مجرد رقم

يهرب الجميع رجالًا ونساءً من شبح التقدم في العمر، وترتعش أياديهم عند ملاحظة تجاعيد جديدة فى الوجوه، أو رؤية أول شعرة بيضاء في الرؤوس، رغم أنه يعد أمرًا طبيعيًّا وكلنا سنمر به عاجلًا أم آجلا.

هذا القلق من التقدم في العمر والشعور بالشيخوخة قد يحول بيننا وبين استمتاعنا بكل مرحلة عمرية والتصالح معها، ومن أن نكبر ونشيخ ونحن نتمتع بالصحة البدنية والنفسية بعيدًا عن اللهاث وراء ترياق الشباب الأبدي.

البحث الدائم عن الجمال والشكل المثالي أصبح هاجسًا للجميع، ربما هو الأكثر عند النساء، ولكن هناك بعض الرجال لديهم هذا الهاجس، ويتمنون أن يتمتعوا بشكل مثالي أطول فترة ممكنة، حيث البشرة المشدودة النضرة والوجوه التي تكاد تخلو من الملامح دون أية تجاعيد، والعضلات المفتولة، وفي سبيل ذلك ينفقون الكثير من الأموال، ويبذلون الكثير من الجهد.

والواقع يؤكد أنه لا يوجد شخص ليس لديه نوع من الرهبة أو الهلع من التقدم في العمر، ولكن هذا الهلع يكون بنسب متفاوتة بين شخص وآخر، فمن منا لا يريد أن يظل في عنفوان شبابه؛ لذا فمن الطبيعي أن يسبب هذا الأمر التوتر والقلق، ولكن علينا أن نعي أن العمر لا يقاس بالأيام والسنين، ولا بتاج الشيب إذا زين ببعض الشعيرات، ولا بما تحدده الأوراق والوثائق الرسمية، ولا شهادات الميلاد والوفاة، بل يقاس بمدى ما اكتسبه المرء من خبرات في الحياة، وبحجم ما قدمه من أعمال وإنجازات وعطاء لمجتمعه، لذا لا يهم عدد السنوات التي نعيشها، ولكن المهم ما الذى حققناه في تلك السنوات، ولا  عيب مطلقًا أن يطال الشيب الرؤوس، أو ينحت الزمن خطوطه على الملامح، فكل خط منهم يحكي قصة كفاح وخبرة حياتية تحمل انتصارات وكبوات ومعارف متراكمة في العقول، فالعمر إذن مجرد رقم.

ولكن مع ذلك يمكننا أن نحافظ على شبابنا ليس بالشكل فقط، ولكن بالمضمون حينما نتصالح مع أنفسنا ومع أعمارنا ونتقبلها سنشعر بالسلام والأمان الداخلي، ولن نشعر بوطأة التقدم في العمر، بل سنعيش كما لو كنا في سن أصغر، فالأمان النفسي هو ما يجعلنا في حالة من الرضا والسعادة، التي بالتاكيد سيكون لها تأثير كبير على ملامحنا، فكم من شباب تراهم كالشيوخ وهم في عز شبابهم ينظرون للحياة نظرة تشاؤمية سوداوية، تجدهم بلا هدف أو طموح عابسين؛ فيضيفون لأعمارهم أعمارًا أخرى دون أن يدركوا ذلك. وكم من شيوخ تراهم شبابًا كلهم حيوية ونشاط، مستمرون في العطاء، وروحهم جميلة، وقلوبهم نقية صافية تملأ المكان تفاؤلًا وبهجة، فالأمر ليس بالسن مطلقًا ولكن بكيفية التعاطي والتعامل مع هذا السن.

الاستسلام لفكرة أن العمر مضى لمجرد أننا أصبحنا على مشارف الأربعينيات أمر قاتل، فقد يصيبنا بالاكتئاب ويجعل أجسادنا صيدًا سهلًا للأمراض؛ فنشيخ قبل الأوان.

وقد تكون النساء أكثر حساسية في ذكر أعمارهن الحقيقية، ذلك أن تكوين المرأة الفسيولوجي يعد أساساً في نظر الناس جميعًا، وبصورة خاصة إن بلغت سن الأربعين أو تجاوزتها.

لكن في حقيقة الأمر أن النضج له جماله، لأنه يمثل مرحلة عمرية تسكن فيها النفس، ويشعر فيها المرء بضرورة تحكيم العقل في سبيل الوصول إلى ما يريده، مستحضراً وسائل منطقية، يميل فيها إلى استشارة من خاض تجارب الحياة ووصل إلى غاياته، فيسير والأمل يحدوه في نجاح المحاكاة مع ما لديه من إمكانيات شخصية تكونت خلال مراحله العمرية السابقة، التعليم أحد روافدها التي تعينه على التعايش مع حاجاته الوظيفية والمهنية وبلوغ ما يصبو إليه.

كما أن السنين لن تكون عبئًا علينا حين نتعامل بما نعيشه من الإحساس، حينها يصبح حساب العمر بناءً على تقويم الروح، لا على عدد السنين، وحيث يكون الحب والانسجام العاطفي داخل الإنسان؛ يتآخى الجسد مع الروح، وتنعكس آثار هذا التآخي على ملامح الوجه، ويشع الضوء من زجاج العيون العاشقة لنبض الحياة.

وتظل الروح طفلة حين نغمرها بالدلال والاهتمام؛ فتصبح شقية تشاكس فراشات العمر، تقطف الورد من سياج الحياة، تسابق الضوء. ولكي تظل الروح برشاقتها، تحتاج إلى دافع، وحين يكون الدافع أقوى تسقط كل متاعب السنين ولا يوجد من دافع أقوى من الحب، عندما ندخل في نوبة حب نمتلئ بالحياة وتتملكنا طاقة شاسعة، وتغدو الروح فرسًا جامحًا، تركض في مضمار الرغبة، لا يكبح جماحها سوط السنين، ولا يروض شغفها في استنشاق مسامات الحياة زمن ولا شهادة ميلاد.

العمر في تقويم الروح لا يهاب من تجاعيد الزمن، ولا يكترث حين يتضاعف عدد السنين، لأن العمر الحقيقي يُقاس بالإحساس لا بعدد السنين.

ومن هذا المنطلق لا يصح الاستسلام للعبة الأرقام فيما يتعلق بمسألة قياس العمر، فعدد السنوات لا يحدد من أنت، ولا يحدد قيمتك، ولاحجم عطائك وإنجازاتك، والعمر الزمنى مهما بلغ لايعد بأى حال من الأحوال عائقًا أمام مواصلة مشوار الحياة، وتحقيق النجاحات، فلا داعي للفزع حينما يضيف الزمن رقمًا جديدًا إلى سنين عمرنا.

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

بقلم الأديبة العربية/ جيهان السنباطي

28 تعليق

  1. عبدالرحمان الأشعاري

    صحيج.. لا يجب الاستسلام للأرقام لأنها مجرد رقم لا أقل ولا أكثر، ولكن يجب الاهتمام بكل مرحلة عمرية وإعطائها كل الوقت الذي يناسبها.. أشكرك الشكر الجزيل

  2. امتنان الصالح

    بوركتي وبوركت اناملك.. تسلمي

  3. م.خالد عبد الرحمن

    من أجمل وأروع ما قرأت بالنسبة للعمر وبالنسبة لكيفية قياسه والتصالح معه ولكل مرحلة وجه وطريق وهدف

  4. كلام جميل

  5. شعور. راىع

  6. مميز هذا الكلام

  7. مجرد رقم عنوان في غايه الروعه

  8. شجون اليحيا

    سلمت يداك

  9. محمد السعيد

    بارك الله لك

  10. بالتوفيق استاذي

  11. نائلة المالك

    جهد عظيم

  12. حازم الفيفي

    لابد كل شخص ينظر الي التقدم في العمر انها شئ عادي

  13. عمران الباهلي

    موضوع رائع

  14. سمية المحسن

    ممتاز

  15. عماد ابو صديق

    جهد مشكور

  16. أحلام العصيمي

    مقاله جيده

  17. منصور البعيجان

    شئ جيد للغايه

  18. الافضل لكل انسان ان يستمتع بكل مرحله عمريه من حياته

  19. موضوع جميل جدا ويحمل تنبيه كل انسانه لتعرف جيدا أن العمر لحظة

  20. عنوان مؤثر جدا

  21. محمد ابراهيم

    حياتنا كلها مجرد رقم

  22. محمد ابراهيم

    حياتنا كلها مجرد ارقام فعلا

  23. ما اكثر الارقام في حياتنا

  24. العمر مجرد رقم النجاح ايضا رقم

  25. موضوع جميل جدا

  26. حسان القطان

    ما اروع واجمل هذا المقال

  27. الى الامام ايما وبالتوفيق

  28. دائما مقالاتيك مؤثرةومبدعه ومتألقة حقا

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا