سيغلبهم حسدهم

يقول الإمام الشّافعي: “كل العداوة قد تُرْجى مودّتها، إلاّ عداوةَ من عاداكَ عن حسدٍ”. ويقول مارك توين: “اثنان يهتمّان بأدقّ تفاصيلك، شديد الحبّ وشديد الحقد”.

نحن لا نعيش بمفردنا في الحياة، وانغماسنا في الانشغالات المتراكمة والمتزايدة يومًا بعد يوم، يفقدنا كثيرًا من التّركيز المفضي إلى التّمييز بين المحبّ الصّادق والكذوب، مثال ذلك: أن تكون بين جمع من النّاس وقد حباك الله ما شاء من نعمه، فيصفق لك الجميع، وصوت التصفيق واحد، ولا يمكنك أن تفرّق بين تصفيقة المحب الدّاعم بحقّ، والمشجّع، وبين تصفيقة الممتلئ قلبه حسدًا وغِلًّا.
ولا تظن أن كلّ من حضر لرؤيتك أو الاستماع إليك يحبّك، فهناك من النّفوس المريضة العليلة والسّقيمة، من يستهويها اصطياد هفواتك بين الجموع لتتحدّث عنك في غيبتك، وكما جاء في مقولة لي: “أعداؤك أشدّ حرصًا منك على أخطائك” وكما سلف أن ذكرت في مطلع المقال على لسان مارك توين من بين من يهتم بأدقّ تفاصيلك شديد الحقد عليك.

فيا كرام، وبعد أن علمنا أنّنا محاصرون بهذا النّوع من البشر، علينا أولا أن نثق في انفسنا، وأن لا ننتظر مدحا أو ثناءً من أحد ويكون قولنا الثابت “إن أجري إلاّ على الله” وإنّي لأجده مدعاة لصفاء النّفس، وسموّ الرّوح، وخلوّ البال من كلّ ما يجانب رِفعته وبحثه عن الأنقى، فكلّما تقوقعنا في هالة مدح النّاس لنا، تقلّص نفعنا للنّاس، لأننا تعوّدنا على أن لا نعمل ولا نقدّم إلا في بيئة تقدّم لنا من الثناء القدر الوفير،متناسين أن هذا الثناء محصور الزّمن،يزول بزوال ما قدّمنا،و إن لم يزُل فبالتقادم يُنْسى ما قدّمنا، وأنّ الأجر الذي سيقدّمه لك النّاس هو أجر معدود مقارنة بأجر الله الممدود.

مرضى النفوس، سيطفو مرضهم على السّطح، ويُظهرون لك من الحسد والبخل ما يجعلك مذهولًا، متسائلا باستغراب: ما بال هؤلاء؟ أين كانوا يخفون هذا من قبل؟ سيغلبهم حسدهم وينطقون به، في شكل اعتراض على ما تقدّمه وهو صواب وغيرك من أصحاب القلوب السليمة يعلم أنه صواب، ولكن سيغلبهم كرههم لك فقط لأنك متفوّق، ولنعمة حباك الله بها، هم لا يمتلكونها، وليس لكونك تزاحمهم في مأكل أو مشرب أو باب من أبواب الرّزق، ولو نظروا قليلًا لأنفسهم لوجدوا فيها خيرًا كثيرًا.
يقول الدكتور وسيم يوسف: “تقول أنا ليس لي أعداء.. أتريد أن يرضى كلّ الناس عنك؟ إذًا أنت فاشل، أو لا تحمل فكرة ولا ترقى بفكر، أو منافق”.

الكاتب الجزائري/ طارق ثابت

19 تعليق

  1. عبدالرحمان الأشعاري

    للأسف الشديد هذا هو حال أفاراد محتمعنا العربي.. حتى أن أحد الفائزين بجائزة نوبل للفريزياء وهو أمريكية الجنسية لكن دو أصول مصرية وهو أحمد زويل، قال قولته المشهورة “” الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء؛ هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل”.. أشكرك الشكر الجزيل

  2. عنوان مثير وجميل

  3. محمد ابراهيم

    فعلا كلامك مظبوط

  4. احسنت قولا ممتاز

  5. دائما مبدع ومتالق في مقالاتك

  6. اكثر من رائع

  7. قمه الابداع والتلق

  8. من نجاح الي نجاح

  9. بوركت وبوركت أناملك.. أشكرك

  10. بارك الله فيكم

  11. شئ جيد للغاية

  12. عبدالشكور الأزوري

    الله يبكرمك كما أكرمتنا بهذا المقال الجيد..

  13. ستقتلهم سموم قلوبهم اللي كلها حقد

  14. حب لأخيك ما تحبه لنفسك يكفية هذا ان طبقه في حياته يسعد سعادة حقيقية

  15. دة مرض محتاجه تعمل عملية تطهير قلب باسرع ما يمكن

  16. الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق ان شاء الله

  17. حامد الحازمي

    سلمت يداك بالتوفيق ان شاء الله

  18. اللهم طهر قلوبنا من الرياء واعمالنا من النفاق والسناتنا من الكذب واعيننا من الخيانه وانفسنا من كل مرض

  19. عماد أبو صديق

    بارك الله فيك وأحسن إليك..

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا