غزوة بدر

في إحدى جلسات الوالدين مع صغارهما قبيل أذان المغرب، سألت دعاء عن غزوات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي وقعت في رمضان.

هتون / فاطمة الزهراء علاء

الأب: سؤال جيد يا دعاء، أولى غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثت في السابع عشر من رمضان للعام الثاني من الهجرة، وكان يوم جمعة.

فارس بهدوء: غزوة بدر أليس كذلك يا أبي؟

الأب: أحسنت يا فارس، إنها هي. كما فتح المسلمون بقيادة خير خلق الله مكة في العشرين من شهر رمضان في العام الثامن للهجرة يا أبنائي.

محمد: هل غزوة بدر يا أبي هي التي أراد المسلمون فيها أن يستعيدوا أموالهم من كفار قريش الذين قد سلبوا أموالهم في مكة قبل خروجهم للمدينة.

الأم: نعم يا محمد، كانت هذه هي البداية.
فلمّا سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- برجوع قافلة قريشٍ من الشام وكانوا قد خرجوا للتجارة بقيادة أبي سفيان، طلب من أصحابه أن يخرجوا لملاقاتهم في الطريق، عسى أن يستردوا شيئًا من أموالهم التي استولت عليها قريش، وبالفعل خرج رسول الله مع عدد من صحابته.

الأب: ولكن أبا سفيان قد علم بأن المسلمين سيعترضون طريق قافلتهم، فاستأجر رجلاً يُدعى ضمضم بن عمرو الغفاري، ليذهب مُسرعًا إلى مكة، يُخبر قريش حتى يخرجوا للدفاع عن أموالهم، ففعل ضمضم ذلك.
وما إن وصل خبر خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والصحابة رضي الله عنهم، للاستيلاء على القافلة إلى كفار قريش، حتى بدأوا يعدّون العدّة لحرب المسلمين، ثمّ خرج من مكة جيشٌ قِوامه ألفٌ وثلاثمئة مقاتلٍ، ومئة فارسٍ، وستون درعًا، وفي تلك الأثناء استطاع أبو سفيان أن يُفلت بالقافلة، وأرسل إلى القرشيين أن ارجعوا فقد نجت أموالكم.

حنان: وهل عادوا حقًّا؟

الأم: لا يا ابنتي، أصرّ أبو جهلٍ على قتال المسلمين، قائلًا: والله لا نرجع حتى تسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا بعد ذلك اليوم أبدًا. فأطاعته قريش.

دعاء: وهل علم رسول الله بتجهيز جيش قريش؟

الأب: نعم يا دعاء، وصلت الأخبار إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فعقد مجلسًا لاستشارة أصحابه -رضي الله عنهم- في خوض تلك المعركة، فتكلّم أبو بكرٍ، وعمر -رضوان الله عليهما-، وقال المقداد: يا رسول الله والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن امضِ ونحن معك، فأشرق وجهه -صلى الله عليه وسلم- وسره ما سمع من المقداد.

فارس: وماذا فعل النبي بعد ذلك، هل خرج للقتال؟

الأم: لا يا فارس، من أجابوا رسول الله كانوا من المهاجرين، فأعاد النبي طلب المشورة قائلًا: (أشيروا عليَّ أيها الناسُ)، فعلم سعد بن معاذ -رضي الله عنه- أنّ رسول الله يريد رأي الأنصار، فقال سعد: (لكأنَّكَ تريدنا يا رسولَ اللهِ؟)، قال: (أجل)، فقال سعد: (فقد آمنَّا بك، وصدَّقناكَ، وشهدنا أنَّ ما جئتَ بهِ هوَ الحقُّ، وأعطيناكَ على ذلك عهودنا، ومواثيقنا على السمعِ والطاعةِ لكَ، فامضِ يا رسولَ اللهِ لما أردتَ فنحنُ معك، فو الذي بعثكَ بالحقِّ لو استعرضتَ بنا البحرَ فخضْتَه لخُضْنَاهُ معكَ، ما تخلَّفَ منا رجلٌ واحدٌ وما نكرَهُ أن تَلْقى بنا عدوَّنا غدًا إنَّا لصبرٌ في الحربِ صدقٌ عندَ اللقاءِ، لعل اللهَ يُرِيَكَ منا ما تقَرُّ بهِ عينُك، فسِرْ على بركةِ اللهِ)، فسُرّ رسول الله بما سمع، وقال: (سيروا وأبشروا فإنَّ اللهَ قد وعدني إحدى الطائفتينِ).

محمد وحنان في نفس واحد: الله! ما أصدقها وأعذبها من كلمات. إنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه حقًّا.

الأب: صحيح يا أبنائي، رضي الله عنهم أجميعن وأرضاهم.

دعاء تحاول أن تفهم: ولكن ما هما الطائفتان التي وعد الله بهما رسوله -صلى الله عليه- وسلم يا أبي؟

الأب: النصر أو الشهادة يا دعاء!

دعاء: إذن، هل انتصر المسلمون أم استشهدوا؟

الأم: اصبري قليلًا يا دعاء وستعرفين.
توجّه المسلمون نحو أرض بدرٍ، ولمّا وصلوا أشار الحباب بن المنذر -رضي الله عنه- بالاقتراب من مصدر المياه، ليمنع المشركين من الوصول إلى الماء، ففعلوا، ثمّ بدأ الجيشان بالتجهّز للمعركة، وجاءت ساعة اللقاء، وكانت البداية بمبارزة بين ثلاثة فرسانٍ من قريش، وهم: عتبة، وأخوه شيبة، وابنه الوليد، فخرج لهم ثلاثةٌ من الأنصار، فرفضوا قتالهم، وطلبوا ثلاثةً من المهاجرين، فأمر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- عمّه حمزة بن عبد المطلب، وابنا عمه علي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، بالخروج للقتال، فهزم المسلمون الكفار، وأجهزوا عليهم.

محمد: وهل تحقق النصر بهذه المبارزة فقط يا أبي؟

الأب: لا يا محمد، لقد غضب المشركون لقتل فرسانهم، وهاجموا المسلمين، فقال النبي لأصحابه: “قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض” فقال عمير بن الحمام: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال نعم فقال: بخ بخ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما حملك على قولك بخ بخ”؟ قال: رجاء أن أكون من أهلها، فقال “فأنت من أهلها”.
واشتدت المعركة، وانتشر الغبار، وتعالت الصيحات، وتطايرت الأشلاء.

الأم: وفي تلك الأثناء أغفى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم أفاق مبتسمًا وهو يقول: “يا أبا بكر أبشر بنصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه عليه آلة الحرب”، فخرج وهو يقول: “سَيُهَزمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ”، ثم أخذ كفًا من حصا فرماه في وجوه القوم وهو يقول: “شاهت الوجوه” فلم تبق عين من عيون القوم إلا ودخلها من ذلك الحصى وتقدم المسلمون يقتلون المشركين والملائكة تقاتل معهم حتى كان النصر المبين للمسلمين، حيث قُتل سبعون من قادة قريش وكان من بينهم أبو جهل، وأُسر سبعون آخرون.

فارس: وهل مات أحد من المسلمين يا أمي؟

الأم: نعم يا فارس، استُشهد من المسلمين في غزوة بدر أربعة عشر صحابيًّا، وهم: عبيدة بن الحارث بن المطلب، وعمير بن أبي وقاص، وذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة، وعاقل بن البكير، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، وصفوان بن بيضاء، وسعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر، ويزيد بن الحارث، وعمير بن الحُمام، ورافع بن المعلَّى، وحارثة بن سراقة بن الحارث، وعوف ومُعوِّذ ابنا الحارث بن رفاعة.

ابتسمت حنان، وقالت: إذن فشهر رمضان هو شهر نصر وعزة للمسلمين.

فأمن الجميع على كلامها.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا