده ومبتغاه، من إثارة البلبلة، وتفريق الآراء، واختلاط الألسن بحديث أجوف مصدره الحقّ إشاعة.

قال الشاعر العراقي جميل الزهاوي:

كم قد أشاعوا عن لساني بينهم

… نبأً يســوءُ الشـــعب غيــر وثـيق

وتزداد الإشاعة لؤمًا ووضاعة؛ حين تُختَلق على الدين المتين، وتُلفّق على الوطن الأمين؛ حيث الأول رحمة لوجدان المجتمع المولتئم؛ والآخر لُحمة لبنيان المجتمع الملتحم، فما أسوأها من فظاعة، حين ينعق الناعق لصدع رأب هذين الجوهرتين. قال تعالى: ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا)

لذا؛ على المتلقّي أن يتروّى ويتمعّن الخبر، قبل أن ينتقل منه إلى غيره، كما عليه تكذيب ذلك ونشره مع الدليل، إذا ظهر له أنّه بهتان وإفساد لا يسلك درب الرشاد حتى يُقنع غيره، فالحجّة سنام الإقناع، وفي وسائل التواصل الاجتماعي ما يرفع نسبة تصديق الخبر من تكذيبه، وأفضّل في هذا المغترد (تويتر) فهو برأيي أوثق من غيره خاصة (الواتس أب) الذي لربما نقل أخبارًا قديمة بلباس جديد تزيّنَ بالزخرفة، والنقش والتنميق، يُظنّ منه صدق الرواية.

– فاصلة منقوطة ؛

أشاعوا القـولَ .. بهتانًا وزورًا

… ولو علموا الحقيقةَ ما أذاعـوا

فتلقاهم حِيال الغيّ .. أُسْـدًا

… وبـومًــا .. بالنـعيق لـهُ ارتياعُ

وإن كشفوا الحقيقةَ خبّؤوها

… ولاذوا بالسكـوتِ فهم ضيـاعُ

كرأسِ نعامـةٍ، أخفـت برمــلٍ

… بشاعتها، ومقصدُها الخداعُ

—-

إبراهيم الوابل – أبو سليمان

ibrahim7370@

الاثنين – الموافق

21 – 1 – 1440هـ

1 – 10 – 2018م

5 تعليقات

  1. أبو إبراهيم علي البراهيم الوابل

    رائعة من روائعك أباسليمان….

    دمت ودام قلمك الجميل

  2. أبو عبدالله البدراني

    ما شاء الله تبارك الله
    ضافية المعنى ورائعة المبنى شريفة المغزى و نقية المنحى ، متساوقت السبك وظاهرة الحبك
    هكذا الأرواح الراقية زاكية بكل جميل

  3. مها بنت أبوها

    كفيت
    ووفيت
    كم من بشر تضرروا من الإشاعات وتشوهت سمعتهم
    مانقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل في كل من يظلم غيره بالكذب

  4. سليمان السحيباني

    أحسنت أبا سليمان ولقد ابتلينا في عصرنا فأنصح نفسي ومن ثم غيري أن نتثبت ونتحرى الحقيقة ولاغيرها .. نسأل الله السلامة

  5. اقتباس :
    ( وتزداد الإشاعة لؤمًا ووضاعة؛ حين تُختَلق على الدين المتين، وتُلفّق على الوطن الأمين؛ حيث الأول رحمة لوجدان المجتمع المولتئم؛ والآخر لُحمة لبنيان المجتمع الملتحم ) أستاذنا أوجزت فأبدعت ،إلى الأمام كاتبنا نسأل الله لك التوفيق .

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا