مسابقات صحيفة هتون تنتظر مشاركاتكم بجوائزها القيمةمسابقة الأديب خلف القرشي (اكتب نهاية رواية شهريار) مجموع الجوائز 5800 ريالمسابقة القاري المميز شهريًا في عامها الثالث مجموع جوائزها 2000 ريالمسابقة برنامج منافذ ونوافذ مجموع جوائزها 3000 ريالصحيفة الهتون نحن لا نبحث عن التميز وإنما نصنعه
قضايا

أوراق الذكرى تبقيها التربة الصالحة ( القضية ٣ )

   لنتخيّل أنّي وإيّاك وأخي وأخاك وأبناء عمومتنا وبني أخوالنا جمعتنا شجرةٌ ذات ظلٍّ وثمر ، باسقة وارفة الأغصان ، أوراقها آذانُ أفيال ، يكاد فيؤها من هناء برودته أن يقطرَ ماءً ينعشكَ مشربه ! ، فجأة ، أخذت الرياح تزمجر بدويّها وكأنّها أصوات أشباح ، فأسقطت الشجرة ثمرةً ثمرةً ، وعرّت الغصن ورقةً ورقةً ، فأذهبت الظلّ ، وفرّقت الجمع ، بعد أن كانت الدوحةُ ستراً ، والجَمْعَة عضدا ، فكذا الوطن لا ظلّ له ما دامت القلوب مختلفة ، ليبقى لكلٍّ منافذ لا تجتمع على منفذ ، فاجتماع الكلمة جدير بأنّ يجعل درجة الظلّ واحدة وإن اختلفت التضاريس وتباين المناخ !
فلذا تترعرع النفس على حبّ الوطن مع أوّل تسرّب نوره بين عيني الوليد ، ويشتدّ الساعدُ على نصرته ، وتتفتح أزهار الطموح نحوه ، وتنسخ الذكريات أيامها بأقلام مواقفه التي تختزنها حارات الطفولة وجرأة الصبا ومناشط الفتوة وشموخ الشباب وتعقّل الكهول وحكمة الشيخوخة !.
    وللشعراء مباحث مختلفة في الوطن وقضاياه فمنها الغربة ومنها الشوق ومنها الألم ومنها النفي ومنها الاتهام ومنها الابتلاء ومنها الفرح ومنها الذكرى .. إلى غير ذلك ، ولو استنطقت المجلدات في الحديث عن الوطن لأجابتك إنّ الأحبار لتعجز عن احتواء جميع ما تكنّه الضمائر تجاهه ، فكيف بخواطر الشعراء حين تصطفّ أقلامهم متسابقة نحوه !.
في الغربة عن الوطن يقول الشاعر القيرواني علي الحُصري ت ٤٨٨ هـ :
وَطَنٌ بِغَيرِ غِنىً أَحَبُّ إِلى الفَتى
….. مِـن غُـربَةٍ تغنيهِ إِذ لا مخلصا
إذ يرى الحُصري أنّ يكون في وطنيه فقيراً خير له من أن يكون غنيّاً على غربة ، فلا قريب مخلص يلقاه مع شتات غربته !
   ومن الشعراء مَن أخذ به الشوق نحو الديار وذلك في العودة دون الظفر بُغنمٍ كان سبباً لاغترابه ، يقول العراقي عبدالغفار الأخرس ت ١٢٩٠هـ :
فمن شوقٍ إلى وطنٍ وأهلٍ
… غَدَوْتُ اليومَ ذا قلبٍ مذابِ
ومن مرضٍ  أٌقاسيه ووجدٍ
… رضيتُ من الغنيمة بالإيابِ
   على أنّ الكاتب الأديب والناثر المُجيد الشاعر المصري الملقّب بالدكاترة ( زكي مبارك ت ١٣٧١ هـ ) يرى أنّ أمرّ الغربة التي تكون في ظلّ الوطن يقول :
كنتُ في باريسَ  أشكو وحدتي
… كنتُ فـي بغـدادَ أشـكو زمني
وأنـا الـيـــوم أعــانـي غـربــةً
… مــرّةً اشــقى بـهـا فـي وطني
    وما أصعب الغربة عن الوطن حينما يكون سببها دفاعاً عن حقوقه ، ليكون النفي والمنفى من البلد للشاعر عقاباً له ، يقول شاعري المفضّل في العصر الحديث الشاعر المصري الكبير محمود سامي البارودي ت ١٣٢٢هـ :
أَبِيتُ في غُرْبَةٍ لا النَّفْسُ  رَاضِيَةٌ
… بِها وَلا المُلْتَقَى مِنْ شِيــعَتِي كَـثَبُ
فَلا رَفِيقٌ تَسُــرُّ النَّــفْسَ  طَلْــعَتُهُ
… وَلا صَـدِيقٌ يـرى مـا بِـي فَيَكْـتَئِبُ
وَمِنْ عَجَائِبِ ما لاقَيْتُ مِنْ زَمَنِي
… أَنِّي مُنِيــتُ بِخَـطْبٍ أَمْـرُهُ عَجَـــبُ
لَم أَقْتَرِفْ زَلَّةً تَقْـضِي عَــلَيَّ بِما
… أَصْبَحْتُ فيهِ فَماذَا الْوَيْلُ والْحَرَبُ
فَهَلْ دِفَاعِي عَنْ دِيني وَعَنْ وَطَنِي
… ذَنْــبٌ أُدَانُ بِـهِ ظُــلْـمَــاً وَأَغْـــتَــرِبُ
فَلا يَظُنّ بِــيَ الْحُـسَّــادُ مَنْدَمَةً
… فَإِنَّـنِي صـابِـرٌ فِـي اللهِ مُـحْـتَسِبُ
    إذن من هذه الغربة المؤلمة يمكن لنا أن نستقرئَ مفهوم الوطن عند بعض الشعراء ، يقول الشاعر العراقي جميل صادق الزهاوي ت ١٣٥٤هـ :
لعمر أبيكَ ما الوطن المفدّى
… بــيوتٌ للمـــقـام وَلا تـــرابُ
بل الوطنُ العَزيزُ مثارُ ذكرى
… لأجــدادٍ ثــووا فيــهِ وَغـابوا
ويقول وضّاح اليمن ت ٩٠هـ :
تَذَكَّرَ سَـلـمـى وَهـيَ نَــازِحَــةٌ فَـحَـنّ
…. وهَـل تَنفَعُ الذِكرَى إِذَا اغتَرَبَ الوَطَن
ويقول الشريف المُرتَضى ت ٤٣٦هـ :
يَفْنَـى الفــتى وقـولُـــهُ مــخـلَّــدُ
… يمضـي عـليـهِ زمـنٌ بـعــد زمَـنْ
ولا تُقِـمْ علـى الأذى فـي وَطَــنٍ
… فحيثُ يعـدوك الأذى هو الوَطنْ
فالزهاوي يرى الوطن ما كانت منه الذكرى تثير أيام الأجداد وتذكر جولاتهم وصولاتهم ومجدهم وسيادتهم، على عكس ما يضعه وضّاح اليمن بين أذهاننا من تساؤل ، يترك فيه لنا مساحة ومسافة الجواب – هل تَنفَعُ الذِكرَى إِذَا اغتَرَبَ الوطن ؟!! – ، بينما المرتضى يرى أنّ الوطن الحقيقي ما كانت فيه السلامة من الأذى !. ، أما المفهوم السائد عند أغلبهم يتّضح كمثال عند قول الشاعر السوري ميخائيل ويردي ت ١٣٩٨هـ :
وَطَني كَبَيَتي أبتَنــيهِ … وَأَرضُ  غَيري جارَتي
هذا اعتِـقادي فَلــيَكُـن … يَـومَ الفَــخارِ قِلادَتي
    ولهذا المفهوم في كون الوطن بيتاً ، لا بدّ من قائمٍ في شأنه ، إذ اتفق الشعراء على أنّ الشباب هم القوّة الداعمة ، والدرجة الرافعة ، والمقياس الضار أو النافع ، فالخير منه وإليه ، والشرّ منه وعليه ، فلا بُد من احتوائه ، ولا مناص من الاقتراب منه والاستماع إليه ، لأنّه الأدرى مواكبةً لتطوّر العصر ، فكلّ  جيل يختلف عن الذي قبله ما لم تُمسّ  الفضائل !. ، يقول الشاعر العراقي معروف الرصافي ت ١٣٦٤هـ :
ولا تأسَوا على الوطن المفدّى
… فـفي شــبّـانه لــكــم الكــفـاءُ
فهم خلف لكـم فـيـما أردتـم
… ولـولا ذلــكـــم عــزّ الـــعـــزاءُ
ويقول كذلك :
يا شــباب القوم هُبّــوا للــبِراز
… فبِكــم يَــبسم ثــغــر الوطـــن
وارفُـلـوا إمّـا بـــثوب الاعـتزاز
… أو بثـــوبٍ هــو ثـــوب الكــفن
وأعدّوا العلم لا السيف الجُراز
… إنّــــه عُـــــدّة هـــــذا الزمـــن
فالعلم والعمل أساس بناء البلاد والارتقاء نحو الحضارة ولا يقع هذا إلا بسواعد الشباب العصامية الصادقة تتبعها أكفّ الشيوخ بالدعاء. يقول خالد بن فرج الشاعر الكويتي ت ١٣٧٤هـ :
لنقومَ في الوطن العزيز بنهضة
… مع فتيـة ،هـي روحـه ونَـواتـه
نشءٌ تذيب الجهلَ نارُ جـهاده
… وتهيب بالقـوم النـيام دعـاتـه
وشبيبةٌ لبُّ العلــوم غـذاؤهـا
… إنَّ اللّبــاب قــويــةٌ نشــآتـــه
فهنــاك ثُر إنَّ النــجاح محقّقٌ
… والسير منك سديدةٌ خطـواته
لكن أقبح القبيح أن يكون الوطن سلعة للخيانة ، وتجد من يلوك بادعاء الوطنية لسانه ، منشغلاً عنه في الاشتغال به لقضاء مآربه ، يقول ( إبراهيم طوقان ت ١٣٦٠هـ ) معنّفاً أمثالك أولئك :
وطنٌ يُبــاعُ ويُشــتـرى
.. وتصيحُ فليحيَ الوطنْ
لـو كنـتَ تـبـغي خـيْرَهُ
.. لبذلتَ من دمِــك الثمـنْ
ولقمتَ تضْـمِدُ جرحهُ
.. لو كنتَ من أهلِ الفطنْ

وأخيرًا … !
إجابةً على سؤالك يا وضّاح أقول : إنّ الذكرى لتنفع ما دام الوطن يحفظ كرامة المرء ، أمّا دون هذا فلا كرامة لوطن بغير ذكرى تعتزّ به !.

( قَفْلَة الجَلْسَة )
الحديث عن الوطن كون فسيح لا تسعه ظِلال الأفكار ، ولعلّ ما ذكرتُ يكفي كإشارة ، وكفى منّي أن أرسم لوحة التسعين بحروفٍ عابرةٍ وأرجو أن تكونَ مُعبّرة ، تحتفي بمناسبة اليوم الوطني لبلادي فأقول :
تسعون عاماً من الذكرى تظلّننا
… سحابةُ الخـيرِ في بدوٍ وفي حـضرِ
لك الفـداءُ ، وقـلبـي طائرٌ غَرِدٌ
… من نخلة العلم يجني أطيب الثمرِ
كم استضاء من الوحيين منبرهُ
… فشمسهُ الحقُّ تهدي ظلمةَ البشرِ
ياروحي ياوطني ياعمري ياوطني
… لك الـولاء عـلى عسرٍ عـلى يُـسـرِ
وأقول :
عشرون لا ، خمسون ، بل تسعونا
…. وطـني ، يـزيـدُ نـمـاؤهُ مـيمــونا
في كـلّ ذكرى نـرتقي نـحـو العلا
…. عِـزّاً ، يـواكـــبُ عهـدهُ الـمأمـونا
————————————
بقلم الأستاذ /
إبراهيم الوابل – أبو سليمان
‏ibrahim7370@
الجمعة – الموافق
١ – ٢ – ١٤٤٢هـ
٢٩ – ٩ – ٢٠٢٠ م

# مقال يصدر كلّ أسبوعين من تأريخه

50 تعليق

  1. ضاوي القاسمي

    امتازت المقالة بسهولتها وبساطتها، وبأنّها تورد مختصر

  2. الوطن كنز ثمين لا بديل له ، حفظ الله أوطاننا من كل شر … وبارك الله فيكم وفي قلمكم .

  3. صابر المعلمي

    صدقت القول

  4. قماشة النجار

    فكر راقي

  5. فائزة باوزير

    الموضوع المطروح دون تفاصيل أو تعقيدات.

  6. غالية الشريف

    سلمت يداك

  7. عياف المنيفي

    لمست التماسك بين الفقرات والتدرج بها من فقرة إلى أخرى؛ لإيصال الفكرة إلى القارئ

  8. لغة مكتوبة بشكل واضح بحيث لا يحصل لبس في الفهم عند القارئ.

  9. نجح الكاتب في توصيل الفكرة من خلال وضوح العبارات وسهولة التراكيب.

  10. راعى الكاتب ارتباط الأفكار في المقال بشكل وثيق، ولكن كنت أتمنى مزيدًا من التفصيل.

  11. جذبني أسلوب المقال من البداية إلى النهاية

  12. كاميليا الشوادري

    كانت بداية موفقة ومقدمة شائقة للغاية.

  13. منى سيف الدين

    أسلوبه سهل واضح يفهمه كل قارئ.

  14. توفيق العزيزي

    أسلوبه يمتلئ بالصور الفنية، دون تكرار أو مبالغة.

  15. دعدد الليحاني

    استخدم البراهين العقلية والتسلسل المنطقي للأفكار في كل الفقرات.

  16. ظهير بن جناب

    وظف الحجج والأدلّة القوية في الإقناع.

  17. ابتعد الكاتب عن التكرار في توصيل الأفكار.

  18. ذاكر الله داووم

    نجح الكاتب في التعبير عن وجهة نظره دون مبالغة.

  19. شاهر القحطاني

    يسلموا

  20. سلمان الحامد

    يعطيك العافية

  21. سلمت يداك

  22. جد جميل

  23. ضرار بن عدوان

    فكرة رائعة

  24. صادق عبد الله

    أوراق محفوظة أبدا

  25. موفق دوما

  26. موضوع يستحق القراءة

  27. عاطف ابو غزالة

    مقال مهم جدا

  28. آبيات رائعة

  29. موفقين دوما

  30. عشرون لا ، خمسون ، بل تسعونا
    …. وطـني ، يـزيـدُ نـمـاؤهُ مـيمــونا
    في كـلّ ذكرى نـرتقي نـحـو العلا
    …. عِـزّاً ، يـواكـبـهُ عهـدهُ الـمأمـونا

  31. لافض فوك

  32. كلام مضبوط

  33. موفقين دوما

  34. تبارك الله

  35. دمت موفقا

  36. ظفار العماني

    أسلوب سلس

  37. وفقت لكل خير

  38. ذبيان الفطين

    سلمت يداك استاذنا

  39. شريف ابراهيم

    فكرة مهمة جدا

  40. سعود العتيبي

    سعدت بكلامك

  41. يزن عبد الغني

    اتفق معك

  42. باقر السليماني

    وجهة نظر تحترم

  43. ضرغام ابن فهد

    المقدمة موفقة

  44. مقال ممتاز

  45. غانم السعدون

    موفقين دوما يا أستاذنا

  46. عباس حبيب الله

    استهلال موفق

  47. هبة عبد الرحمن

    فكرة قلما نقشت

  48. خباب العتيبي

    جد جميل

  49. حفظكم الله

  50. صدقت القول أستاذنا

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وطنية الإعلام والإعلام الوطني

من المفترض، أو هكذا نعتقد، أن تكون جميع وسائل الإعلام التابعة لدولة ما، وطنية. وأقصد ...

تهنئة.. بمناسبة اليوبيل الذهبي لمجلة (999)

في اليوبيل الذهبي لمجلة (999) واحتفاليتها بالذكرى الخمسين لتأسيسها، أتوجه بالتهنئة المفعمة بأصدق الأماني، بمزيد ...

نُصرة أم تشويه للإسلام

صحيح كلنا ضد سب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأي طريقة كانت، ويعد سبه ...

شعار جمعية الكشافة.. التاريخ والمدلول

من المتعارف عليه أن الشعار لأية مؤسسة أو منشأة أو منظمة أو هيئة هو الصورة ...

صُنّاع الأفراح وصُنّاع الأحزان

أكاد أجزم -عزيزي القارئ- أنه قد مر وطاف عليك في مراحل حياتك أُناسُُ يصنعون الفرح ...

Switch to mobile version