المدير المنفوخ

يَغلب دومًا على الوظائف الرسمية حالة من التعايش الجميل بين الموظفين في المكاتب المغلقة بعيدًا عن أعين الإدارات، ويغلب أيضًا على علاقتهم التكاتف، والمحبة، والوئام. وقد يجتمعون عادةً على مائدةٍ واحدة وبمبدأ (العيش والملح) يتحدثون عن هُموم العمل والضغوط التي تواجه أحدهم ويكثر فيها العتب على أصحاب القرار في الإدارات لتجاهل متطلباتهم أو إهمالها، وسرد الاقتراحات التي من شأنها تطوير آلية العمل. وتنتجُ عادةً صداقات مميزة خارج إطار العمل وقد تصل إلى الاجتماعات العائلية والتعارف.

ومع مُجمل التَغيُّرات الوظيفية قد يترقى أحد الزملاء المُميزين إلى مدير عام أو دائرة أو قسم معين، فتنهال عليه التبريكات من كُل حدبٍ وصوب، ويُدعى إلى مناسبةٍ خاصة من زملائه في القسم، ابتهاجًا بما قد كُلف به زميلهم ذو الصفات الحميدة والأخلاق الدمثة.

ومع إطلالة صباح يوم جديد.. يُباشر المدير في مكتبه الحديث وفي بيئةٍ مختلفة وزملاء جُدد،  ويركبُ قارب رحلته الوظيفية مُتحديًا أمواج المحيط، ويحمل مرساةَ الإصلاح، ويرفعُ أشرعةَ الوعود التي قطعها لزملائه السابقين؛ ليبقى في نظرهم (قُبطان) الوفاء ويَصل بهم إلى شاطئ التطوير.

ويتطلع إليه الزملاء السابقون بكل تفاؤل، فهو صوتهم المسموع الذي سيحقق أُمنياتهم، ويسهِّلُ كُل الصعاب، ويهدمُ كافة العراقيل التي واجهتهم جميعًا.

وما إن يجلس على كُرسيه حتى تبرز أمامه وجوهٌ لم يألفها، تقترب إليه، تسبقهم رائحة البخور وباقات الورود وبعض المفردات التي لم يعهدها كـ (أبشر) و (سم) وتصلُ أحياناً إلى (طال عمرك)؛ ليصطدم بأول موجةٍ لا يُقاوم سحر مفعولها فهي كالنسمة الباردة وهي أول مراحل انتفاخ (البالون).

ومع الأسابيع الأولى يُغَيبُ ذلك المديرُ عن الواقع تدريجيًّا، وهو لا يَشعُر، ويُبنى بفعل (فاعل) حاجزٌ بينه وبين الموظفين، فهناك العديد من المحيطين به على أهبةِ الاستعداد للقيام والتكفلِ بعملهِ لإستمرارية الوضع على ماكان عليه سابقًا؛ لأن التغيير يُهددُ مصالحهم الشخصية.

ومع مرور الوقت قد يبدأ الاستياء في نفوس الموظفين، حيثُ إن الوضع قائمٌ على ماهو عليه، لم يتغير شيءٌ.. بل العكس تمامًا، أصبحت القرارات أشد قسوةً مما سبق، إضافةً لذلك لم يستطيعوا الوصول إليه، وباتت المطالب البسيطة حُلمًا يصعبُ تحقيقه، والأبوابُ مُغلقة.

المدير لديه إجتماع، ذهب لحضور ورشة عمل، لديه مناسبة خاصة.. تلك الجُمل يصطدم بها الموظف عند كل زيارةٍ لمكتب المدير.. وأصبحت العلاوات والمكافآت والبدلات محصورةً بالمقربين منه، ناهيك عن حفلات التكريم التي تخلو قائمتها ممن لهم بصمة لا يُنكرها منصف.

وإذا حالف الحظ أحدهم وقابل سعادته، تجد (الحاشية) وقد أحاطوا به وقد حجزوا مقاعدهم للرد على كُل نقطة يطرحها، فلا يقوى الموظف المغلوب على أمره مجاراة ذلك السيل الجارف من المتملقين والمستفيدين؛ فينسحب قبل أن يناله تهديد أو تلميح قد يضره بقادم الأيام. وذلك يحدث أمام مرأى ومسمع المدير الذي يعيشُ أفضلَ حالاته، ويشعر بأن ملائكة الرحمة تُحيط به من كُل اتجاه، ولا يدور في خَلده أن الوضع قد يتغير يومًا ما.

وإذا شعر بأن الموظفين أرادوا تقديم تظلم، أو شكوى تجاهه، تأتيه النصائح فورًا بالبدء بإشهار إحدى أسلحته، ورفع شعار (فَرِّق تسد) والتي تعتمد على التحريض بين الموظفين وتقريب البعض، وإبعاد البعض الآخر، وتنشأ التحزبات، وتتصارع فيما بينها، ويبقى هو بمأمن. ولا أخفيكم هي طريقة ناجحة وتؤتي أُكلها دائمًا، رغم دناءتها وإسفافها.. لكنه واقع لا مناص منه.

وعندما تهدأ العاصفة تبدأ مرحلة الانتقام وتصفية الحسابات تجاه كُل من يعتقد أنه قد تمرد عليه، فيسومهم سوء العذاب.

ولأن دوام الحالِ من المحال، ولأن الله لا يرضى بالظُلم، وهي سنةٌ كونية، سيأتي يوم تنقلب الطاولة، وينفجر ذلك البالون بأصغر (دبوس) غفل عنه يومًا ما، فيُعفى وينتهي تكليفه، ويبدأ رحلة ترميم علاقاته من جديد.

أكتب هذا المقال وأعلم يقينًا أن مُعظم من يقرؤه، شاهد أو سمعَ قصةً تُشابهها أو قريبةً منها.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو:

لماذا تتكرر تلك المشاهد دائمًا وفي كُل مكان ومع مُعظَم المديرين؟

الجواب: اسألوا الحاشية

وصول
عندما يريد الرجل أن يقتل نمرًا يسميها رياضة، وعندما يريد النمر قتله، يسميها شراسة. (جورج برنارد شو(

بقلم/ ماجد الحربي

111 تعليق

  1. عمران الباهلي

    ممتاز

  2. مقال في قمة الابداع

  3. سوسن عبد الرحمن

    رائع

  4. موضوع في قمة الروعه

  5. ليبقى في نظرهم (قُبطان) الوفاء ويَصل بهم إلى شاطئ التطوير.
    تشبيه يدعو للضحك

  6. احذر الموظف حينما يتحول إلى مدير

  7. شاهر القحطاني

    لا تستطيع أن تلوم صديقك الذي ترقى عن تقصيره

  8. مقال جميل شكرا لك

  9. بوركت مساعيكم

  10. تناول جيد

  11. سعود العتيبي

    طرح موفق

  12. ممتاز دمت مبدعا

  13. دمت لنا ودام تالقك الدائم

  14. موضوع في قمة الروعة ننتظر المزيد من أبداعكم

  15. سعاد القويفلي

    اشكرك على طرحك المفيد

  16. عباس حبيب الله

    جهد مشكور

  17. بصراحــه رائع جدا هذا الموضوع

  18. سعيد العسيري

    موضوع مهم جدا

  19. بارك الله فيك

  20. يعطيك الف عافية

  21. سلمان الحامد

    شكرا لمرورك الجميل

  22. شهاب الدين سلام

    شكرا لك أستاذنا

  23. كتبت وابدعت

  24. دمت برضى من الرح ــمن

  25. صابر المعلمي

    مقالة في منتهي الروعة

  26. قراءة تحليلية رائعة

  27. كلام منطقي وواقعي

  28. بارك الله في عمرك

  29. دمت مبدعا كاتبنا العزيز

  30. ذياب الاحمدي

    الله يحفظكم ويوفقكم

  31. دوام التوفيق

  32. موضوع جد رائع

  33. كلمـاتك اروع من الخيــ/ــال

  34. زبيدة عماد الدين

    مقال يستحق القراءة

  35. ذبيان الفطين

    زادكم الله من فضله

  36. زكريا الظهيري

    فتح الله عليكم

  37. الله ينفع بكم

  38. صادق عبد الله

    شكرا لتناولك هذا الموضوع

  39. زياد العسيري

    موفق دائما اخينا ماجد

  40. ذاكر الله دووم

    مقال أكثر من ممتاز

  41. بسم الله ما شاء الله موضوع مرة رائع

  42. صبري عبد العظيم

    يعطيك العافية

  43. زاد الخير مبروك

    جيد جدا بالتوفيق أن شاء الله

  44. أطال الله في عمركم ونفع بكم

  45. حامد الحازمي

    جزاكم الله خيرا

  46. صفوان أبو العزم

    استاذ ماجد يسلموا للأمام دائما

  47. موضوع نعاني منه جميعا

  48. شكرا هتون

  49. رائع جدا بالتوفيق

  50. عياف المنيفي

    المدير دوما منتفخ

  51. شاكر عبد العليم

    الموظف حينما يترقى لا يتذكر ما كان يعاني منه سابقا إلا من رحم ربي

  52. مقال ممتاز جدا وفقكم الله

  53. شاكر عبد الرحيم

    مشكورين

  54. لا فض فوك

  55. حماد الحبيشي

    العنوان جدا مميز

  56. المقال ساخر في بيانه وتشبيهاته موفقين

  57. العنوان والتعبيرات قمة الابداع

  58. شريف ابراهيم

    المدير المنفوخ

  59. زهير عبد الله

    شكرا صحيفتنا المميزة

  60. قمة الإبداع

  61. نورة السحيباني

    مقالة ممتازة

  62. تسلم الأيادي التي كتبت هذا الموضوع

  63. عبارات متناسقة و موضوع ممتاز

  64. ممتاز دمت مبدعا

  65. وداد العبد الله

    طرح مميز،و افكار سليمة

  66. فاطمة الزهراء

    جميل هذا الاقتباس “عندما يريد الرجل أن يقتل نمرًا يسميها رياضة، وعندما يريد النمر قتله، يسميها شراسة”.

  67. رائع جدا

  68. قمورة الدلوعة

    بارك الله في قلمكم

  69. لبنى الهذيلي

    ممتاز

  70. موضوع مهم حقا

  71. فائزة باوزير

    دمتم مميزين

  72. قناديل أبو الجدايل

    اختيار موفق

  73. موضوع جيد يستحق القراءة

  74. طرح يستحق المتابعة

  75. ماشاء الله عليك ،مقالة ممتازة

  76. طرح يستحق المتابعة

  77. للأسف الكرسي يغير الكثير خاصة أنه لا يأتي منفردًا لكن تصحبه حاشيته!

  78. نورهان الخولي

    موضوع في قمة الروعة ننتظر المزيد من إبداعكم

  79. كل الشكر لك استاذنا ولهذا المرور الجميل

  80. مقال جميل

  81. جهد مشكور

  82. ريتاج السريحي

    دمتم بهذا العطاء المستمر

  83. بوركت مساعيكم..

  84. نانا حبيبة ماما

    ما اجمل تلك المشاعر التي خطها لنا قلمك الجميل

  85. لولوة العثيم

    جمل بسيطة وأفكار متسلسلة.

  86. فردوس عبد الجبار

    عنوان لطيف يعكس حسا فكاهيا.

  87. دمتم متميزين.

  88. من كل قلبي أشكرك على مقالك المتميز

  89. المدير المنفوخ .. إسقاط يصلح على كل ذي سلطة وحاشية، ولكل زمان ومكان.

  90. ناجي عبد الرحمن

    اشكرك على طرحك المفيد لا حرمنا الله منك و من ابداعاتك

  91. لوسي أخت بوسي

    ليصطدم بأول موجةٍ لا يُقاوم سحر مفعولها فهي كالنسمة الباردة وهي أول مراحل انتفاخ (البالون)!!!!

  92. قماشة النجار

    لا شيء يمكن أن يدوم، ولا شيء يمكنه إصلاح ما كُسر أو هدم الحواجز.

  93. أسلوب عرض جميل يخلط بين الحكاية والمقال.

  94. أحسنتم

  95. لطيفة آل سلمة

    بانتظار الجديد.

  96. موضوع جد مهم

  97. نور الدين الهلالي

    مقاربة جد رائعة

  98. وجود النديمي

    جد ممتاز

  99. رابعة العدوية

    سلمت يداك أستاذنا

  100. ناجي عبد الرحمن

    جهد مشكور عليه

  101. الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق ان شاء الله

  102. شئ جيد للغاية

  103. العنوان معبر جدا

  104. جهد مشكور

  105. توفيق العزيزي

    سلمت يداك بالتوفيق ان شاء الله

  106. مقال مميز جدا

  107. موضوع يستحق القراءة

  108. مقال قيم جدا بالتوفيق

  109. محمد أبو علي

    جيد جدا بالتوفيق ان شاء الله

  110. مقال يستحق القراءة

  111. منصور الصالحي

    موضوع ممتاز سلمت يداك

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا