فجوة خطيرة

تتعاقب الأجيال وبينها فجوة تتسع دائرتها؛ حينما يسود التعصب الذي يؤدي إلى التصادم الفكري بين الأجيال المتعاقبة، فالعنصر الأساسي الذي يميز جيلًا عن آخر، هو الثقافة، أي وجود نظرة أخرى إلى العالم والحياة، وهذه هي التي تحدد هوية كل جيل وتميزه عن السابق.

ويستمر الصراع بين الأجيال لاختلاف الرؤى بين الجيلين -الشباب والكبار- فتضطرب العلاقة بين الآباء والأبناء، وتتبادل الاتهامات بين الجيلين، فالأبناء يتهمون الآباء بأنهم لا يفهمون، ومتأخرون عن إيقاع العصر، ويصفونهم بالجهلاء المتشددين الغير مواكبين لتطورات العصر، بينما يتهم الآباء الأبناء بأنهم لا يحترمون القيم، ولا العادات، ولا التقاليد، وأنهم قليلوا الخبرة ولا يحترمون رأي وخبرة الكبار.

هذا الصراع يُولِد عدمَ الحوارِ، وعدمَ الرضا بين الجِيلَين، ونفور كلِّ طرفٍ من الآخر، هذا النفور قد يصل إلى درجة الصدام والعداء بين الآباء والأبناء، مما يهدد كِيَان الأسرةِ، وبنيانَ المجتمع، وهُوِيَّته بصفة عامة.

وقد يتخذ الصراع بين الاجيال أبعادًا وأشكالاً متعدِّدة: (فكريةً، ولغويةً، وثقافيةً، وسلوكيةً، وسياسيةً، ودينيةً، وتربويةً، واجتماعيةً، وفنيةً).

فالصراع الفكري يتمثل في الأفكار الجديدة التي يحملها جيل الشباب (كالدعوة إلى الحداثة، وتجاوز الموروث). والصراع اللغوي يتمثل في (التمرد على المفردات اللغوية) التي يرونها غير مسايرة لمستجدات العصر، فيبتكرون لغة خاصة بهم.

والصراع السلوكي يتمثل في رفض الشباب كل ما اعتاد عليه المجتمع من قبل، فيغير من طريقة ملابسه، وتسريحات شعره، ووضع السلاسل الغليظة حول اليد والعنق، وكذلك يغير من طريقة المشي والحركة والكلام، ويسارع في تقليد الفنانين والفنانات، ولا يبالون باعتراض الآباء والأهل، بل ويجدون متعة وهم يلقون المعارضة، ودائمًا تتردد على ألسنتهم (نحن أحرار). هذا إلى جانب السلوكيات الأخرى المرفوضة مجتمعيا، ومنها: (الكذب، والمراوغة، والصراخ، والإقبال على العنف داخل الأسرة وخارجها، والتدخين، وشرب الخمر والمخدرات، وارتكاب الفواحش).

أما الصراع السياسي فيتجلى في انتقاد الشباب لسياسة الكبار وكفاحهم من أجل تولي مقاليد الأمور، وقد يتَّخذ طابعًا ثوريًّا أو انقلابيًّا، كما هو الحال في الكثير من البلدان العربية اليوم، أو خروجه في شكلِ مظاهراتٍ، أو انسحابٍ من السياسة، ومقاطعة الانتخابات، وتضاؤل الحسِّ الوطني مع مرور الزمن.

وأصعب صراع هو الذي ينشأ داخل الأسرة التي تمثل عماد المجتمع، فثورة الأبناء في وجه آبائهم ومخالفتهم في كل شيء، وخروجهم عن طاعتهم أدى إلى تفكك الأسرة، فالأسرة تعيش في اتجاه والأبناء في اتجاه آخر؛ فتنقطع الصلة بينهما.

والواقع أننا لا نستطيع إلقاء اللوم على أي من الجيلين، لأن الشيوخ دائمًا ما ستجدهم متمسكين بكل ما هو قديم ومألوف، ويرفضون الانسياق وراء كل جديد. والجيل الجديد يميل بشكل طبيعي إلى الانفتاح، والبحث عن كل جديد، والرغبة في تجربة كل حديث، وكراهية كل قديم، وكل مألوف، وكسر الروتين والجمود.. ونتيجه هذا التباين بين الجيلين ينشأ الصراع الذي يؤدي إلى تمرد جيل الشباب على كل أو بعض تلك العادات والتقاليد التي يقدسها الشيوخ.

تلك هي الأسباب الظاهرة للكثيرين، والتي أظت إلى الصراع الدائم بين الأجيال، ولكن هناك أسباب أخرى يجب معرفتها، وتدارك خطورتها على الجيل الجديد، والتى تعتبر الأسباب الجوهرية لوجود هذا الصراع، ومنها: (فقدان القدوة الصالحة في المجتمع والشارع والمدرسة، وعدم وضوح المستقبل وضآلة فرص العمل المناسبة لمؤهلاتهم الدراسية والمهنية)؛ مما يؤدي إلى انسداد أفق التكيف الإيجابى داخل المجتمع.. كذلك افتقار الشباب إلى الأمان والسعادة الأسرية، حيث تخلت الأسرة عن دورها التربوي، واهتمت بالماديات، وجلب القوت، وتوفير متطلبات الحياة، وإكثار الكبار من اللوم والعتاب والتوبيخ للصغار حين يخطئون أو يفشلون مما يساعد على قتل المشاعر الإيجابية بين الطرفين، وأيضا تدهور الدور التربوى للمدرسة بسبب ضعف برامجها ومناهجها، والانفتاح على الغرب وضعف الوازع الدينى.

وإذا كانت العَلاقةُ بين الآباء والأبناء تزدادُ سوءًا يومًا بعد يومٍ، وخطورتُها في تفاقُمٍ مستمرٍّ فإن الأمرَ يَقتَضِي التعجيلَ بوضعِ الحلول المناسبة، حتى لا يَنقَلِب الأمرُ إلى ما لا تُحمَد عقباه. ومن الحلول التي يمكن اقتراحُها في هذا المقامِ هو ترشيد توجيهات الشباب، وتنمية الوعي لديهم، وتعديل الميول عندهم، وحث الشباب على أخذ كل جديد مفيد، ورفض كل حديث مضر، وتوجيههم نحو الاستفادة من منجزات العصر (العلمية، والتقنية، والمدنية)، ورفض الرذائل الأخلاقية المصدرة إلينا من الغرب أو الشرق.

كما أنه من الضروري للآباء تفهم متطلبات الجيل الجديد،  ومحاولة فهم ما يفكر فيه الشباب والفتيات، والاقتراب منهم أكثر، والتعامل معهم كأصدقاء، فذلك هو الطريق الأقصر لمعرفة ما يدور في عقولهم من أفكار،  وفي قلوبهم من عواطف؛ كي يتمكن الآباء (جيل الشيوخ) من توجيه الأولاد نحو الخير، والصلاح، والفضيلة، والإيمان، ومعالجة المشاكل التي تنشأ لديهم نتيجة التغيرات الكبيرة، والغزو الثقافي والفكري، الذي يشنه الإعلام ضد عقولنا وأفكارنا وثقافاتنا.

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

بقلم الأديبة العربية/ جيهان السنباطي

51 تعليق

  1. جواهر الشمري

    أؤيدك في مقترحاتك أستاذة جيهان.

  2. فايزة الشهراني

    سلمت يداكِ

  3. ذهبة الداود

    موضوع مهم جدا، لكن للأسف يظل كل شيء مجرد حديث عند المحاولات الجادة لا يتم..

  4. بدرية العبدالله

    هذه المشكلة تتجدد مع كل جيل للأسف..

  5. كثير من الآباء لا يحسنون التصرف مع أبنائهم لكنهم يجيدون نصح غيرهم..

  6. موضوع يستحق أن تعقد حوله نقاشات..

  7. هدى المسعود

    بورك قلمك..

  8. طرقتِ موضوعًا في غاية الأهمية.

  9. طلال العطا الله

    وإذا كانت العَلاقةُ بين الآباء والأبناء تزدادُ سوءًا يومًا بعد يومٍ، وخطورتُها في تفاقُمٍ مستمرٍّ فإن الأمرَ يَقتَضِي التعجيلَ بوضعِ الحلول المناسبة، حتى لا يَنقَلِب الأمرُ إلى ما لا تُحمَد عقباه.

  10. صالح اليوسف

    فالصراع الفكري يتمثل في الأفكار الجديدة التي يحملها جيل الشباب..
    المشكلة أن هذا الجيل أصبح بعيدًا عن الفطرة السوية بشكل يصعب معه الحوار والنقاش كما في السابق.

  11. طرح مميز

  12. شريف إبراهيم

    أحسنتِ..

  13. مقال ممتاز، ويتناول موضوعًا في غاية الأهمية.

  14. هبة عبد الرحمن

    ويستمر الصراع بين الأجيال لاختلاف الرؤى بين الجيلين -الشباب والكبار- فتضطرب العلاقة بين الآباء والأبناء، وتتبادل الاتهامات بين الجيلين..

  15. رائع جدًّا.

  16. عبدالرحمان الأشعاري

    الصراع بين الأجيال سنة كونية وحالة صحية، غير أنها لا ينبغي أن لا تتخذ طابع العنف في التواصل سواء أكان ماديا أو لفظيا أو نفسيا، بل ينبغي أن تكون وسيلتها الحوار ولا شيئ غير الحوار فيسمع هذا من ذاك ويستفيد ذاك من هذا وما إلى ذلك.. أشكرك الشكر الجزيل

  17. اامتنان الصالح

    بوركتي وبوركت اناملك.. تسلمي

  18. بارك الله فيك.. مقالة مفيدة

  19. تتعاقب الأجيال وبينها فجوة تتسع دائرتها؛ حينما يسود التعصب الذي يؤدي إلى التصادم الفكري بين الأجيال المتعاقبة،

  20. فجوة خطيره عنوان مهم جدا

  21. مشعل الحصيني

    سلمت يداك

  22. غزيل السبيعي

    بارك الله لك

  23. ناصر الجهني

    موضوع رائع

  24. رانيا الضلعان

    جهد مشكور

  25. عمران الباهلي

    بالتوفيق استاذي

  26. سمية المحسن

    مقاله جيده

  27. عماد ابو صديق

    ممتاز

  28. أحلام العصيمي

    جهد عظيم

  29. منصور البعيجان

    شئ جيد للغايه

  30. ندى المسعود

    تتعاقب الاجيال وبينها فجوه كبيره جدا

  31. ابن المملكة

    الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق ان شاء الله

  32. محمد الراشد

    جهد مشكور

  33. حامد الحازمي

    شئ جيد للغاية

  34. خدوج الاحمد

    جيد جدا بالتوفيق ان شاء الله

  35. مقال مميز

  36. موضي الفضلي

    جيد للغايه

  37. موضوع قيم جدا بالتوفيق

  38. موضوع يستحق القراءة

  39. جيد للغايه

  40. بارك الله فيك

  41. مي سيف الدين

    سلمت يداك

  42. مراد أمر مين

    جزاكم الله خيرا

  43. إكرام امر اني

    الشكر لهذه الصحيفه

  44. عبدالغني السبب كي

    ممتاز

  45. نور الدين الهلالي

    مقال يستحق القراءة

  46. مقال مهم جدا

  47. فعلا يوجد فجوة خطيرة بين الأجيال يجب دراستها

  48. حسان القطان

    دائما تسبح بمقالاتك خارج السرب فعلا

  49. مقال اكثر من رائع ومثير لاهتمام

  50. محمد ابراهيم

    من نجاح الي نجاح دايما

  51. بارك الله فيكي احسنتي قولا

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا