المقاهي الأدبيّة في الجزائر(1).. بيت معمور أم مهجور

إن البحث العميق في ماضي المقاهي الأدبية حول العالم، انطلاقًا من أوروبا (لندن، باريس، أمستردام، روما) مرورًا بالعالم العربي (دمشق، مصر، العراق، لبنان، فلسطين، الأردن، …) وغيرهم من دول المشرق العربي، وصولاً إلى مغربنا الشاسع (تونس، ليبيا، الجزائر، …) الذي سعى جاهدًا هو الآخر وبنمط مغاير أن يؤسس مقاهٍ أدبية ذات معايير ترقى إلى مستوى (الأديب، والفنان، والشاعر، والموسيقي، والمفكر، والمؤرخ المغاربي) من خلال الخروج من ضيق القاعات وأنوارها الباهتة،  ونوافذها الضيّقة، إلى رحابة السّاحات وسطوع نورها، انتقالاً بالتّجربة الإنسانية ونزولاً بها، لتكون في متناول المهتمّ، والمتذوّق، وأصحاب الاختصاص.. يجعلنا كلّ هذا نكتشف حقيقة مغاربيّة مرّة، وهي فشلنا في استحداث هذا النّوع من الفضاءات غير المألوفة، التي يُمنع داخلها كلّ شيء، عدا النقاش الفكري المتفتّح والحضاري في المسائل الحياتيّة المتشعّبة والمتراكمة.

وللأسف الشّديد أكتب هذه الحقيقة بكل ثقة، وأنا أقلّب بصري بين أسطر وفقرات عديد المقالات التي كتبت في هذا الشأن، منذ مطلع القرن التاسع عشر والقرن العشرين في أوروبا، وهي تشمّ عبق عصر النهضة والتنوير، محاولاً عدم التّصديق،  فأجدني مرغمًا على ذلك، مادمت أعيش واقع هذه التجربة بنفسي مع نخبة المجتمع من مثقفين، وكتّاب، وأدباء، وشعراء، وفنانون، ومؤرّخون، وموسيقيّون.

هل وصلنا إلى مستوى التّفكير في مستقبل المقاهي الأدبية في الجزائر؟

إنّه وبالعودة إلى المراجع التي استقينا منها حقائق هذه الظاهرة الاجتماعية -المقاهي الأدبيّة- ومنها ما جاء به الكاتب/ شدري معمر علي، في مقاله المعنون بـ (المقاهي الأدبية في العالم أماكن للفكر والابداع) المنشور بمجلّة مسارب الإلكترونيّة، الذي جاء فيه: “إن هناك مقهيان ساهما في دعم الحركة الثقافية في الجزائر هما: مقهى الرمانة: الذي ارتاده مثقفون ومناضلون، منهم الكاتب محمد ديب، الذي أبدع إحدى روائعه القصصيّة من داخل فضائه سنة 1957 وتحمل نفس الاسم الرمّانة، ومقهى الجاحظيّة: في هذا المقهى اجتمع كثير من الكتّاب والمثقفين والفنّانين على مدى سنوات وكان حافلاً بالأنشطة الثقافية تحت إشراف عمّي طاهر وطار رحمه الله”.

إذا كان كلّ ما تمّ ذكره عن تاريخ المقاهي الأدبيّة في الجزائر، هو ما سلف التطرّق إليه، فأعترف لكم أنها كارثة حقيقيّة في تاريخ الجزائر الثقافي بكل المقاييس (ماضيه، وحاضره، ومستقبله)، التّاريخ الذي صنعته أنامل وعقول جزائرية صِرفة، نزفت أقلامها واحترقت أصابعها من أجل تخليد صورة مشرّفة للثقافة الحقيقيّة في الجزائر، التي تؤسّس لمجتمع واعٍ مدرك -تمام الإدراك- واجباته ومسؤوليته التّاريخيّة تجاه وطنه.

ما أريد أن أخلُص إليه في هذا المقال، هو أن مسألة التّفكير في مستقبل المقاهي الأدبية في بلادنا، أمر غير وارد في الوقت الرّاهن، مادمنا لم نوجد بعد لأنفسنا مقاهٍ أدبية ثقافية حقيقيّة، يلتقي فيها الأدباء والشعراء والفنانون، والباحثون، والمؤرّخون، والإعلاميّون، والمفكرون، والسّياسيّون وحتى الحرفيون، بوتيرة متواصلة ومنتظمة محدّدة المقاصد، معتمِدة على رزنامة زمنية مضبوطة لا يخالفها مؤسّسوا ذلك المقهى، الذي يستعيض به كلّ أولئك ممن ذكرنا عن الجلسات في المقاهي لأغراض لا تخدم الثقافة ومستقبلها، ولا تنهض بمستواها في شيء.

الكاتب الجزائري/ طارق ثابت

29 تعليق

  1. ن البحث العميق في ماضي المقاهي الأدبية حول العالم، انطلاقًا من أوروبا (لندن، باريس، أمستردام، روما) مرورًا بالعالم العربي (دمشق، مصر، العراق، لبنان، فلسطين

  2. لذي سعى جاهدًا هو الآخر وبنمط مغاير أن يؤسس مقاهٍ أدبية ذات معايير ترقى إلى مستوى (الأديب، والفنان، والشاعر، والموسيقي، والمفكر،

  3. ذا كان كلّ ما تمّ ذكره عن تاريخ المقاهي الأدبيّة في الجزائر، هو ما سلف التطرّق إليه، فأعترف لكم أنها كارثة حقيقيّة في تاريخ الجزائر الثقافي بكل المقاييس

  4. حسان القطان

    وأصحاب الاختصاص.. يجعلنا كلّ هذا نكتشف حقيقة مغاربيّة مرّة،

  5. هو أن مسألة التّفكير في مستقبل المقاهي الأدبية في بلادنا، أمر غير وارد في الوقت الرّاهن، مادمنا لم نوجد بعد لأنفسنا مقاهٍ أدبية ثقافية حقيقيّة،

  6. والسّياسيّون وحتى الحرفيون، بوتيرة متواصلة ومنتظمة محدّدة المقاصد، معتمِدة على رزنامة زمنية مضبوطة لا يخالفها مؤسّسوا ذلك المقهى

  7. محمد ابراهيم

    لذي يستعيض به كلّ أولئك ممن ذكرنا عن الجلسات في المقاهي لأغراض لا تخدم الثقافة ومستقبلها، ولا تنهض بمستواها في شيء.

  8. جواهر الشمري

    سلمت يداك أستاذنا

  9. فايزة الشهراني

    المشكلة لا تكمن فقط في المقاهي ولكن في مستوى الثقافة الذي أصبح يتلقاه أبناء هذا الجيل

  10. ذهبة الداود

    رائع

  11. بدرية العبدالله

    بارك الله فيكم أستاذنا

  12. جميل

  13. أحسنت

  14. هل وصلنا إلى مستوى التّفكير في مستقبل المقاهي الأدبية في الجزائر؟

  15. حمد الغوينم

    ماشاء الله

  16. منصور الصالحي

    احسنت

  17. زهره البلسيان

    المقاهي الأدبية اصبحت معدومه الان في الوطن العربي

  18. منصور الصالحي

    بوركت

  19. مسفر البجادي

    بالتوفيق استاذي

  20. سعيد علي عسيري

    جهد مشكور

  21. نائله الشهري

    شئ جيد للغايه

  22. نوفاالشمري

    المقاهي الان اصبحت للعب وليست لالقاء الشعر والافكار والادب

  23. عبدالرحمان الاشعاري

    فكرة المقاهي الأدبية فكرة ذات أهمية قصوى لمجموعة من الاعتبارات، أقلها أن المقاهي ازداد عددها بشكل ملفت في كل البلاد العربية، وخاصة في الدول التي تعتمد على جانب في اقتصادها على السياحة، فضلا عن أن هذه المقاهي تتوافد عليها فئة من المواطنين تنتمي للطبقة المتوسطة، أي الطبقة النشيطة، وأغلبهم من موظفين سواء القطاع العام أو الخاص.. أشكرك الشكر الجزيل

  24. هدى المسعود

    بارك الله فيكم أستاذنا

  25. مقال مميز

  26. طلال العطا الله

    رائع

  27. صالح اليوسف

    بارك الله في بوحك

  28. أحسنت أستاذ طارق

  29. شريف إبراهيم

    بارك الله فيكم

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا