مفخخة في أمستردام

لا يزال النُّصب (العراقي) في العاصمة الهولندية، أمستردام، ويجسّد أشلاء سيارتين مفخختين جلبتهما منظمة (أي كي في) الهولندية للسلام، من بغداد، يجذب الزوار، مذكّرا بإرهابٍ عمّ أنحاء العالم، واستقرّ في العراق، بشكل خاص.

وإذا كان مستوعَبا، أنّ هذا النُّصب المتفرّد، المثير للمتابع الغربي، هو إدانة لعمليات القتل بواسطة تفخيخ الاشخاص والسيارات في الساحات العامة، لقتل أكبر عدد ممكن من الناس، إلا إنه يكشف عن غياب الاستثمار في العراق؛ لمرحلة العنف التي مرّ بها، وانحسار كتابة التاريخ بالنصب والتماثيل، وصناعة الرموز، التي تساهم في وحدة الصف ونبذ العنف والفتن القومية والطائفية، عن طريق استذكار مآسيها وضحاياها.

وإذا كانت مفردة (المفخّخة) مخيفة بعض الشيء، للجمهور الغربي، غير إنّ عرْض هذه الهيكل الحديدي المتهالك، في ساحة (لايدسه بلاين) في قلب امستردام أضفى على المكان روعة خاصة؛ لأنه أصاب الغاية، عبر التقاط صورة دخيلة على البيئة الهولندية، تُذكّر الجميع بأنّ السلام واجب عالمي، وأنّ على الشعوب التعاون من أجل ذلك، وفق مستطرق هولندي وصلت كلماته إلى مسامعي، حيث أقف إلى جواره.

استنهاض ذكرى الويلات، بالأشكال الجمالية والنصب الفنية، بات ضرورة تحتاجها مدن العراق، كي لا تنسى الأجيال، معاناة الآباء والأجداد، ولعل البلدان الأوروبية سبّاقة في هذه المجال، فلم تترك موقفًا تاريخيًّا، سواء في السلام أو الحرب، إلاّ وجسّدته بأمانة، اعترافًا منها بأهمية تحويل التاريخ إلى إشارات مادية حاضرة.

لم يعد التاريخ سجلًّا ورقيًّا في رفوف المكتبات، أو مخزونًا رقميًّا في أجهزة الحواسيب، بل حالة يومية يعيشها الإنسان
وهو يتجول في ميادين المدن الكبرى التي تضم صروحًا ونُصبًا وحدائقَ، تؤرّخ لحدث أو تذكّر بشخصية، فيما لم ينسحب
التاريخ العراقي إلى الآن على الحالة اليومية، وساحات المدن، ليستقر إلى حدود كونه كتابًا مدرسيًّا، أو بحثًا في الجامعات، لا يتعدى في أهميته حدود الدرس والبحث.

أنشأت اليابان متحفًا للسلام في هيروشيما، في حديقة قرب مكان سقوط القنبلة الذرية، يعرض تفاصيل الضربة التاريخية، ودمار المدينة، بأحدث الأجهزة السمعية والبصرية، وفق بناء معماري، مهيب.

وحوّلت حكومة ألمانيا الغربية ملجأً للحماية من الصواريخ النووية، إلى متحف يصوّر فترة الحرب الباردة.

وأقيم نُصبًا تذكاريًّا في واشنطن لضحايا الحقبة الشيوعية؛ لاستيعاب دروس الحرب الباردة، حيث (الشر والكراهية) أديا إلى مقتل ملايين الأشخاص في القرن العشرين، وفق تعبير الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الابن).

بل إنّ الولايات المتحدة خلدّت ذكرى 4 آلاف كلب نفقوا في الحروب التي خاضتها خارج حدودها.

وفي لندن، يرتفع في الفضاء نُصب تذكاري، لتكريم الحيوانات والحشرات التي تحمّلت المصاعب مع القوات المسلحة البريطانية.

لم تعد مسؤولية تسجيل الأحداث تقتصر على المؤرخ التقليدي وحده، بل واجبًا على الفنانين والمهندسين والمثقفين،
وحكومات المدن، والجامعات؛ من أجل كتابة التاريخ، لا سيما القريب منه، حيث الاضطراب الأمني والسياسي يحول دون أرشفة الكثير من الأحداث المهمة، التي تشكّل حلقة مهمة في التاريخ العراقي.

لا تزال الفرصة سانحة أمام روح الإبداع (،فنيًّا، وأدبيًّا، وهندسيًّا) في استحضار المنهج العلمي في تخطيط المدن والساحات، وإغنائها برموز الأحداث القريبة، لا سيما تلك التي سببّت الآلام والأوجاع للعراقيين، لكي لا يقتصر استذكارهم لمآسيهم وحروبهم بزيارة قبور الضحايا والشهداء فقط، بل في رموز فنية وهندسية دقيقة الصناعة، تعيش معهم في كل الأماكن واللحظات.

الكاتب العراقي/ عدنان أبوزيد

43 تعليق

  1. ابن المملكة

    الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق ان شاء الله

  2. محمد الراشد

    سلمت يداك بالتوفيق ان شاء الله

  3. حامد الحازمي

    جيد جدا بالتوفيق ان شاء الله

  4. خدوج الاحمد

    جهد مشكور

  5. شئ جيد للغاية

  6. موضي الفضلي

    الشكر لهذه الصحيفه

  7. موضوع قيم جدا بالتوفيق

  8. موضوع يستحق القراءة

  9. مقال مميز جدا

  10. مي سيف الدين

    موضوع جيد جدا

  11. مراد أمر مين

    بارك الله فيك

  12. إكرام امر اني

    جيد للغايه

  13. عبدالغني السبب كي

    ممتاز

  14. نور الدين الهلالي

    سلمت يداك

  15. عبدالرحمان الاشعاري

    أصبت يا أبا زيد.. هذه وسيلة من وسائل محاربة كل أنواع وأشكال التطرف والإرهاب، وهي وسيلة مفيدة ومن الممكن أن تؤدي دورها في محاصرة الظاهرة.. أشكرك الشكر الجزيل

  16. شيء رائع جدا

  17. أكرم عبدالوهاب

    موضوع مميز للغاية

  18. محسن المصري

    شيء في غاية الروعة

  19. بديع السيسي

    موضوع جيد للغاية

  20. المدقق اللغوي عبد الله الشريف

    العرب في حاجة للاهتمام بالتاريخ أكثر، باستخدام كافة الوسائل

  21. سلمت على ذوقك الرفيع

  22. اعتماد ماضي

    يعطيك العافيه على الابداع

  23. روعه ذوق ابداع

  24. طرررح رووووعة

  25. بالتوفيق استاذي

  26. شجون اليحيا

    سلمت يداك

  27. محمد السعيد

    بارك الله لك

  28. نائلة المالك

    جهد مشكور

  29. موضوع رائع

  30. عمران الباهلي

    ممتاز

  31. شئ جيد للغايه

  32. عماد ابو صديق

    مقاله جيده

  33. أحلام العصيمي

    جهد عظيم

  34. منصور البعيجان

    لابد الاهتمام بالتاريخ

  35. كلام في غايه الروعه

  36. عنوان مثير لاهتمام

  37. عنوان مثير لاهتمام ورايع

  38. محمد ابراهيم

    مقال اكثر من رائع ومميز

  39. ما اجمل واروع هذا الكلام

  40. موضوع ذو اهميه ومفيد حقا

  41. حسان القطان

    شيء رائع ومثير لاهتمام والمتابعه

  42. جميل جدا معلومات ذو قيمه كبيرة

  43. بارك الله فيكم

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا