خلف القرشي

من وحي سورة الكهف (1): قتل الخضر للغلام.. سؤال ودرس(*)

قال تعالى:
{فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا} [الكهف 74].

قال تعالى: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا «80» فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا «81»} [الكهف].

أثير وما زال يثار تساؤل حول قتل -الرجل الصالح- الخضر عليه السلام للغلام؛ تلك النفس الزكية التي لم تبلغ سن التكليف بعد، والتي أُزهقت بغير حقٍ -في ظاهر الأمر- وما سؤال واستغراب سيدنا موسى عليه السلام لذلك الصنيع الذي أقدم عليه الخضر إلا أول إثارة لتلك القضية.

(قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا). وقد ردَّ أهل العلم قديمًا وحديثًا على هذه الشبهة من زوايا مختلفة، ولكل زاوية منها في الأعم والأغلب معقوليتها ومنطقيتها ومرجعيتها.

إن كون ذلك الفعل الذي أقدم عليه الخضر، رغم بشاعته الظاهرية، كان بأمر من الله عز وجل:
{… وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف 82]، يرد الشبهة؛ فالله وحده هو مانح الحياة، وهو أيضًا منهيها وقاطعها متى ما أراد، قال تعالى {هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قضى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [غافر 68].

ثم إن الكون كله ملكه سبحانه {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ «82» فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ «83»} [يس].

لله المثل الأعلى، ومن يعاند سيدًا في ملكه؟!
العدالة الإلهية هنا لا يبحث عنها بمعزلٍ عن العلم الإلهي الأزلي؛ فقد سبق في علمه سبحانه -عالم الغيب والشهادة- أنَّ هذا الغلام سيرهق والديه الصالحين طغيانًا وكفرًا؛ فهو -عزَّ في علاه- العَالِمُ بما كان ويكون، وهو العَالِمُ أيضًا بما لم يكن لو كان كيف يكون.

نقطة أخرى تستحق التوقف، وهي أن في قتل هذا الغلام حياةٌ لوالديه، وبقاءٌ لهما بإذن الله على العقيدة الحقِّ في ظلال التوحيد ورحاب الإيمان حتى يلقيا ربَّهما.
حدث هنا قتل/ موت لشخصٍ واحدٍ قاصرٍ، مقابل حياةٍ طيبةٍ لشخصين بالغين ناضجين، ويمكن أن يمتد الأمر إلى نسلهما وأحفادهما من بعدهما جيلًا تلو آخر.

ولا ننسى أن الأبوين اللذين فُجعا في طفلهما سيعوضهما الله خيرًا منه: {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف 81]. وفي ذلك لطفٌ ورحمةٌ وكرمٌ لهما من الله.

ويبقى السؤال:

ماذا عن الغلام المقتول نفسه؟

بالمعايير البشرية القاصرة والمحدودة فإن ذلك الغلام قد ظُلِم!
لكن هذا الأمر ينطبق في حالة واحدة فقط؛ وهي عندما تكون هذه الحياة الدنيا هي كلُّ (الحكاية)! وهذا ليس بصحيحٍ البتَّة،
فهذه الحياة كما يعرف كل ذي لبٍّ دار (ممرٍ) لا (مستقرٍ).
{وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت 64].

ومن يدري.. ماذا أعدَّ الله لهذا الغلام في آخرته؟ لعل الله أراد به خيرًا بهذا الصنيع: {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء 19].

وقد يعوضه الله بحياةٍ أبديَّةٍ، يكون فيها خالدًا مخلدًا في فسيح جنانه، وينسى ما حدث له في دنياه، عندها يتمنى ملايين من الإنس والجن لو كانوا مكانه. ولنا في أمنية الشهداء في سبيل الله تعالى عند ربهم عظةٌ وعبرةٌ؛ حيث يتمنون أن يعيدهم الله إلى الحياة الدنيا ثانية، فيقاتلون في سبيله، ويُقْتَلُوُنَ؛ وذلك لما رأوا من عظم أجر الشهادة في سبيل الله، وثواب الشهداء.

ولعلَّ في قتل ذلك الغلام رحمةً له نفسه، ونجاةً من حياةٍ ملؤها الشقاء والعناء، وختامها سوء عاقبة، وخاسر مآل، وربما لو قُدِّر للغلام الحياة لأتى إليه من يقتله، أو يقتل هو نفسه انتحارًا.

الموت مصير كلِّ حيٍّ، سواءً كان بيده أو بيد غيره، أو نتيجة مرٍض أو زلزالٍ، أو حربٍ، أو جوعٍ …إلخ.

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
تعددت الأسباب والموت واحد.

وهنا يحضرنا قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان 27]. أما القيمة التي يمكن أخذها من حادثة قتل الغلام فسنحوم حول حماها في اشتيار الأسبوع القادم -بمشيئة الله تعالى- إن أذن لنا بالبقاء واللقاء.

 

————————————————————-
(*) من كتابي: (من وحي سورة الكهف.. تأملات ورؤى).
للحصول على نسخةٍ ورقيةٍ من الكتاب، يرجى التواصل مع الكاتب: واتس آب: ” 0591662126″
———————————————————–

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

بقلم الأديب والباحث والمترجم/ خلف بن سرحان القرشي

#خلف_سرحان_القرشي 

السعودية – الطائف – ص. ب 2503  الرمز البريدي 21944

ايميل:  qkhalaf2@hotmail.com

تويتر @qkhalaf

45 تعليق

  1. عبدالرحمان الأشعاري

    قال تعالى: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا «80» فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا «81»} [الكهف]… يفسر العلماء هذه الآية بالعلم اللدني وهو علم يفوق العلم البشري ولا يمكن أن يصلوا إليع إلا بإذن الله تعالى مثل ما حصل مع الخضر عليه السلام.. أشكرك الشكر الجزيل أخي الأستاذ خلف وأتمنى أن تكمل تفسير هذه السورة على هذا الشكل، فإنه شكل جديد ونمط حديث كله جدة وإبداع ولما لا القرآن بأكمله..

  2. عبدالشكور الأزوري

    هذا مشروع تفسير للقرآن الكريم.. جزاك الله عنا خيرا يا ابا سعد

  3. زهرة البليان

    بوركت وبوركت اليد التي تكتب.. تسلم

  4. عماد أبو صديق

    بارك الله فيك يا أبا سعد.. مبدع

  5. أشكرك.. مقالة مميزة.. تسلم

  6. منصور البعيجان

    اختيار موفق وتناول جيد للموضوع.. أشكرك

  7. ما شاء الله أخي الفاضل أستاذ خلف
    في كل مرة لا يبلى جديدك ولا يغيب تغريدك
    نعم ..
    الناس مع القدَر كموسى مع الخضر… شكرًا بقدْر متعتنا

  8. بارك الله فيك ياكاتبنا العزيز على الطرح واسلوب التفسير في مكامن هذه السورة العظيمه والتدبر في القصص التي وردت فيها

  9. أكرمك الله يأ با سعد وزادك علما فوق علم.. تسلم

  10. تفسير رائع ومبسط للأية.. جزاك الله خيرا

  11. غزيل السبيعي

    رائع وممتاز.. تسلم

  12. له في ذلك حكم يعلم السر وما اخفى

  13. محمد صبيان البراق

    لا فض فاك ولا كلت يداك
    يا ابو سعد

  14. دائما مبدع أبا سعد

  15. الله عليك استاذ

  16. محمد ابراهيم

    احسنت قولا حقا

  17. موضوع مفيد جدا

  18. قمه في الابداع ولتميز

  19. دائما مقالاتك متميزة وجذابه للقاري

  20. بارك الله فيك استاذنا

  21. من نجاح الي نجاح

  22. نائلة المالك

    تسلم الآيادي التي تخط وتكتب..

  23. سبحان الله خرب من اجلك موت من اجلك حتى المصائب لها فوائد

  24. ليس القرآن فقط معجزة بل في كل تفسير تجد الكثير من المعجزات منها العلمية والحسابية والدنيوية وغيرها التي لا تنتهي

  25. مقالات فريدة من نوعها فقط تجدها هنا

  26. امتنان الصالح

    رائع.. مقالة مميزة

  27. شكر الله لك.. مبدع

  28. لطيفة العامودي

    تسلم يا أبا سعد.. مقالة في المستوى

  29. زهرة الورداني

    لكم كل التقدير والاحترام..

  30. كريم بوسلهام

    إبداع لا نظير له.. تسلم

  31. جواهر الشمري

    سلمت يداك أستاذ خلف.

  32. فايزة الشهراني

    اشتيار جميل جدا، فسورة الكهف مليئة بالقصص والعظات، ومن يتأملها يجد فيها من حكمة الله ما يهون على قلبه.

  33. سبحان الله الذي قص لنا ما يرينا الخير في أقداره خيرها وشرها لنؤمن بها.

  34. بدرية العبدالله

    ممتاز

  35. بارك الله في علمك ونفع به أستاذنا الفاضل.

  36. تأملات في غاية الروعة تفتح لنا أفقا جديدة في التفكير.

  37. أحسنت أستاذنا.

  38. ولعلَّ في قتل ذلك الغلام رحمةً له نفسه، ونجاةً من حياةٍ ملؤها الشقاء والعناء، وختامها سوء عاقبة، وخاسر مآل، وربما لو قُدِّر للغلام الحياة لأتى إليه من يقتله، أو يقتل هو نفسه انتحارًا.

    كثير من الحكم يكتنفها القدر.

  39. طلال العطا الله

    دائمًا ما تكون زوايتكم مميزة أستاذ خلف.

  40. كان في قتل الغلام خير له ولأهله، وكثير من الأقدار لا نبصر خفي ألطاف الله فيها، وربما كانت إحدى العظات أن نسلم كل أمرنا لله عز وجل حتى وإن كان ظاهرها شرا أو بؤسا.

  41. كافة سور القرآن تحمل في طياتها الكثير من الدروس، ولكن بعض السور لها خصوصيتها كسورة الكهف وسورة يوسف وسورة القلم!

  42. شريف إبراهيم

    أسلوبك ممتع حقًّا أستاذ خلف.

  43. دمت مبدعًا أستاذنا الفاضل.

  44. هبة عبد الرحمن

    العدالة الإلهية هنا لا يبحث عنها بمعزلٍ عن العلم الإلهي الأزلي؛ فقد سبق في علمه سبحانه -عالم الغيب والشهادة- أنَّ هذا الغلام سيرهق والديه الصالحين طغيانًا وكفرًا؛ فهو -عزَّ في علاه- العَالِمُ بما كان ويكون، وهو العَالِمُ أيضًا بما لم يكن لو كان كيف يكون.

  45. بارك الله في قلمك وفكرك.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا