خلف القرشي

المعالجة الحاسوبية للخط العربي.. هل خدمته أم شوهته؟ (1/2)

تروي كتب التراث العربي أن الخليفة العباسي الواثق بعث (ابن ترجمان) بهدايا إلى ملك الروم فرآهم قد علقوا على باب كنيستهم كتبًا بالعربية؛ فسأل عنها، فقيل له: “هذه كتب المأمون أحمد ابن أبي خالد استحسنوا صورتها فعلقوها”. ويقال أيضًا أن سليمان بن وهب كتب كتابًا إلى ملك الروم في أيام الخليفة المعتمد، فقال ملك الروم: “ما رأيت للعرب أحسن شيئًا من هذا الشكل، وما أحسدهم على شيء حسدي على جمال حروفهم”.

وفي العصر الحديث يدلي الرسام الشهير (بيكاسو) بشهادته في الخط العربي قائلًا:- “إن أقصى نقطةٍ حاولت الوصول إليها بالرسم وجدت الخط العربي قد سبقني إليها”.

لقد كان وما زال الخط العربي مثار إعجاب ودهشة الكثيرين، حتى من غير العرب والمسلمين، ممن استهواهم رسم الحرف العربي بسحره وروعته، وتناسقه مع ما قبله وما بعده من حروف.

إن الاهتمام الذي ناله الخط العربي في الحضارة الإسلامية نابعٌ من أهمية ما كان يستخدم له ذلك الخط، وهو كتابة آيات القرآن الكريم. وكانت فرحة الخطاط المسلم تبلغ ذروتها عندما يتم إنجاز نسخةٍ من المصحف الشريف.

وذكر كتاب (العقد الفريد) أنَّ أحد علماء حلب وكان خطاطًا أيضًا، اعتاد أن يعتزل الناس طيلة شهر رمضان ليعتكف في أحد المساجد لينسخ نسخةً أو اثنتين من المصحف الشريف، ويهديها لأقربائه. ويروى أن الخطاط جمال الدين المستعصمي -الذي ينسب إليه الخط الياقوتي- يوصف بأنَّه “كتب القرآن الكريم ألف مرة ومرة، كنايةً عن كثرة النسخ التي كتبها من المصحف الشريف”.

إنَّ تحذير الإسلام من عمل الصور والمجسمات وصنع التماثيل أكسب الخط الفني أهميةً أخرى؛ حيث توجه الحس الفني لدى المبدعين نحو الحرف العربي.

يقول المستشرق الدانماركي (يوهنس بيدسن) في هذا الصدد: “… ولهذا أصبح فن الكتابة في الإسلام هو الفن الذي حاز على أعظم قدرٍ من الاحترام، ولم تكن أيَّةُ أبجديةٍ في العالم هدفًا لمثل هذا العمل الفني المكثف مثلما كانت الأبجدية العربية”.

وكان من ثمار هذه العناية والاهتمام ظهور أنواعٍ مختلفةٍ من الخطوط، وقيام مدارسٍ للخط، لكلِّ مدرسةٍ منها أعلامها وسماتها، بالإضافة لشيوع اللوحات الفنيَّة المعبرة التي ازدانت بها قصور الخلفاء والأمراء والوزراء، وذوي اليسار محتويةً آيات قرآنية وأحاديث نبوية، وأقوالًا وحكمًا وأشعارًا؛ صِيغَتْ بحِرفيَّةٍ وموهبةٍ نادرتين.

ولم يقتصر اهتمام الخطاطين على نسخ الكتب واللوحات فقط، بل امتد ليشمل بعض الحِرف اليدوية كـ (الخزف، وشغل المعادن، وحفر الخشب، وصنع الزجاج، والنقش، والزخرفة) لا سيما تلك المستخدمة في فن المعمار ونحوه.

ولا يتسع المجال للحديث عن أنواع الخط العربي الشهيرة التي تفتقت عنها عقلية وخيال الخطاطين المسلمين في كلِّ عصرٍ وزمانٍ، كما أنَّه لا يتسع لذكر أسماء أولئك الرواد العظام من الخطاطين عربًا كانوا أم عجمًا، وجهودهم في خدمة هذا الفن البديع.

ومع ظهور أجهزة الحاسب الآلي، كان الحرف العربي أول أهداف المبرمجين، ومطوري النظم الحاسوبية الراغبين في معالجة اللغة العربية حاسوبيًا، حيث استطاعوا بعد جهدٍ ومعاناةٍ ومحاولات عديدةٍ من إنتاج برامج تسمح باستخدام الحرف العربي. ولعلَّ بعض قراء هذه المقالة ممن قُدر لهم التعامل مع الحاسوب منذ أكثر من عشرين عامًا وأكثر يتذكر برامج تنسيق النصوص العربية الأولى التي كانت تعمل تحت نظام التشغيل (دوسDOS)، ولم يكن بها إلا نوعًا واحدًا من الخط لا يمكن تغييره أو التحكم في حجمه، ورغم ذلك كانت تعدُّ فتحًا مبينًا في حينها؛ وذلك لأن الأنظمة التي كان يعمل من خلالها أولئك المطورين والمبرمجين هي أنظمةٌ مصممةٌ أساسًا للتعامل مع لغاتٍ أجنبيةٍ في أغلب الحالات، وخصائص حروفها تختلف عن خصائص الحروف العربية التي منها تغيير شكل الحرف حسب موقعه من الكلمة، وبناءً على ما قبله وما بعده من حروفٍ، ومثال ذلك حرف (العين) في الكلمات التالية: (وعي، لعبة، منتجع)، بينما نجد أن حروف اللغة الإنجليزية، وكثيرًا من اللغات الأخرى تفتقد هذه الخاصية؛ نظرًا لكون حروفها تكتب منفصلةً في الغالب، ولكل حرف منها حالتين فقط صغير وكبير.

لم يقف طموح الحاسوبيين عند تمكين الحاسوب من طباعة الحروف العربية، والتعامل معها في برامج تنسيق النصوص وغيرها من البرامج التي عُرّبَتْ أو صُمِّمَتْ عربيةً لتوليد الخطوط العربية آليًّا بأنواعها المعروفة: (النسخ، الرقعة، الكوفي، والثلث)، ولا عند توليد خطوطٍ جديدةٍ قائمةٍ أو مستوحاةٍ من تلك الخطوط.

وظهرت في أسواق البرامج العربية عدَّة خطوطٍ قام بتصميمها أفرادٌ ومؤسساتٌ برمجيةٌ تعمل تحت نظمٍ مختلفةٍ، وكانت أغلبها موجهةً لخدمة أغراض النشر الإلكتروني، ومثال ذلك ما أنتجته شركتي (أي. تي.سي) و (مونوتايب) العالميتين في هذا الصدد. وتوالت أمثال تلك البرامج، وأصبحت تعمل على نظم تشغيل مختلفةٍ، وزودت شركة (ميكروسوفت) نظم تشغيلها وبرامجها (الويندوز والأوفيس) وغيرها بحزمةٍ من الخطوط العربية، وساهمت شركات مثل (حرف) إحدى الشركات التابعة لشركة صخر قبيل توقفها عن العمل، بإنتاج (مجموعة جواهر الخط العربي)، وظهرت عشرات البرامج للخطوط ومنها على سبيل المثال (علوي، والقلم، والحقباني) كما أصدرت شركة المعالم السعودية قبل عقدين من الزمن تقريبًا برنامج (موسوعة الخطوط العربية)، وبلغ عدد أنواع الخطوط في بعض تلك البرامج أكثر من مائتي خط. وقبل بضعة أعوامٍ، ظهر برنامج (الكلك)؛ وهو بمثابة نظامٍ يتم من خلاله توليد وإنتاج خطوطٍ عربيةٍ.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل خدمت كل هذه النظم والبرامج الخط العربي أم شوهته، وإذا كانت قد خدمته فعلًا فإلي أيِّ حدٍّ كانت تلك الخدمة؟

هذا ما أتعرض له في الجزء الثاني من هذه المقالة في الأسبوع القادم، بمشيئة الله تعالى.

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

بقلم الأديب والباحث والمترجم/ خلف بن سرحان القرشي

#خلف_سرحان_القرشي 

السعودية – الطائف – ص. ب 2503  الرمز البريدي 21944

ايميل:  qkhalaf2@hotmail.com

تويتر @qkhalaf

56 تعليق

  1. م . خالد عماد عبد الرحمن

    دائما متألق..هل خدمت كل هذه النظم والبرامج الخط العربي أم شوهته، وإذا كانت قد خدمته فعلًا فإلي أيِّ حدٍّ كانت تلك الخدمة؟

  2. ابو زهير الغامدي

    الخط العربي هو فن التماهي مع الطبيعة كحداء الابل ووقع سنابك الخيل وصوت المغني بالمجرور والدانات هو كل اولئك واكثر مما لم تحط به ذاكرات الحواسيب وبرامجها

  3. الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق ان شاء الله

  4. مقال مميز جدا

  5. سلمت يداك بالتوفيق ان شاء الله

  6. شئ جيد للغاية

  7. رائع جدا بالتوفيق

  8. موضوع قيم جدا بالتوفيق

  9. مقال مميز وإثراء للقارئ

  10. كم أنت رائع أيها الأديب كروعة الخط العربي
    مقال ثري بالمعلومات التى قد تكون غائبة عن البعض

    شكراً بحجم السماء
    دمت بود
    🌹🙏🏻🌹

  11. موضوع يستحق القراءة

  12. مقال جيد للغايه

  13. توفيق العزيزي

    الشكر لهذه الصحيفه

  14. جهد مشكور

  15. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل خدمت كل هذه النظم والبرامج الخط العربي أم شوهته؟
    فعلا سؤال خطير يحتاج لإجابة مقنعة
    ننتظر الإجابة ابا سعد سددك الله

  16. متألق دائماً ابو سعد سلمت يداك

  17. موضوع قلما نجد مقاربة مثله رائع جدا

  18. نورة السحيباني

    كتبت و أبدعت أستاذنا

  19. وصال بلافراق

    موضوع جدا رائع

  20. المعالجة الإلكترونية الخط العربي فقط سهلت كتابته لكن يبقى أحسن شيء الكتابة التقليدية

  21. ممتاز جدا

  22. موضوع متكامل .. أحسنتم

  23. عمران الباهلي

    موفقين

  24. دائما تبهرونا بمواضيعكم التي تفوح منها عطر الابداع و التميز

  25. عبارات متناسقة و موضوع ممتاز

  26. إلى الأمام

  27. ممتاز دمت مبدعا

  28. ريحان الراجح

    موضوع جيد يستحق القراءة

  29. نعمة من الله

    كل الشكر لك استاذنا ولهذا المرور الجميل

  30. وداد العبد الله

    يعطيك ألف ألف عافية

  31. رابعة العدوية

    ماشاء الله عليك ،مقالة ممتازة

  32. طرح يستحق المتابعة

  33. موضوع في قمة الروعة

  34. راضي فضل الرحمن

    جميل جدا

  35. نور الدين الهلالي

    موضوع يستحق الاهتمام

  36. راجي بن طارش

    ممتاز

  37. شاهر القحطاني

    رائع

  38. موضوع متميز

  39. كتبت وابدعت

  40. تبارك الله

  41. سوسن عبد الرحمن

    موضوع جد رائع

  42. وفقكم الله

  43. أسلوب رائع

  44. موفقين دوما

  45. عباس حبيب الله

    يسلموا

  46. شهاب الدين سلام

    سلمت يداك يا استاذنا

  47. سعود العتيبي

    لا فض فوك

  48. زاوية معالجة قوية

  49. حروفك تنهل من الاماني العاطرة

  50. سلمت لنا يمناك على كل حرف خطته

  51. موضوع رائع وجميل تسلم ايدك

  52. ضاحي السلطان

    لم يقف طموح الحاسوبيين عند تمكين الحاسوب من طباعة الحروف العربية، والتعامل معها في برامج تنسيق النصوص وغيرها من البرامج التي عُرّبَتْ أو صُمِّمَتْ عربيةً لتوليد الخطوط العربية آليًّا بأنواعها المعروفة: (النسخ، الرقعة، الكوفي، والثلث)، ولا عند توليد خطوطٍ جديدةٍ قائمةٍ أو مستوحاةٍ من تلك الخطوط

  53. هل خدمت كل هذه النظم والبرامج الخط العربي أم شوهته، وإذا كانت قد خدمته فعلًا فإلي أيِّ حدٍّ كانت تلك الخدمة؟

  54. موفقين

  55. رائع والى الامام

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا