أصدقاؤك في رمضان

رمضان شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، شهر يتضاعف فيه الأجر والثواب، وخاصة في هذه العشر الأواخر التي أنزل فيها القرآن الكريم على خير من أنجبت البطون في العالمين، محمد صلى الله عليه وسلم.

وإذا كانت كل المعجزات التي أنزلها الله سبحانه وتعالى قبل القرآن الكريم قد حددت في زمان ومكان معين، وخصت بقوم دون باقي الأقوام، فمثلًا معجزة موسى عليه السلام، انتهت بانتهاء زمنه، ونفس الشيء ينطبق على معجزات باقي الأنبياء والمرسلين عليهم السلام أجمعين، فإن معجزة القرآن الكريم معجزة خالدة لا تنتهي، وهي باقية إلى يوم القيامة، وتعني وتخص كل الأمم وكل الشعوب ولا يحدها زمان ولا مكان، فهي أكبر من أن يستوعبها زمان ومكان معين، وأكبر من أن تخص أمة دون باقي الأمم، إنها رسالة وكلمة حق تعني كل إنسان مكلف يمشي على هذه الأرض.

كتاب بهذا التوصيف وبهذه المواصفات، تكفل الله عز وجل بحفظه من التغيير والتزوير والتحريف، كان حقًا علينا أن نصادقه ونصطحبه معنا أينما حللنا وارتحلنا ونتلوه في جميع الأوقات وخاصة في الأسحار، ونحفظه في صدورنا ونتوقف عند كل آية أية من آياته الكريمة، فنتمعن فيها لنفهم معانيها ودلالاتها ونتدبرها لنستوعب مقاصدها ومراد الله سبحانه وتعالى منها.

وأفضل مكان نقرأ فيه هذا الكتاب المبين، الذي يهدي إلى الرشد، هو المسجد، وهو الصديق الآخر الذي ينبغي أن نلازمه على الأقل خمس مرات في اليوم، حتى نعتاد عليه (إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان) الحديث أخرجه ابن ماجة في سننه.

ثم إن المساجد هي بيوت الله في الأرض ولا يعمرها إلا من ذكرهم الله عز وجل في قوله تعالى (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) سورة التوبة الآية 18.

قال الشيخ محمد الحسن ولد الددو الشنقيطي في تفسير هذه الآية “هنا يبين الله سبحانه وتعالى أن عمارة المساجد باستغلالها في العبادة واستغلالها في طاعة الله عز وجل لا يصدر إلا من مؤمن يريد وجه الله ويبتغي الدار الآخرة، فلذلك قال (إنما) التي هي أداة حصر، فالذي آمن بالله هو الذي يعرفه ويريد عبادته، والمؤمن باليوم الآخر هو الذي يحتسب ويرجو الآجر فيما يعمل (…) والمقصود بعمارتها ما كان مقصودًا به وجه الله ولا يقصد بذلك ما قصد به الرياء والتسميع، أو ما كان عادة للإنسان دون أن يحتسب فيه وجه الله”.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَهْ مَهْ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تُزْرِمُوه، دَعُوه))، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذَر، إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القرآن))، قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء، فشنَّه عليه؛ رواه مسلم، وأصله في البخاري.

الشاهد عندنا في هذا الحديث، الذي يأتي في سياق ذم الشدة والتعسير ومدح الرفق واللين والتيسير هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذَر، إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القرآن).

والصديق الثالث من أصدقاء هذا الشهر الفضيل هو ذكر الله عز وجل، (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) سورة الرعد الآية 28، فنحن مأمورون بذكره سبحانه تعالى في الغدو والآصال، وفي كل وقت وحين وخاصة في الظلمات (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) سورة الأنبياء الآية 87، وقوله تعالى (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) الصافات الآية 144، وكيف لا نذكره عز وجل وكل المخلوقات تسبح بحمده وتقدس له، الطير والدواب والشجر والحجر والحوت في البحر حتى الذرة، التي لا ترى بالعين المجردة تذكر الله عز وجل وتسبح بحمده وتقدس له (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) الحج الآية 18.

بقلم الكاتب/زياد القصابي

2 تعليقان

  1. مقال جميل جدا جزاك الله خير استاذنا الفاضل زياد القصابي

  2. شكرا على المقال المتميز فأصدقائى فى رمضان وفى الدنيا هما الصلاه والقرأن

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.