تابعوا #الحملة_الدولية_ضد_كورونامبروك النجاح يسعدنا نشر تهاني للناجحين من أهلهم وأصدقائهمشاركوا في #مسابقة_القارئ_المميزجديدنا برنامج جسر التواصل من إنتاجنا وتنفيذ فريق التحريرخيمة بنات غزوى تأتيكم بالسوالف والحكايات الطريفة الشعبيةصحيفة الهتون نحن لا نبحث عن التميز وإنما نصنعه

شهريار.. الحلقة (3)

رابط الحلقة السابقة:

شهريار الحكيم! الحلقة (2)

عدت إلى بيتي، فوجدت زوجتي في قلقٍ بالغٍ. زاد قلقها عندما رأت سيمياء قلقٍ ودهشةٍ في تقاسيم وجهي.

سألتني: “أين كنت؟ ولماذا تأخرت في العودة إلى المنزل؟”

أخبرتها بقصتي مع المارد وشهريار؛ وضعت يدها على صدرها قائلة: “بسم الله الرحمن الرحيم”، ونفثت فيه ثلاثًا.. كانت بين المصدِّقة والمكذِّبة.

قلت لها:
– جهزي المجلس، سآتي بشهريار ضيفًا عندنا بضعة أيامٍ.

استحلفتني بالله، “هل أنت صادقٌ فيما تقوله أم تمزح؟”

أقسمت لها بالله إنني صادقٌ في كلِّ حرفٍ قلته.

وهنا قالت: “قسمًا بالله العظيم لن يدخل بيتي إلا على جثتي، ناقصنا رعب. نسيت أن أطفالنا صغار؟”

أيقنت أنَّ لا فائدة من النقاش والجدال معها -على الأقل الآن- لا سيما وأنَّ الوقت لا يسمح. قلت لها، “حسنًا.. لن آتي به هنا، سأبحث له عن مكانٍ مناسبٍ، لكن عجِّلي.. اصنعي له طعامًا، وأعدِّي له قهوةً وشَايًا؛ الضيف ضيف الله، وإكرامه واجبٌ، فما بالك إذا كان في مقام شهريار؟ لنرحم عزيز قومٍ ذلَّ!”

قامت على الفور متجهةً إلى المطبخ، ويبدو أن فرحها باستجابتي لها بعدم استضافة شهريار في البيت حفّزها. لم يمض وقتٌ طويلٌ إلا وقد جهزت لي كلَّ ما طلبته منها. جهزت لي ثلاث سلالٍ وضعت لي فيها خبزًا سخنته على الميكرويف، وبعض المعلبات والنواشف/ الحواضر: مربى، عسل، قشطة، جبن، زبدة، زيتون، زيت زيتون، زعتر، حلاوة طحينيَّة. كما جهزت لي تمرًا، وثلاثة ترامس ممتلئة؛ أحدهما بالقهوة العربيّة، والثاني بالحليب، والثالث بالشاي. وزودتني بسفرةٍ بلاستيكيّةٍ، وجيك ماء مع صابون للأيدي وأبريق للغسيل، وعلبة مناديل، وعددٍ من قناني ماءٍ للشرب

شكرتها سريعًا، وقلت لها:

– أعطني بطانيةً ومخدّةً وطراحةً، قد أحتاج إليها.
أخذت كل ذلك.. نقلته على مراحل إلى سيارتي، وعدت إلى المكان الذي تركت به شهريار.

وعندما أقبلت عليه، وجدته على نفس الوضعيّة التي تركته عليها، منكفئًا على جهاز الآيباد؛ يطالع المواقع والصفحات، يستقر نظره هنا تارةً، وينتقل إلى هناك تارةً أخرى. بدا لي من شدَّة انهماكه أنَّه لم يعد يشعر بالزمان ولا بالمكان، ولم يعد معنيًّا بحالته الراهنة.

سَلَّمْتُ عَلَيْهِ؛ ردَّ السلام لفظًا دونما التفاتٍ إليَّ. فَرَدتُّ سفرة الطعام على الأرض، وضعت عليها ما حملته، دعوته لتناول الطعام، وشرب القهوة والشاي.

شكرني كثيرًا، وشرع يتناول الطعام بشراهةِ من لم يذقه منذ عدِّة أيام، وأخذت أصبُّ له القهوة والشاي والحليب.. كوبًا يتبعه كوبٌ.

أكثرت من الترحيب به، شاركته في تناول الطعام وشرب القهوة، تجاذبنا أطراف الحديث؛ وُلِدَت بيننا ألفةٌ لافتةٌ، بدا وكأننا نعرف بعضنا منذ زمنٍ قديمٍ.

انتهى من تناول الطعام وشرب القهوة والشاي.

كانت جُلَّ أسئلته لي عن النساء الجميلات اللاتي شاهدهنَّ في صفحات النت على الآيباد. قال لي إنه يريد قضاء الحاجة، ملأت له الإبريق بالماء، وأشرت عليه بالذهاب خلف صخرةٍ كبيرةٍ على بُعد خمسين مترًا تقريبًا.

عاد يسألني عن الآيباد والنت والنساء، ظللت أجيبه بصدقٍ متوخيًا التدرج والتبسيط ما أمكنني ذلك. ولدهشتي أشار بيده إلى صورةٍ للحسناء ديانا، أميرة ويلز، شاغلة الدنيا ومالئة الناس. وقال لي

– أجاريةٌ هذه؟ أرغب في شِرَائِهَا.

تملكتني رغبةٌ -لا أدري كيف قاومتها- في صفعه كَفًّا على وجهه، لم ولن يذق مثله طيلة حياته.

رددت عليه:
– رحمها الله.. هذه أميرة ويلز. كانت زوجة ولي عهد مملكة بريطانيا. قضت نحبها قبل أكثر من عشرين عامًا. هذه يا شهريار ملأت الدنيا وشغلت الناس، وستظل تملؤها وتشغلهم حتى تقوم الساعة بجمالها وسحرها وفتنتها وإنسانيتها وتواضعها. ومضيت قدمًا في الحديث عنها وكأني أعرفها عن كثبٍ حكيت له عن شيءٍ من معاناتها في القصر الملكي، وبعض مشاكلها مع العائلة المالكة، وبرتوكولات الإنجليز. كما حدثته عن قصة موتها في نفق الموت الفرنسي ذات ليلةٍ ليلاء، ذلك الموت الذي ما زال لغزًا مُحيِّرًا. ورويت له عنها قصصًا مثيرةً لا سيما مع صحف التابوليد، ومتابعي المشاهير، وكيف تسببوا في مقتلها. كنت أسرد كلَّ ذلك على شهريار، وهو مستغرقٌ بالكليّةِ في صمتٍ وإنصاتٍ لافتين، وهنا قلت له:

– لكنَّي أحسب أنَّ شهرزادك أجمل منها وأحسن، أعقل وأحكم، أذكى وأبهى!

– وكيف ذلك؟

– شهرزادك ذات حسنٍ طبيعيٍّ تلقائيٍّ، وليس مثل كثيراتٍ من اللواتي شاهدتهن على النت: معظمهن مجمّلات، حسنهن متكلفٌ ومصطنعٌ، الواحدة منهن يعمل من أجل إبرازها فاتنةً -كما ترى- جيشٌ من المزيِّنَاتِ والماشطاتِ، وعددٌ من دورِ الأزياء المشهورة، وأدوات التجميل، والموضة وبيوت الخبرة في فنون الدعاية والإعلان والترويج والإبهار.

وأضفت: يقول الشاعر:
“حُسْنَ الحِضارةِ مَجلُوبٌ بِتَطْرِيٍة وفي البِداوةِ حُسْنٌ غَيرُ مَجلُوبٍ”.

لم يرد عليَّ بشيءٍ؛ يبدو أنَّه لم يقتنع بقولي، وعاد للآيباد يطالع نفس الصفحات ثانيةً وثالثةً ورابعةً دون أن ينبس بكلمةٍ.

قلت له:

– حسنًا يا صديقي.. على بعد مئة مترٍ من هنا غارٌ واسعٌ أعرفه جيِّدًا، سأذهب بك إليه، وأعدَّه لك كي تخلد للنوم وترتاح، وأعود إليك بعد صلاة الظهر، وسأترك لك الماء للشرب والغسيل، وما تبقى من القهوة والشاي في هذين الإناءين.

– وهل تبقى القهوة والشاي ساخنةٌ

– نعم؟

– وكيف ذلك؟

– تلك حكاية يطول تفصيلها، هذا النوع من الأواني مصنوعٌ ومصممٌ بطريقةٍ تسمح للسائل الموجود بداخله الاحتفاظ بدرجة حرارته عدَّة ساعاتٍ.

ذهبت بشهريار، ومعي ومعه اللوازم والأغراض إلى ذلك الغار، وفرشت له الفراش، وتركت بالقرب منه الماء والشاي والقهوة، وأبقيت معه الآيباد الذي بقي فيه من الشحن شيءٌ يسيرٌ.

واستغربت أن شهريار لم يعد يسألني عن المارد، ولم يتطرق لرغبته في العودة. وعرفت أنَّ ثمَّة متسعٌ للحديث معه عن سؤالي عن حكاية صمته، وغيره من الأسئلة؛ فلم أعد في عجلةٍ من أمري.

عدت إلى بيتي.. نمت ما يقارب الساعتين فقط. وعلى صوت المنبه استيقظت، وليس في بالي سوى شهريار الذي ورطته معي، وورطت نفسي به.

اتصلت بصديقٍ لي، اسمه فايز، لديه شققٌ سكنيَّةٌ مفروشةٌ للإيجار، وبعد السلام والكلام، أخبرته أنَّ لديَّ صديقًا عزيزًا، وضيفًا كريمًا قادمًا من منطقةٍ بعيدةٍ عنا، وأرغب في استئجار شقَّةٍ سكنيِّة له لفترةٍ من الزمن؛ رحبَّ الرجل، وقال لي: “الشقق تحت تصرفك، الحلال حلالك والمال مالك، ونفخر ونشرف بخدمة أمثالك، يا صديقي”.

ظنَّ فايز أنَّ اتصالي به من أجل أن يقوم بتخفيض السعر لا أكثر. قلت له، “شكرًا جزيلًا.. أبا محمد، ولكن المشكلة في أنَّ ضيفي نسي إحضار هويته معه، وليس معه ما يثبت شخصيَّته، ويصعب علينا التواصل مع أحدٍ من أقاربه ليبعث لنا بصورةٍ من بطاقة الأحوال لأنَّ قريته النائية التي قدم منها لا يوجد بها شبكة اتصال -اضطررت للسير قدمًا على حبل الكذب الذي يبدو أنَّه سيطول بي- هل يمكنك تدبر الأمر؟.

“أعذرني أبا ناصر، الشرطة والجهات الأمنيَّة تمنعنا منعًا باتًّا من إسكان أيِّ شخصٍ لا يحمل هويَّةً شخصيةً سارية المفعول كائنًا من كان. ولكن هناك استثناءات لمثل حالتك هذه، إذ يمكنك أن تأتي لنا من أقرب قسمٍ للشرطة بخطاب موافقةٍ على إسكان شخصٍ لا يحمل هويّةً لمدةٍ محدودةٍ استثناءً”.

أنهيت مكالمتي معه، وتوجهت للشرطة.. أبلغتهم بالأمر بنفس الطريقة التي أبلغته بها لصديقي فايز، رفضوا التجاوب مع مطلبي. وبعد إلحاحٍ مني، وافقوا شريطة أن أحضر لهم الشخص ابتداءً لأخذ بصماته، وللتأكد من سلامة وضعه الأمني، وأنَّه ليس مطلوبًا لأيِّ جهةٍ أمنيِّة داخليِّة أو خارجيَّةٍ، وغير متورطٍ في قضايا حقوقيّة أو منازعاتٍ قضائيَّةٍ وخلافه.

بدأت في التفكير في إحضاره إليهم، ولكني ترددت مخافة أن تثير ضخامة شكله، وغرابة هيئته، وتحدثه الدائم بالفصحى العريقة ريبتهم. جالت ببالي فكرةٌ حمقاءٌ: لماذا لا أذهب لضابط الشرطة، وأخبره بالحقيقة كاملةً، فهو حتمًا إنسانٌ متعلمٌ، ولا بد أن تكون قصة شهرزاد وشهريار قد مرَّت عليه. يبدو أنَّ سهري ليلة البارحة أخذ يؤثر عليَّ في الكيفيّة التي أفكر بها.

ذهبت إلى قسم الشرطة القريب من منزلي، قابلت ضابط الخفر -كما يسمونه- كان مجلسه يعج بأناسٍ كُثرٍ لهم قضاياهم المختلفة. نظر إليّ:

– تفضل، يا عمي. أيُّ خدمةٍ؟
– تسلم يا حضرة الضابط، أريد أن أتحدث معك على انفرادٍ لو تكرمت.
طلب من أحد جنوده فتح غرفةٍ داخليّةِ، وقال لي:
– تفضل.
دخلت معه الغرفة، جلسنا على كرسيين مهترئين متقابلين:
– تفضل.. ما قضيتك؟
أخبرته بإيجازٍ عن قصتي مع شهريار، وطلبت منه إذنًا لإسكانه في شقةٍ سكنيّةٍ تحت مسؤوليتي.
رمقني بنظراتٍ غريبةٍ.. لم يقل شيئًا سوى طلب هويتي الشخصيَّة، وهو يقول:
– خيرًا إن شاء الله.
– عدنا إلى المكتب، طلب من جنديٍّ أخذ صورةٍ من هويتي الشخصية/ بطاقة الأحوال، وقال لي:
– تفضل استرح.. وطلب لي فنجانًا من الشاي.

شكرت في أعماقي كلَّ هذا الوعي والإخلاص من هذا الضابط، وعجبت من حسن أخلاقه ولطفه.

تركني بالمكتب وحيدًا، وأخرج جواله، وهو يغادر المكتب استرقت منه بضع كلماتٍ من ضمنها: “مستشفى شهار”.

—————————————————–

(انتظروني في الحلقة القادمة إن أذِنَ الله لنا بالبقاء واللقاء)

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

الكاتب والمترجم/ خلف بن سرحان القرشي

#خلف_سرحان_القرشي 

السعودية – الطائف – ص. ب 2503  الرمز البريدي 21944

ايميل:  qkhalaf2@hotmail.com

تويتر @qkhalaf

8 تعليقات

  1. قصة رائعه من كاتب رأيع ستجبرنا بالمتابعه في العدد القادم

  2. ههههه قصة جميلة مع شهريار واخرتها المستشفى
    إبداع من فكر كاتبنا

  3. محمدالزهراني

    مستشفى شهار ؟ ههههههههه

  4. سلطان+الساير

    القصة جداً جميلة
    واسلوبها رائع
    ننتظر نهايتها ببالغ الصبر

  5. لا تلومه نفس التصرف سوف يعمله اي شخص مكانه

  6. هادي الشراري

    رَبِيْ يَعْطِيْكَـ العَآفِيَهِ عَلِىَ جَمَآلِ مَآ طَرِحْت ..
    بَآنْتِظَآرِ جَدِيْدِكـَ آلمُمَيَّزْ ..وقصة المميزة
    لَك كُلً آلوِدْ وَ آلوَرِدُ ..

  7. العنود الدهمش

    سلِمتَ أنتَ و ما خَططتَ بقلمك
    قصة متميزة …كم حلقة؟

  8. ابدعت بالذوووق

    يعطيك الففف عافيه

    فكاهة وعجب هذا الشهريار

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التعليم الأهلي، العالمي.. بياض البيض

لا تحزن كثيرًا يا صغيري.. فما هناك غير جعجعة. ارتبط في ذهن أبناء الطبقة الدنيا، ...

شهريار.. الحلقة (17)

وتستمر حكاية شهريار في حلقاتها.. فكانت  هذه الحلقات حسب روابطها        وأنا عائدٌ ...

حال بعد حال

في الآية 16 من  سورة الانشقاق يقول تعالى (فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) فلا أقسم، أي: فأقسم، ...

فكأنما أحيا الناس جميعًا

عندما انقض فيروس كورونا على العالم في غفلة في أواخر العام الماضي ومطلع العام الحالي، ...

الغذاء والصدفية

الصدفية مرض يعتبر من الأمراض المزمنة والمنتشرة في العالم، ويظهر على شكل بقع حمراء سميكة ...

Switch to mobile version