إسلام أبي الدرداء رضي الله عنه

أَبو الدَّردَاءِ (عُويمرُ بنُ مالكٍ الخزرجي)

«كان أبو الدرداء يدفعُ عنه الدنيا بالرَّاحتين والصدر» [عبد الرحمن بن عوف]

غادر أبو الدرداء منزلهُ متوجّهًا إلى متجره، فإذا شوارع المدينة وطرقاتها تضيق بأتباع رسول الله، وهم عائدون من غزوة بدر، وأمامهم أفواج الأسرى من قريش، فأعرض عنهم؛ لكنه سأل فتى من الخزرج كان معهم عن عبد الله بن رواحة، فقال لهُ الفتى الخزرجي: لقد أبلى في المعركة أكرم البلاء وعاد سالمًا غانمًا، وطمأنه عليه.

ولم يستغرب الفتى سؤال أبي الدرداء عن عبد الله بن رواحة؛ حيث كانت تربط بينهم أواصر أخوة؛ ذلك لأن أبا الدرداء وعبد الله بن رواحة كانا متآخين في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أسلم ابنُ رواحة، وأعرض عنه أبو الدرداء.
لكن ذلك لم يقطع ما بين الرَّجُلين من محبة؛ إذ ظل عبد الله ابنُ رواحة يزور أبا الدرداء، ويدعوه إلى الإسلام.

وصل أبو الدرداء إلى متجره، وجعل يبيع ويشتري، ويأمُرُ غلمانه وينهاهم، وفي ذلك الوقت كان عبد الله بن رواحة يمضي إلى بيت صاحبه أبي الدرداء، فلما بلغ البيت رأى بابه مفتوحًا وأبصر زوجة أبي الدرداء في فنائه، فقال: السلام عليكِ يا أمة الله.

فقالت: وعليك السلام يا أخا أبي الدرداء.

فقال: أين أبو الدرداء؟

فقالت: ذَهَب إلى متجره، ولا يلبث أن يعود.

فقال: أتأذنين؟

فقالت: على الرحب والسعة، وأفسحت له الطريق، ومضت إلى حجرتها، وانشغلت عنه ببيتها ورعاية أطفالها.

دخل عبد الله بنُ رواحة إلى الحجرة التي وضع فيها أبو الدرداء صنمه، وحطّم الصنم وهو يقول: ألا كلُّ ما يُدعى مع الله باطل.. ألا كلّ ما يُدعى مع الله باطل.

دخلت أُمُّ الدرداء إلى الحُجرة التي فيها الصنم، فصُعقت حين رأته ووجدت أشلاءهُ مُبعثرة على الأرض، وجعلت تضرب خديها وهي تقول: أهلكتني يا ابن رواحة، أهلكتني يا ابن رواحة.

ولم يمضِ غيرُ قليل حتى عاد أبو الدرداء إلى منزله؛ فرأى امرأته جالسةً عند باب الحُجرة التي فيها الصَّنم وهي تبكي وتنشج، وعلامات الخوف منه باديةً على وجهها، فقال: ما شأنُكِ؟

قالت: أخوك عبدُ الله بنُ رواحة جاءنا في غيبتك، وصنع بصنمك ما ترى.

فنظر إلى الصنم فوجده حُطامًا، فغضب، وهمَّ أن يثأر لهُ، لكن هدأ غضبه بعد قليل؛ ففكر فيما حدث، ثُمَّ قال: لو كان في هذا الصنم خيرٌ لدفع الأذى عن نفسه.

ثم انطلق إلى عبد الله بن رواحة، ومضيا معًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلن دُخُولَهُ في دين الله، فكان آخر أهل حيِّه إسلامًا.

آمن أبو الدرداء بالله ورسوله، وندم ندمًا كبيرًا على ما فاتهُ من خير، وأدرك ما سبقه إليه أصحابه من فقه لدين الله، وحفظ لكتاب الله، وعبادة وتقوى، فَعَزَم على أن يستدرك ما فاته بالجُهد، وأن يُواصل الليل بالنهار حتى يلحق بالركب ويتقدم عليه.

فانصرف إلى عبادة الله، وأقبل على العلم، وأقبل على كتاب الله يحفظ كلماته، ويتعمق فهم آياته. ولما رأى التجارة تُنغص عليه لذَّة العبادة، وتُفَوِّت عليه مجالس العلم تركها غير متردد ولا آسف.

وقد سأله في ذلك سائل فأجاب: لقد كنت تاجرًا قبل عهدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أسلمت أردت أن أجمع بين التجارة والعبادة فلم يستقم لي ما أردت، فتركت التجارة وأقبلت على العبادة.
والذي نفسُ أبي الدرداء بيده، ما أُحِبُّ أن يكون لي اليوم حانوتٌ على باب المسجد فلا تفوتني صلاةٌ مع الجماعة، ثُم أبيعُ وأشتري فأربح كل يوم ثلاثمائة دينار. ثم نظر إلى سائله وقال: إني لا أقول إن الله عز وجل حرَّم البيع، ولكني أُحب أن أكون من الذين لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله.

لم يترُك أبو الدرداء التجارة فحسبُ وإنما ترك الدنيا، وأعرض عن زينتها وزُخرُفها، واكتفى منها بلُقمةٍ تُقيم صُلبَهُ وثوبٍ يستر جسده.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا