( لا خوفَ على هذه الغريزة !! ) 2

ذكر الحافظ الذهبي شيئاً من محبوبات رسول الله ﷺ فقال : ” وكان يحبُّ عائشةَ، ويحبُّ أَبَاهَا، ويحبُّ أسامةَ، ويحب سبطَيْه، ويحب الحلواء والعسل، ويحب جبل أُحُدٍ، ويحب وطنه “، وقال الجاحظ: ” كانت العرب إذا غزَتْ، أو سافرتْ، حملتْ معها من تربة بلدها رملًا وعفرًا تستنشقه “.
فحبّ الوطن والبلد ميل فطري وغريزة متأصّلة في النفوس لا يحتاج إلى شعارات، وإنما أيامه ذكرى وماضيه طفولة وحاضره بناء ومستقبله أمل، فحبّه ليس إثمًا، إنّما الإثم ألا تكون للوطن هويّة، أو أن يتوارى عن مبادئه التي ربّى فتربّى الناس عليها.

ولأنّ حبّه غريزة فقد أبدع الشعراء في وصف أوطانهم، لأنّ حبّهم لم يكن إدعاءً ولا تكلّفًا، ولا شعارًا يُفرض ولا رموزًا تُبجّل، وكان المفهوم العام منهم له يأتي على شكلٍ من الترابط العاطفي الذي لا ينقطع أمده إلا مع نهاية الأجل، فمهما اغترب الشاعر قسرًا أو اختيارًا، فالشوق يحدوه نحو حدود وطنه، وإن بعدت المسافات عنه لم تزل في قلبه مساحةٌ واسعة ومسافة حبّ قريبةٍ جدًا، ارتبطت بالسماء والتراب والحضارة والتراث، فضلًا على أنّه بلد المنشأ والتربية، والذكرى والتعليم.

فحبّ الوطن له أسباب، والشوق إليه له أبواب، ويفسّر هذا الحب ابن الرومي العباسي ت ٢٨٣هـ بقوله :
ولـــي وطـــنٌ آليــت ألا أبيـــعَـــهُ
… وألا أرى غيــري له الدهـــرَ مالكا
عهْدتُ به شرخَ الشبابِ ونــعمةً
… كنعمةِ قومٍ أصبحوا في ظِلالكا
فقد ألفَــتْهُ النفــسُ حــتَّى كـأنه
… لها جسدٌ إن بانَ غودِرْتُ هالكا
وحبَّب أوطانَ الرجــــالِ إليــهمُ
… مآربُ قضَّاها الشبابُ هنــالكـا
إذا ذكروا أوطــــانَهُم ذكَّـــرتهمُ
… عُهودَ الصبا فيها فحنّوا لذلكا

ويقول الشاعر المصري الكبير رائد مدرسة إحياء الشعر العربي محمود سامي البارودي ت ١٣٢٢هـ بعد أن نُفي إلى جزيرة سرنديب ( سيلان ) مستذكرًا أيامه في بلد نشأته :
بِلادٌ صَحِبْتُ الْعَيْـــشَ فِيهَا مُنَعَّمَاً
… وَأَجْــرَيْتُ أَفْرَاسَ الْبَــطَـــالَةِ لاهِــيَا
فَكَمْ لَـــذَّةٍ أَدْرَكْــْتُ فِــيـــهَا وَنِـــعْمَةٍ
… أَصَبْــــتُ وَآدَابٍ تَـــرَكْـــتُ وَرَائِــــيَا
هِيَ الْوَطَنُ الْمَأْلُوفُ وَالنَّفْسُ صَبَّةٌ
… بِمَنْـــزِلِهَا الأَدْنَى وَإِنْ كَــانَ نَائِــيَا
فَلا حَبَّذَا الدُّنْـــيَا إِذَا هِـيَ أَدْبَــرَتْ
… وَإِنْ أَقْبَــــلَتْ يَوْمــاً فَيا حَبَّذَا هِيَا
ويعبر عن شوقه وحاله :
يَا حَبَّــذَا مِصْرُ لَوْ دَامَتْ مَوَدَّتُهَا
… وَهَلْ يَدُومُ لِحَيٍّ فِي الْوَرَى سَكَنُ
تَاللَّهِ مَا فَارَقَـــتْهَا النَّفْسُ عَنْ مَلَلٍ
… وَإِنَّــمَا هِـــيَ أَيَّـــامٌ لَـــهَا إِحَـــنُ
– ويقول في موضعٍ آخر :
يَا رَبُّ قَدْ طَالَ بِي شَوْقِي إِلَى وَطَنِي
… فَاحْــلُلْ وَثَاقِي وَأَلْحِقْــنِي بِأَشْبَاهِي
– ويقول معاتبًا في نفيه :
أَبِيتُ في غُرْبَةٍ لا النَّــــفْسُ رَاضِيَةٌ
… بِها وَلا المُلْتَقَى مِنْ شِيـــعَتِي كَثَبُ
فَلا رَفِـــيقٌ تَـــسُرُّ النَّــفْـــسَ طَلْعَتُهُ
… وَلا صَـدِيقٌ يَرَى ما بِي فَيَكْــتَئِـــبُ
وَمِنْ عَجَــْائِبِ ما لاقَيْـــتُ مِنْ زَمَنِي
… أَنِّي مُنِيـــتُ بِخَـطْبٍ أَمْـــرُهُ عَجَـبُ
لَم أَقْتَـــرِفْ زَلَّةً تَقْضِي عَلَــيَّ بِــما
… أَصْبَحْتُ فيهِ فَماذَا الْوَيْلُ والْحَرَبُ
فَهَلْ دِفَاعِي عَنْ دِيني وَعَنْ وَطَنِي
… ذَنْـــبٌ أُدَانُ بِـهِ ظُــلْـــمَاً وَأَغْــــتَرِبُ

ومن أبرز العلامة وأظهر الأمارة في صدق حب الوطن ؛ ما ترنّم به الشعراء في غربتهم، في أشياء يرونها فتذكّرهم بمنزلهم الأوّل، مصادقين على ذلك قول أبي تمام العباسي ت ٢٣١هـ :
نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى
… مـــا الحُــبُّ إِلّا لِلحَــبـيــبِ الأَوَّلِ
كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَألَفُهُ الفَتى
… وَحَــــنيـــنُهُ أَبَـــداً لِأَوَّلِ مَـــنـــزِلِ
– حينما رأى عبد الرحمن الداخل ت ١٧٢هـ نخلة في الرصافة الأندلسية، أثارت النخلةُ ذكرياته في دمشق، إذ يرى غربتها معه، حيث قال :
تبدّت لنا وســـط الرصافة نخلةٌ
… تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت شبيهي فـي التغرّب والنّوى
… وطول اكتئابي عـن بنيَّ وعن أهلي
نشأت بأرضٍ أنت فيهــا غـريبةٌ
… فمثلك في الإقصـاء والمنتأى مثلي
– ومثل هذا ما قاله رشيد أيوب ت ١٣٦٠هـ الشاعر المهجري في نيويورك، وذلك حينما رأى الثلج يتساقط فيها :
يا ثلجُ قـــــد هيّجتَ أشجاني
… ذكَــرتـــني أهـــــلــي بلُبـــنَانِ
باللهِ عَـــنّـــي قُــــل لإخــواني
… ما زالَ يـــــرعى حـــرمةَ العهد
يا ثلجُ قد ذكّــــرتني الـــوادي
… مُتَنَـــصّتاً لِغَــديرِه الشّــــادي
كم قد جَلَستُ بحضنه الهادي
… فَكأنّنــْيـي في جَــــنّةِ الخُـــلدِ
يا ثلــــجُ قد ذكِـــــرتني أمّـــي
… أيّامَ تقضي الليلَ في همّـــي
مشغوفةً تحَارُ في ضَــمّـــي
… تحنو عـليّ مَـخــــافَــةَ الـبردِ

ومن المبالغات الممقوتة في حب الوطن قول أحمد شوقي عفا ﷲ له :
وَطَني لَو شُغِلتُ بِالخُلدِ عَنهُ
…. نازَعَتني إِلَيهِ في الخُلدِ نَفسي
إذ قصد أن لا شيءَ يشغله عن محبته لوطنه، حتى ولو كان الشيء عظيماً كالخلود في الجنة.

ومن مشهور الأبيات في الوطن بيتٌ تناقله الناس على أنّه لأبي فراس الحمداني ت ٣٥٧هـ ، ومرةً يُنسب للشاعر اللبناني حليم دموس ت ١٣٧٧هـ ، وبعضهم ينسبه لأحمد شوقي ت ١٣٥١هـ ، والواقع أنّ البيت محرّف وهو :
بلادي وإنْ جارت عليَّ عزيزة
… وأهلي وإن ظـنّوا عـليّ كرام
وأصله البيت للشريف أبي عزيز قتادة ت ٦١٧هـ حيث قال :
بلادي وإنْ جارت عليَّ عزيزة
…. ولو أنّني أعرى بها وأجوع
وتمام الأبيات
وليْ كف ضرغامٍ أصول ببطشها
…… وأشــرى بها بين الورى وأبيع
تظلُّ ملوك الأرض تلثم ظهرها
….. وفي بـــطنها للمجدبين ربـــيع
أأجعلها تحت الثرى ثم أبتغي
….. خلاصًا لها ؟! أنى إذن لوضيع
وما أنا إلاّ المسك في كلِّ بلدةٍ
….. أضـوع ، وأمّا دونـــها فأضيع

( قَفْلَة الجَلْسَة )
( مما يزيد أبناء الوطن حباً لوطنهم الإشعار بأنّ البلاد بلادهم، وسعادتهم في عمارها وراحتها، وتعاستهم في خرابها وشقاوتها .. وأمّا الذين يبدّلون حبّ الوطن لأجل غاياتٍ شخصيّةٍ فهؤلاء لا يستحقّون أن ينسبوا إلى الوطن وهم أعداءٌ له .. وألحق بهم الذين لا يبذلون جهدهم في منع وقوع الأسباب التي من شأنها أن تضرّ بالوطن، أو تخفيفها بعد وقوعها ) – بطرس البستاني
( من العجيب أنّني كبريطاني استطعت أن أعبر الوطن العربي من شرقه لغربه دون أن أحتاج لتأشيرة، بينما يحتاج العربي لتأشيرة قد لا يحصل عليها لعبور تلك الحدود من دولة عربية لدولة عربية ) – جورج غالوي
————————————
بقلم الأستاذ /
إبراهيم الوابل – أبو سليمان
‏ibrahim7370@
الأحد – الموافق
٣٠ – ١ – ١٤٤٠هـ
٢٩ – ٩ – ٢٠١٩م

# مقال يصدر كلّ أسبوعين من تأريخه

40 تعليق

  1. ريتاج السريحي

    جعل الله بلدان العالم و العربي خاصة في آمان و سلام

  2. أبيات رائعة

  3. تسلم الأيادي التي كتبت هذا الموضوع

  4. نرجس الأحمدي

    اشكرك على طرحك المفيد لا حرمنا الله منك و من ابداعاتك

  5. لقد كتبت و أبدعت

  6. ناريمان جمال

    من كل قلبي أشكرك على مقالك المتميز

  7. لك مني ارقى و ارق التحيات يا صاحب أرقى الجمل و الكلمات

  8. كل الشكر لك استاذنا ولهذا المرور الجميل

  9. يعطيك ألف ألف عافية

  10. موضوع جيد يستحق القراءة

  11. نانا حبيبة ماما

    ممتاز دمت مبدعا

  12. وجود النديمي

    ماشاء الله عليك ،مقالة ممتازة

  13. رابعة العدوية

    دائما تبهرونا بمواضيعكم التي تفوح منها عطر الابداع و التميز

  14. رحمة الغامدي

    موضوع رائع

  15. يسلمو على المقال عن حب الوطن

  16. الله على الإبداع

  17. ليمان الجابري

    عنوان مشوق، ومقال وظف التناص بطريقة مذهلة.

  18. أسلوب سلس وبسيط

  19. ممتاز

  20. فرح بلا رتوش

    موضوع قمة في الروعة

  21. قمورة الدلوعة

    حب الأوطان من الإيمان!

  22. لولوة العثيم

    نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى
    … مـــا الحُــبُّ إِلّا لِلحَــبـيــبِ الأَوَّلِ
    كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَألَفُهُ الفَتى
    … وَحَــــنيـــنُهُ أَبَـــداً لِأَوَّلِ مَـــنـــزِلِ

  23. لطيفة آل سلمة

    مما يزيد أبناء الوطن حباً لوطنهم الإشعار بأنّ البلاد بلادهم، وسعادتهم في عمارها وراحتها، وتعاستهم في خرابها وشقاوتها.

  24. لوسي أخت بوسي

    أبدعتم أستاذنا.

  25. ما كانت الأوطان إلا راحة للمتعبين!

  26. سلمت يداك أستاذ إبراهيم

  27. لمياء الشمري

    بارك الله في حرفك

  28. فاطمة الزهراء

    بلادي وإنْ جارت عليَّ عزيزة
    …. ولو أنّني أعرى بها وأجوع

  29. موضوع قمة في الروعة

  30. جميل جدا

  31. فردوس عبد الجبار

    حقا إنها غريزة لا يمكن أن تموت!

  32. فخرية الزايدي

    بارك الله في قلمك أستاذنا.

  33. دمتم مبدعا أستاذ الوابل

  34. أحسنتم

  35. فريدة برناوي

    دام حرفك متميزا

  36. خالد عبد الرحمن

    فعلا عجيب …من العجيب أنّني كبريطاني استطعت أن أعبر الوطن العربي من شرقه لغربه دون أن أحتاج لتأشيرة، بينما يحتاج العربي لتأشيرة قد لا يحصل عليها لعبور تلك الحدود من دولة عربية لدولة عربية

  37. ضاحي السلطان

    مما يزيد أبناء الوطن حباً لوطنهم الإشعار بأنّ البلاد بلادهم، وسعادتهم في عمارها وراحتها، وتعاستهم في خرابها وشقاوتها

  38. مقال مليء بل يفيض حبا

  39. خوف من مجهول

    نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى
    … مـــا الحُــبُّ إِلّا لِلحَــبـيــبِ الأَوَّلِ

  40. فحبّ الوطن والبلد ميل فطري وغريزة متأصّلة في النفوس لا يحتاج إلى شعارات، وإنما أيامه ذكرى وماضيه طفولة وحاضره بناء ومستقبله أمل

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا