عندما نكبر.. !!!

في الصغر كان العالم من حولنا يبدو واسعًا رحبًا لا تستطيع عقولنا الغضة أن ترسم له حدودًا واضحة.. كانت الأماكن تبدو أكبر وأكثر اتساعًا، والمسافات أبعد، والبنايات عالية، وكأننا اقزام نعيش في عالم العمالقة.

بعض الأماكن ظلت عالقة في الذاكرة بما تحتويه من مبانٍ وجدران بكل تفاصيلها، فهذا فناء المدرسة الكبير الذى كنا نلعب ونتريض فيه، وهو الذي كنا نقف فيه بكل نظام واحترام لتحية العلم.

وتلك الحديقة الواسعة التى استمتعنا فيها بروعة الطبيعة والأرض الخضراء والهواء النقى، وهذه المباني العملاقة التي أبهرتنا بتعدد طوابقها، وكثرة نوافذها، ومداخلها الكبيرة … وغيرها من الأماكن التي تركت بداخلنا ذكريات جميلة لا تُنسى.

وحينما تقدمنا في العمر قليلاً اكتشفنا أن كل الأماكن التي رأيناها سابقًا لم تعد تلك التي كانت عالقة في الأذهان منذ الصغر، فلم يعد فناء نفس المدرسة بنفس الحجم والسعة، ولم تعد نفس المباني بنفس الارتفاع الذي أبهرنا سابقًا، حتى الشوارع اختلفت مساحاتها فلم تعد كما كانت.

والحقيقة أنه لم يكن التغيير في الأماكن، ولكن نحن من أصابنا التغيير؛ فقد تغيرت نظرتنا للأشياء من حولنا، وأصبحنا  نرى العالم بعقول أكثر نضجًا.

في صغرنا كان التقدم في العمر يبدو لنا أمرًا غريبًا، وكيف لا! وكان العام الواحد بالنسبة لنا يمثل عمرًا بأكمله، فالأيام كانت تمر ببطء، وكذلك السنوات، ربما لأننا كنا نمتلك الوقت، وكان لدينا متسع منه للقيام بالكثير من الأعمال والمهارات التي تشعرنا بالسعادة، فلم نكن نعي معنى اليوم، أو غدًا، ولم نحسب يومًا ماذا ينتظرنا في المستقبل.

لذا، كنا ننظر لمن هم في عامهم الثلاثين مثلاً على أنهم كبار  في السن؛ لأننا لا ندرك كيف تكون علامات التقدم في العمر، ومن يمكننا أن نطلق عليهم (كبار السن): لكننا عندما كبرنا اكتشفنا أن تلك المرحلة العمرية التي تلي مرحلة الطفولة هي بداية حقيقية لممارسة الحياة والاستمتاع بنعمها وليست النهاية.

تلك المرحلة هي مرحلة الشباب، والتي تعتبر من أهم المراحل التي يمر بها الإنسان؛ حيث تصل القوة، والنشاط، والحيوية، والذكاء، إلى ذروتها، وفيها تتبلور شخصية الفرد.

والشباب في هذه المرحلة نجده عاشقًا للحياة مستمتعًا بملذاتها.. أحلامه لا حدود لها، مغرورً، متباهيًا بشبابه وصحته وقوته.. يسعى دائمًا لتوسيع دائرة معارفه وأصدقائه، ويجد في ذلك متعة كبيرة حتى لو كانت مصدرًا للقلق والإزعاج، لكنه مندفع في مشاعره وعواطفه، وردود أفعاله تجاه الآخرين، يقع في الأخطاء كثيرًا، ولا يتعلم منها؛ فيكررها ويكررها، متعصبًا لرأيه، مجادلاً، لا يقبل النصيحة.

ولكن حينما يتقدم بنا العمر لما بعد سن الأربعين تصبح كل تلك الأشياء غير ذات أهمية، فنصبح أكثر مرونة في التعامل مع الأشياء، متجنبين الجدال والانتقاد والعلاقات المؤذية.. يقل الأصدقاء لدينا، ويكثر المعارف، ونزداد تسامحًا ونواجه الانتقادات بابتسامة… لا عنف، ولا تعصب، بل هدوء وسكينة، نتعلم كيفية مصاحبة الصمت، والبعد عن ضجيج معارك هرولة تروس الحياة، وغبار الأقدام اللاهثة.

ونميل إلى الوحدة أحيانًا؛ لأننا نكتشف أن السعادة والمتعة والأنس آت من صحبتنا لذواتنا، من العيش بالفهم الحقيقي للذات، وبالتراضي والسلام معها، والتخلي عن شحنات العنف والغضب وعدم الرضا عنها، ومحاولات تغييرها وتطويعها بحسب رغباتنا لتجاري أحداث متطلبات الزمن من حولها.

عندما نكبر نتغير، ليس فقط في المظهر الخارجى الذي نراه في المرايا، لكن يتغير فينا كل شيء، فهمنا للحياة وإدراكنا ونظرتنا لأمورها.

لسنا بحاجة إلى إيجاد السعادة من خارجنا، لأنها موجودة في دواخلنا، فقط تحتاج إلى هدوء وسكينة، وهو ما كان يحصل مع آبائنا، حيث كانت سعادتهم تتأتى من أبسط الأمور، جمعتنا وصحبتنا لهم مع وجبة هنية كانت تمثل قمة الهناءة والسعادة.

عندما نكبر.. نعود إلى بهجة البراءة الأولى، براءة الأطفال الغضة التي ترى المتعة في أصغر المعطيات من حولها وأبسطها، ضحكة حفيد، تفتح ورد الحديقة، صباح يعبق برائحة المطر، رئة تراب تنفث عبقها، وقلب الكبير الساكن في عزلة وحدته، يبتسم ويضحك، والذي يُعيد تكرار بث أدواره وأطواره في نسخته المتكررة.

حينما نكبر .. يختلف ترتيب مطالبنا .. فيتأخر الحب ويتقدم الأمان، إذن فنحن نحتاج الدفء والانتماء، أكثر من حاجتنا إلى ثورة المشاعر والأحلام.

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

بقلم الأديبة العربية/ جيهان السنباطي

36 تعليق

  1. مقال متميز وفعلا كلام صحيح الصغر له شأن يختلف عن الكبر بالمفاهيم .. جميل جدًا سعدت بالاطلاع عليه

  2. عبدالرحمان الأشعاري

    عبارات ممتعة معبرة ودالة.. وتناول جيد للموضوع.. تسلمي

  3. عندما نكبر نتمنى يعود بنا الزمن الى الوراء ياااااااه ما اجمل الطفولة

  4. م.خالد عبد الرحمن

    ما أروعه من تعبير ، يتكلم بدفء وحناااان حينما نكبر .. يختلف ترتيب مطالبنا .. فيتأخر الحب ويتقدم الأمان، إذن فنحن نحتاج الدفء والانتماء، أكثر من حاجتنا إلى ثورة المشاعر والأحلام.

  5. بعض الأماكن ظلت عالقة في الذاكرة بما تحتويه من مبانٍ وجدران بكل تفاصيلها،

  6. حينما نكبر .. يختلف ترتيب مطالبنا .. فيتأخر الحب ويتقدم الأمان، إذن فنحن نحتاج الدفء والانتماء، أكثر من حاجتنا إلى ثورة المشاعر والأحلام.

  7. ولكن حينما يتقدم بنا العمر لما بعد سن الأربعين تصبح كل تلك الأشياء غير ذات أهمية، فنصبح أكثر مرونة في التعامل مع الأشياء،

  8. حسان القطان

    ونميل إلى الوحدة أحيانًا؛ لأننا نكتشف أن السعادة والمتعة والأنس آت من صحبتنا لذواتنا، من العيش بالفهم الحقيقي للذات، وبالتراضي والسلام معها

  9. ندما نكبر.. نعود إلى بهجة البراءة الأولى، براءة الأطفال الغضة التي ترى المتعة في أصغر المعطيات من حولها وأبسطها، ضحكة حفيد،

  10. محمد ابراهيم

    رئة تراب تنفث عبقها، وقلب الكبير الساكن في عزلة وحدته، يبتسم ويضحك، والذي يُعيد تكرار بث أدواره وأطواره في نسخته المتكررة.

  11. وحينما تقدمنا في العمر قليلاً اكتشفنا أن كل الأماكن التي رأيناها سابقًا لم تعد تلك التي كانت عالقة في الأذهان منذ الصغر

  12. منصور الصالحي

    عندما يكبر الانسان يتمني ان تعود به الي الطفوله مره اخري

  13. حمد الغوينم

    يالها من مقاله ممتعه

  14. سعيد علي عسيري

    ولكن حينما يتقدم بنا العمر لما بعد سن الأربعين تصبح كل تلك الأشياء غير ذات أهمية، فنصبح أكثر مرونة في التعامل مع الأشياء،

  15. مسفر البجادي

    حينما نكبر .. يختلف ترتيب مطالبنا .. فيتأخر الحب ويتقدم الأمان، إذن فنحن نحتاج الدفء والانتماء

  16. ابن المملكة

    شئ جيد للغاية

  17. محمد الراشد

    مقال مميز

  18. حامد الحازمي

    سلمت يداك بالتوفيق ان شاء الله

  19. بوركت

  20. جواهر الشمري

    بعض الأماكن ظلت عالقة في الذاكرة بما تحتويه من مبانٍ وجدران بكل تفاصيلها!!

  21. فايزة الشهراني

    عندما نكبر لا يعود شيء في حياتنا كما كان!!

  22. سلمت يداكِ

  23. بدرية العبدالله

    ممتاز

  24. أكثر من رائع

  25. خدوج الاحمد

    جهد مشكور

  26. مبدعون كالعاده بالتوفيق ان شاء الله

  27. الشايب يتمنى الشباب والشباب يتمنى الصبى والصبي يتمنى الطفولة ولكن العيب فينا وليس في المرحلة اللى بنعشها بنشغل بالنا ديما بالماضي عشان كدة مش بنعرف نعيش الحاضر

  28. إنـجاز أكثر رائــــــع

  29. موضوع مميز وجميل

  30. بارك الله فيكم وفي مجهودكم

  31. وكأننا أقزام نحيا في عالم العمالقة!!

  32. وحينما تقدمنا في العمر قليلاً اكتشفنا أن كل الأماكن التي رأيناها سابقًا لم تعد تلك التي كانت عالقة في الأذهان منذ الصغر

  33. طلال العطا الله

    والحقيقة أنه لم يكن التغيير في الأماكن، ولكن نحن من أصابنا التغيير؛ فقد تغيرت نظرتنا للأشياء من حولنا، وأصبحنا نرى العالم بعقول أكثر نضجًا.
    فهل يكون النضج عذابا؟!

  34. الله الله على الإبداع

  35. رائع جدا

  36. شريف إبراهيم

    سلمت يداكِ أستاذة جيهان

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا