الشيخ “سليمان الراجحي” وقصة كفاح ناجِحة.

الشيخ سليمان الراجحي صاحب الأعمال الخيرية والذي ذاع صيته في كافة الأرجاء ، رجل كافح من أجل الحياة وحب الخير للمحتاجين، كوّن بنفسه رأس ماله ليبدأ مشوار حياته في التجارة الحرة وكانت بدايتها في الأقمشة وبمشاركة أخيه صالح الراجحي، رغم إمتلاكهما لمحل صرافه وكان يقضي معظم وقته فيه لإنشغاله بإعماله الأخرى، ويتصف بالأمانة والإخلاص في عمله، فقد أصر وكافح في حياته حتى أصبح من أثرياء العالم.

سيرته الذاتية :

هو الشيخ سليمان بن عبدالعزيز الراجحي، ولد قرابة العام 1929م في منطقة البكيرية التابعة لمنطقة القصيم وكان سليمان الابن الثالث في عائلته المكونة من والديه و3 أشقاء، وقد عاشت العائلة في ظل ظروف معيشية ، مما حدا بوالده أن يسافر خارج منطقته إلى مدينة الرياض مع اثنين من أبنائه بحثًا عن عمل يؤمن للعائلة قوت يومها.

وبعدما نجح الوالد في الحصول على عمل مناسب، رجع مرة أخرى إلى البكيرية ليأخذ بقية أفراد العائلة إلى الرياض، عندما وصلت العائلة إلى الرياض، حرص الوالد على أن يلتحق سليمان بالمدرسة، فأمضى فيها بعض الوقت قبل أن يهجرها بهدف العمل في التجارة.

وبالطبع، لم يكن الطريق أمام الشيخ سليمان مفروشًا بالورود والحرير، فقد اضطر في البداية إلى العمل في عدة مهن بسيطة، فعمل حمالًا للبضائع، وحارسًا لبعض المحلات في السوق، وشارك أيضًا في أعمال البناء المختلفة، وانتهى به المطاف أخيرًا بافتتاح محل صغير في السوق، ولكنه لم يستمر فيه طويلًا، إذ قرر بيعه والانتقال للعمل في محل تابع لأحد أخوته.

بداياته في العمل والتجارة :

فقد كان منذ طفولته يميل إلى العمل والتجارة بشكل يفوق حبه للدراسة ،  وكانت عزيمته في طلب الرزق قوية وله جرأة تجاه المحاولة والتعلم والاستفادة من تجارب الغير ، وكان الشيخ سليمان شغوفاً بالعمل منذ بداياته وشديد الملاحظة والنشاط ، وفي عام 1363هـ / 1943م افتتح الشيخ دكان صغير في الطريق الرئيسي في حي المربع، وكان يبيع فيه العديد من المنتجات مثل السكر والشاي والكبريت والحلوى وغيرها، وكان يأتي ببعض المنتجات التي لا تباع إلا في البحرين، خاصة الحلويات، ليتميز عن غيره، واستمر في العمل في هذا الدكان حتى عام 1365هـ / 1945م حيث قام ببيعه ليسدد تكاليف الزواج. بعدها انتقل الشيخ وعائلته إلى الرياض وبدأ في العمل مع أخيه الشيخ صالح في محله في الرياض.

وفي عام 1365هـ / 1945م انتقل الشيخ سليمان للعمل في مدينة جدة للعمل ضمن أعمال شقيقه الأكبر الشيخ صالح ليكون مسؤولاً عن النشاط التجاري الخاص بالصرافة في جدة ومكة، وقد اجتهد الشيخ اجتهادًا شديدًا في هذا العمل حتى أنه كان يحمل الطرود والأمانات ويوصلها وهي على ظهره إلى المطار قاطعًا ما يزيد على العشرة كيلومترات ليوفر أجرة الحمال والنقل  وعلى الرغم من مشقة العمل إلا إن الحس التجاري للشيخ كان غالباً عليه، بالإضافة إلى حاجته الشديدة لتحسين دخله، فاستغل الشيخ أوقات فراغه القليلة وكان يقوم ببعض الأعمال الجانبية لتحسين دخله، فتاجر في الأقفال والأقمشة ومواد البناء وغيرها.

وخلال كل هذه الفترة السابقة كان العمل يتم دون أن يكون لدى الشيخ محل خاص للصرافة بل كان يقوم بهذا العمل في الشوارع ويسجل الحسابات في المساء من الذاكرة عندما بدأت الأعمال في النمو ولوحظ تحقق أرباح مشجعة قام الشيخ سليمان باستئجار دكان صغير تحت مسجد عكاشة في جدة، وبعد أحد عشر عامًا من العمل مع شقيقه الشيخ صالح، اتفق الاثنان على تحويل ذلك الدكان ليكون شراكة بينهما وأصبح ذلك أول عمل رسمي للشيخ سليمان كشريك ومالك لمشروع حقيقي على أرض الواقع وذلك في عام 1377هـ / 1957م.

استمر العمل بهذه الشراكة على قدم وساق وبأرباح وفيرة ونجاحات واسعة، بالتوازي مع نمو داخلي وخارجي في مختلف بلدان العالم ، وقام الشيخ خلال هذه الفترة بدخول عالم العقار وبدأ في التوسع فيه أيضًا.

وفي عام 1392هـ / 1972م أو قبله بقليل بدأ الشيخ سليمان بالعمل بمفردة تحت اسم “مؤسسة سليمان العبد العزيز الراجحي” وبدأ الشيخ في التوسع وقام بفتح عدد من الفروع في جدة وغيرها، مع حرصه على عدم فتح أية فروع في منطقة الرياض احتراماً لنشاط شقيقه الأكبر الشيخ صالح ، وهذا التوسع المصرفي صحبه أيضاً التوسع في مجال العقار واستطاع الشيخ تحقيق الكثير من النجاحات فيه مع اكتساب سمعة طيبة لدى العملاء والتجار من داخل المملكة وخارجها.

وبعد فترة تقارب الست سنوات من العمل بشكل منفرد اتفق الشيخان صالح وسليمان على العودة للعمل من جديد بشكل مشترك ، وفي هذه المرة اجتمع الأشقاء الأربعة للعمل جميعاً وتم تفويض الشيخ سليمان ليدير العمل بشكل رئيسي، وكان هذا في عام 1398هـ / 1978م حيث تم تأسيس شركة الراجحي للصرافة والتجارة، والتي تركز عملها الرئيسي في مجال الصرافة مع بعض النشاطات المتعلقة بالعقار ومواد البناء.

مصرف الراجحي وبداياته في التطور:

خلال الفترات الماضية من حياة الشيخ وخلال أعماله المختلفة، كان الشيخ يجوب العالم لظروف العمل واكتساب الخبرات، حيث عُرف عن الشيخ شغفه بالتجارب الناجحة واكتساب الخبرات من مختلف البلدان وفي العديد من التخصصات، وخلال كل هذه الرحلات وأعمال الصرافة التي كان يقوم بها الشيخ تم التعامل مع مختلف المصارف العالمية، ولكن هذا التعامل كان مثير للقلق في أغلب الأحوال بسبب الخوف من الوقوع في المحظورات الشرعية، خاصة بعدما اكتشف في عام 1392هـ / 1972م دخول بعض الفوائد القليلة على حساباته مما أكد مخاوفه ودعاه لمضاعفة البحث والتفكير للوصول إلى مسلك ومفهوم جديد، ومنهج مبتكر يؤسس لعمل مصرفي إسلامي.

وقام الشيخ بالبدء بلندن وتقدم إلى المسؤولين في البنك المركزي البريطاني بطلب ترخيص لفتح مكتب خدمات استشارية، إلا أن الطلب قوبل بالرفض في البداية، ولكن بعدما قابلهم الشيخ شخصياً وأقنعهم بوجهة نظره تمت الموافقة وكان الافتتاح في عام 1402هـ / 1981م ، وبعدها بدأ الشيخ في جولة عالمية من اجل التعريف بالمكتب وخدماته وفوائده.

 

وكان الشيخ يستعين بفتاوى واستشارات العديد من كبار المشائخ وأهل العلم وخاصة الشيخ ابن باز والشيخ عبد الله بن حميد، رحمهما الله ، وفي نفس العام، أي عام 1402هـ / 1981م اجتمع الأخوة الأربعة وتم طرح فكرة البنك الإسلامي، خاصة أنه خلال عملهم في الشركة كانوا يتداولون من الأعمال ما يشبه العمل المصرفي، على الرغم من كونها شركة صرافة ، وافق الجميع على الفكرة وتم تقديم الطلب إلى الدولة للموافقة عليه وفعلاً تمت الموافقة وإقرار النظام الخاص بالبنك بعد ما يقارب الستة أعوام وتمت الموافقة عليه من الدولة في عام 1408هـ / 1988م، وذلك بسبب أن النظام جديد في الفكرة والمحتوى وكان لابد من دراسته بتعمق ومراجعة وجهة النظر الشرعية فيه بتأني وحكمة، وتم التأسيس تحت اسم شركة الراجحي المصرفية للاستثما، وكان عدد المؤسسين الأوائل في حدود 132 مؤسس، يدفع كل واحد منهم ثلاثمائة ألف ريال.

وبعد اكتمال الخطوات التأسيسية للمصرف قام الأشقاء بفصل جميع المصانع وكل ما يتعلق بالقسم التجاري عن المصرف ونشاطاته لتوفير أجواء من الثقة والأمانة والشورى، وبعد هذه الخطوة تفرغ الشيخ سليمان للمصرف وبدأ بإنشاء الكثير من الفروع في مختلف المناطق في المملكة وذلك بغرض التسهيل على المواطنين وتعزيز مكانة البنك لدى الجميع، ووصل عدد الفروع الخاصة بالمصرف إلى ما يقارب خمسمائة فرع داخل المملكة، كما يمتلك المصرف أكبر شبكة صراف آلي في المملكة بعدد يزيد عن 2750 صراف في مختلف المناطق، ناهيك عن الفروع الدولية في مختلف البلدان.

 

المؤسسات الخيرية والإجتاعية ومنجزاته :

الوقف :

ويحمل الوقف في الإسلام أهمية كبيرة، كونه يسهم في مساعدة المسلمين وفتح باب للتنمية في مختلف المجالات مع إعطاء الواقف باب لا ينقطع، بإذن الله، من الأجور ولو بعد أعوام وعقود من وفاته، وبسبب نشأة الشيخ الدينية ونشأته في وسط يحرص على تعاليم الإسلام والتعامل بخلق وعطاء مع المحتاجين حُبب إليه عمل الخير منذ الصغر وكان يحمل الزكوات بنفسه ويوزعها على البيوت في شبابه، كما أنه خلال عمله تعرف على العديد من كبار رجال الأعمال الذين يعملون من الخير الكثير ولا يحملون هم الشح وجمع المال بل يرون أن المال الذي لديهم هو هبة من الله ليعينوا بها ذوو الحاجة، فكانت كل هذه العوامل معينة له على مجاهدة النفس وطبيعة حب المال المتأصلة لدى البشر.

بدأ الشيخ بوقف بعض العقارات والأراضي، ثم بعد هذا وفقه الله إلى أن يقوم بوقف حصص من الشركات التي يملكها بنسب محددة، لكن هذا لم يكن ليرضي الشيخ الذي أراد أن يهب المزيد للمسلمين قربة إلى الله، فاتخذ قرارًا بوقف ثلث ثروته لله، وأثناء البدء في عمل وتنظيم الإجراءات القانونية وبعد مشاورات مع العديد من أهل العلم والمشورة ورغبة منه في التقرب إلى الله قرر الشيخ وبعد أن استشار كل عائلته أن يوقف ثلثي ثروته لله وأن يوزع الثلث الباقي على أفراد عائلته خلال حياته.

تنظيم شؤون العائلة وطريقة إدارة الوقف:

حيث بدأ الشيخ سليمان بوقت مبكر بالتفكير بتنظيم أعماله وتحويلها من الإدارة العائلية إلى الإدارة المؤسسية ، وقد كان ذلك على عدة مراحل بدأ أولها قرابة العام 1419 هـ / 1999م حيث أطلق مشروعاً لإعادة هيكلة وتنظيم أعماله، ورافق ذلك تطبيق نظام مركزي لتقنية المعلومات، كما رافق ذلك بحث وتطوير كيان “وقف سليمان عبد العزيز الراجحي” وصفته الاعتبارية وما يملكه الوقف من حصص في مجموعة شركات سليمان الراجحي، واستمر العمل على التحديث والتطوير التنظيمي بشكل متدرج، إلى أن استقر رأي الشيخ سليمان على أن يكون للوقف كيان واملاك مستقلين فأنشأ مؤسسة وقف سليمان عبد العزيز الراجحي وعين لها مجلس للنظارة ووسع مهامه وصلاحياته لتشمل جميع أعمال الوقف بما في ذلك قطاع العمل الخيري، كما أنشأ شركة باسم “شركة أوقاف سليمان عبد العزيز الراجي القابضة” وهي مملوكة بالكامل لمؤسسة الوقف لتكون الذراع الاستثماري الذي يمد القطاع الخيري بالموارد المالية اللازمة لأعماله ، وقام بحصر جميع أملاكه وتقييمها وفق أعراف السوق ومن ثم تخصيص ما يقارب الثلثين لتكون ملكاً لشركة أوقاف سليمان عبد العزيز الراجحي، علاوة على ما سبق أن أوقفه من قبل، ووزع الباقي على أفراد عائلته حسب الحصص الشرعية.

ولازال الشيخ، أمد الله في عمره، يعمل بجد واجتهاد لما فيه مصلحة للوقف، فهو يشرف على استثماراته الرئيسية ويوجهها عن قرب، كما أنه يتابع بشكل خاص المشاريع النوعية المتعلقة بالإنتاج الغذائي داخل وخارج المملكة العربية السعودية لأهميتها تجاه الأمن الغذائي ولمنفعتها المتعدية لجميع من يعمل بها أو يتعامل معها.

المؤسسة الخيرية :

وفي بداية حياة الشيخ كان العمل الخيري للشيخ وأخوته يتجه عمومًا إلى نوع محدد وهو مساعدة المحتاجين، حيث كان يتم توزيع الصدقات والمعونات إلى المستحقين عبر الشيخ نفسه أو من ينوب عنه بعد أن قامت الدولة بعمل تنظيم وجمعيات للعمل الخيري كانت المساعدات الخاصة بالشيخ تمر عبر هذه المنظومة، وانحصر دور الشيخ على المراقبة والإشراف مع اطمئنانه بأن الأموال المخصصة لكل مجال من مجالات المساعدة والبذل تذهب للمستحقين وفي الأوقات المحددة.

 ومع توسع الأعمال وبعد استشارة أهل العلم والدين والرأي، قرر الشيخ إنشاء جهة خاصة لتنفيذ الأعمال الخيرية والدعوية، فانطلقت المؤسسة قبل قرابة عقدين من الزمان ومرّت بعدة مراحل، فبدأت بإنشاء لجنة للعمل الخيري تابعة للشيخ صالح بن عبد العزيز الراجحي وإخوانه عبد الله وسليمان ومحمد في بدايات عام 1403هـ/1983م ، حيث بدأ المكتب بتقديم الخدمات الخيرية للجهات والمؤسسات الخيرية من خلال هذه اللجنة الخيرية.

وفي عام 1415هـ / 1995م تم عمل المزيد من التطوير واستيعاب مجموعة من أصحاب الخبرة بالعمل الخيري وتكوين عدد من اللجان الخاصة بالعمل الخيري واللجان الاستشارية واستمر العمل على هذا النحو إلى أن تم تغيير المسمى من مكتب إلى مؤسسة سليمان بن عبدالعزيز الراجحي الخيرية بموجب ترخيص وزارة الشؤون الاجتماعية رقم (10) بتاريخ 19/6/1421هـ ، وتعد المؤسسة إحدى المؤسسات المانحة وحيث تركز جهودها على دعم المؤسسات غير الربحية المسجلة في المملكة العربية السعودية في المجالات التعليمية، والاجتماعية، والصحية، والدعوية، والإعلامية، وبناء المساجد، وغيرها من أعمال الخير المختلفة.

كليات سليمان الراجحي :

إذا كانت التنمية الصناعية والأمن الغذائي عوامل النهضة للأمة وتطورها، فإنها تحتاج إلى أهل العلم والخبرة في كل مجال، ومن هذا المنطلق واستشعاراً لأهمية التعليم أنشأ الشيخ سليمان عبد العزيز الراجحي هذا المشروع الخيري الاجتماعي المتكامل، بدء من الكليات إلى المستشفى التعليمي الذي يخدم كلاً من الطلاب والمواطنين على حد سواء ،

وتعد كليات سليمان عبد العزيز الراجحي هي ثمرة رؤية الشيخ سليمان وجهوده المبذولة لتوفير مستوى تعليمي عالمي في بيئة محلية، ونظراً لكون هذه الكليات خيرية فهي لا تطمح للكسب المادي بل إلى كسب طلاب متميزين وموهوبين في تحصيلهم العلمي يكونون قادة في مجتمعهم.

7 تعليقات

  1. الشيخ “سليمان الراجحي” رجل يستحق معرفه سيرته الذاتية ومد كِفاحه من أجل الحياة وحب الخير للمحتاجين

  2. الله يرحمه

  3. أم عبد العزيز الشعلان

    الشيخ سليمان الراجحي مثال يقتدى به

  4. رحمه الله رجل ونعم الرجال شخصيه محترمه وذات قيمه كبيره وحياته جميله مليئه بالخير واحترام ذاته واحترامه لاخيه وحبه للخير ومساعدة المحتاجين

  5. صمت المشاعر

    الله يرحمه ونعم الرجل الشيخ “سليمان الراجحي” سيرتة مشرفه وهي اجمل مثال للكفاح تستحق النقل ?

  6. احب الناس الى الله أنفعهم واحب الاعمال الى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم او تكشف عنه كربه …..
    اقرأ سيرته ويمر على ذاكرتي تكمله الحديث رحمة الله

  7. بعد أن استشار كل عائلته أن يوقف ثلثي ثروته لله وأن يوزع الثلث الباقي على أفراد عائلته خلال حياته.
    ماشاء الله
    ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا