نور الحضارات

لرمضان ذكريات ، نادراً ما يقع للخاطر فيها ألم وترحة ، وكثيراً ما يُذرف في الوجوه فرحة ، فرمضان عروس في النفوس لم تره العيون كمرءٍ نحيّيه ونصافحه ، لكنه في مكامن القلوب مدرسة نستقي منه تربيته وتسامحه ، رمضان إن قصدته عيادة طبّ فهو الناصح للبطنة وعواقبها ، وإن أردته صرح أخلاق فهو المهذّب للنفس ودوافعها ، وإن استفزعته حاضناً للألفة بعد شتات الأمّة وجدته الأب الذي لا يفرّق بين أبنائه ، فما معنى أن يُسغَب جوف الغني كما سُغب جوف الفقير ، وأن يشعر المالك بافتقاره كما شعر به المملوك ، وإن رغبت برمضان الكرم فهو الجامع لأنواع الفضل الإلهي والجود البشري ، الفضل الإلهي بالقرآن وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، فضلاً على نزول جميع الكتب السماوية في هذا الشهر الفضيل ، أمّا الجود البشري فلا يخفى على أحد عميم فعل الخير الذي يصنعه في روح المسلمين ، حتى إنك لو كنت في المسجد الحرام أو المسجد النبوي مثلاً وجدت من يمسح جبينك المتعرّق بمناديل طاهرة بالأجر والثواب غير مستقلّة ولا مُقلّة في سعيها ، كما ستجد من يثير على جسدك المعتمر رذاذاً من الماء من البارد علّ ﷲ ينظر إليك وإليه بعين المغفرة ، قال ﷺ : ( أُنزلتْ صحفُ إبراهيمَ أولَ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ ، و أُنزلتِ التوراةُ لستٍّ مضتْ من رمضانَ ، و أُنزل الإنجيلُ بثلاثِ عشرةَ مضتْ من رمضانَ ، و أُنزِلَ الزبورُ لثمانِ عشرةَ خلَتْ من رمضانَ ، وأُنزلَ القرآنُ لأربعٍ وعشرينَ خلتْ من رمضانَ ) حسنه الألباني.

صنائع معروف لا ترتوي منها النفس المؤمنة ، ومغانم برٍّ لا تشبع منها الروح الموقنة ، ومواسم فضلٍ لا يبرح منها الساعي لرتبة الميمنة ، والهلع أن تمضي بلا زادٍ يُوفّقها للمرحمة ، فطوبى لمن تقرّب وارتقب ، وسعدى لمن تحفّز واحتسب ، فقد أفلح من زكّاها ، وفي الخير زجّها فأرساها ، وعن الشرّ قبض بساطها فنهاها ، فأقول :
فاز الذين إلى الخــيراتِ اســتبــقوا
… فخيلهم في مغـانـي الربح ترتكضُ
لله قد صبــروا ، للصبرِ قد نُسِـــــبُوا
… وللسعادة في الأخرى ؛ لَكَمْ نهضوا

وقوافل الصائمين مع الذكرى لم تكن لتنسى ذلك النور الذي تتدفّق على جبل أصمّ ، جبلٍ تشرّف بوطئ أعظم قدم ، فتبارك وجه الأرض في ممشاه ، حين نزلت عليه ﷺ أوّل آية ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ فكان نوره قبساً يزعزع كهوف الظلماء في صدور البشر ، ورحمةً لهم تهدّد عروش الطغيان في عرين البطر ، وما كان للعرب من مجدٍ وفخر إلّا حينما تسرّب شعاع الحقّ من خلفه ، فصدع بأرجاء مكّة لتخضع الروم راغمةً ، وتهلك الفرس غارمةً ، ولعلّ من قلّب صفحات التأريخ ، وقرأ الواقع اليوم أدرك بحقّ صدق مقولة عمر رضي ﷲ عنه ( نحن قومٌ أعزَّنا اللهُ بالإسلام مهما ابتغينا العزةَ بغيره أذلَّنَا الله ).

﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴿١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿٢﴾ ﴾ فبين إشراقة شمس القرآن في غار حراء وبين زماننا هذا ١٤٥٣ سنة ، أخذ هذا الإشراق يرسم العزة ، ويبني الحضارة ، ويدعو للحرية ، ويُشيّد للإنسان كياناً يقوم على عبودية خالقه ، لا عبودية غيره ﷻ ، فكان حال العرب وبقيّة الأمم وقتها كما قال شوقي رحمه الله مع مجيء النبي الكريم ﷺ :
أتيت والناس فوضى لا تمرّ بهم
… إلا على صنمٍ قـد هــام في صـنمِ
والأرض مملوءةٌ جوراً مسخــرةٌ
… لكلّ طاغيةِ في الخــلق محــتكْـمِ
مسيطر الفرس يبغي في رعيتهِ
… وقيصر الروم من كِبْرٍ أصــمُّ عــمِ
يعذّبان عبــاد الله فـي شُــبــهٍ
… ويذبحـان كما ضحّيــت بالــغنمِ
والخلقُ يفتكُ أقواهم بأضعفهم
… كالليث بالبهمِ أو كالحوتِ بالبلمِ

فيا أخوة العرب لن يجمعكم شيء مثل الإسلام ، ولن يفرّقكم شيء مثل الإسلام إذا أنتم خالفتم أمره ، فالمجد لكم به ، ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ ، فهذا حظّ العرب من الحياة الدنيا ، فلا حضارة ولا قوّة ولا سعادة ولا سلطة لهم إلّا بهدي القرآن والسنة الشريفة ، وعبر التأريخ ما كان للعرب سطوة إلّا بالدين لأنّه الحقّ المبين ، فهم أهله ، وهم تبيان لغة كتابه الذي ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾.

حضارة القرآن الذي أنزل بأفصح لسان في خير زمان وأطهر مكان ، كانت لها الفضل في اصطفاف ألوان البشرية نحو قبلة واحدة ، وفي اجتماع الألسن على لغة واحدة ، وفي تحرّي ليلة واحدة وبروح واحدة تترقّب المغفرة والعتق من النار في ليلة هي خير من ألف شهر ، حضارة القرآن جعلت مال الغني يُودَع في جراب الفقير ، في زمنٍ أبت الاشتراكية إلا أن تشاركه ، واليوم أبت الرأس مالية إلّا أن تستأثر عليه ، حضارة القرآن صنعت من ضعف العرب هيبة أرعبت القردة والخنازير في قلاعهم ، والمجوس بين لهيب نيرانهم ، حضارة القرآن بلغت الآفاق أشارت لآيات الكون وأمارات العلم قبل مئات السنين ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ حضارة القرآن جعلت المنصفين من الغرب يشهدون بفضله ، تقول الباحثة الأمريكية ديبورا بوتر – نقلاً عن كتاب إنسانية الإسلام – دون انحياز علمي وبمهنية حيادية : « كيف استطاع محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الرجل الأميّ الذي نشأ في بيئة جاهلية أن يعرف معجزات الكون التي وصفها القرآن الكريم ، والتي لا يزال العلم الحديث حتى يومنا هذا يسعى لاكتشافها ؟! لا بد إذن أن يكون هذا الكلام هو كلام الله عز وجل ».

– فاصلة منقوطة ؛

– ﴿ وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾
– ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾
– ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

———————————————

إبراهيم الوابل – أبو سليمان
‏ibrahim7370@
الاثنين – الموافق
٢٢ – ٩ – ١٤٤٠هـ
٢٧ – ٥ – ٢٠١٩م

25 تعليق

  1. جواهر الشمري

    رائع جدًّا

  2. فايزة الشهراني

    الله الله على الإبداع!

  3. ذهبة الداود

    رمضان إن قصدته عيادة طبّ فهو الناصح للبطنة وعواقبها ، وإن أردته صرح أخلاق فهو المهذّب للنفس ودوافعها ، وإن استفزعته حاضناً للألفة بعد شتات الأمّة وجدته الأب الذي لا يفرّق بين أبنائه..

  4. بدرية العبدالله

    بارك الله فيك

  5. سلمت يداك أستاذنا

  6. بوركت

  7. هدى المسعود

    فاز الذين إلى الخــيراتِ اســتبــقوا
    فخيلهم في مغـانـي الربح ترتكضُ

  8. مجهود مبارك

  9. طلال العطا الله

    جميل جدا

  10. صالح اليوسف

    أبدعت أستاذنا

  11. بارك الله فيكم

  12. ابن المملكة

    شئ جيد للغاية

  13. محمد الراشد

    الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق ان شاء الله

  14. حامد الحازمي

    جزاكم الله خيرا

  15. مقال في وقته أبدعت في الاختيار والتوقيت بارك الله فيكم وجعله في موازين حسناتكم

  16. وكثيراً ما يُذرف في الوجوه فرحة ، فرمضان عروس في النفوس لم تره العيون كمرءٍ نحيّيه ونصافحه

  17. حضارة القرآن الذي أنزل بأفصح لسان في خير زمان وأطهر مكان ، كانت لها الفضل في اصطفاف ألوان البشرية نحو قبلة واحدة

  18. وفي تحرّي ليلة واحدة وبروح واحدة تترقّب المغفرة والعتق من النار في ليلة هي خير من ألف شهر

  19. حسان القطان

    واليوم أبت الرأس مالية إلّا أن تستأثر عليه ، حضارة القرآن صنعت من ضعف العرب هيبة أرعبت القردة والخنازير في قلاعهم

  20. المجوس بين لهيب نيرانهم ، حضارة القرآن بلغت الآفاق أشارت لآيات الكون وأمارات العلم قبل مئات السنين

  21. محمد ابراهيم

    صنائع معروف لا ترتوي منها النفس المؤمنة ، ومغانم برٍّ لا تشبع منها الروح الموقنة ، ومواسم فضلٍ لا يبرح منها الساعي لرتبة الميمنة

  22. خدوج الاحمد

    سلمت يداك بالتوفيق ان شاء الله

  23. عبدالرحمان الأشعاري

    “يا أخوة العرب لن يجمعكم شيء مثل الإسلام ، ولن يفرّقكم شيء مثل الإسلام إذا أنتم خالفتم أمره ، فالمجد لكم به”، أتمنى أن تكون هذه الرسالة قد وصلت الجميع، بارك الله فيك يا أبا سليمان، عبارات مرصوصة، وألفاظ منتقاة ولغة جيدة ورائعة، وكأني بك أموي أو عباسي تأخر به الزمان.. ينصرك

  24. مقال مميز

  25. موضي الفضلي

    جيد جدا

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا