بلاغة الجبل

لا يكاد أحد منا يمرّ بجبلٍ فيُلقي نظرة عليه إلاّ ويقف متعجّباً من ذروة قمّته ، وشموخ قنّته ، ورصانة مبانيه ، ورصافة مراقية ، وازدحام مناكبه ، وانحدار سواكبه ، وعُسر طلوعه ، ويُسر ربوعه ، وثبات أسّه ، ووقار حسّه ، وتغيُّر ألوانه ، وتجذُّر أركانه ، فقد تتفجّر منه الأنهار بين قساوة ، وقد تسقيه الأمطار إثر حفاوة ، وقد تغازله النجوم رغم جفاوة ، وقوفه أمام البحر جمال ، وهيئته مع السحب خيال ، ودنوّه من السماء جلال ، يضع خارطة المدينة بين يديك إن صعدته ، ويصف لك مواكب السفن إن ركبته ، وقد يحذّر مِن اقتراب عدوّ في عُدْوَة ، ويقرأ لك أسرار الكون في خلوة ، وقد يسد لفحة الريح عن الورى ، ويردّ نفحة البرد عن القُرى ، ولا يضرّ الجبل وطء قدم ، ولا خطو نعل ، ومن تهيّبه صعوداً ، رضي لطموحه قعوداً ، قال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي :

ومن يتهيّبْ صعود الجبالِ

    يـعشْ أبـد الدهرِ بين الحفرْ

والجبل إن تجاوزه الحد وبلغ السفوح أصبح مثل جبل كنعان بن نوح ؛ سيدفنه الماء الغامر ويُغيّب الأثر كما يدفن الحصاةَ التراب والمدر ، ( قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ) ولو نزل عليه العظيم لخشع وتصدّع ( لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) وقد حلّ به الكريم الأمين فاهتزّ ورجف ( اثْبُتْ أُحُدُ فَما عَلَيْكَ إلَّا نَبِيٌّ ، أوْ صِدِّيقٌ ، أوْ شَهِيدَانِ ).

والناس تختلف في طباعها فمنها الكريم بأخلاقه والكريم بماله والكريم بكفّ أذاه ، ومنها الشجاع بقلبه والشجاع ببدنه والشجاع بمشاعره ، كما منها العادل والصبور ، والجاحد والشكور ، والصادق والحنّان ، والكاذب والمنّان ، ومنها الثقيل والحليم ، والبخيل والحكيم ، ولا أكاد أجد أحداً يشابه الجبل في أخلاقه كمن لزم الصمت ، فطوبى لمن أخذه بحقّه والتزم ، وسعدى لمن أصغى إليه واحتكم ، ولئن كان الصمت حكمةً تنبثق من نور العقل ، فبدنه الصبر ، ورأسه الحلم ، فانظر هل تجد للعقل مكاناً وللصبر كياناً وللصمت بياناً إذا فُصلت الهامة عن جسدها ؟! ، فالصمت بعض من عقل الحليم ، كما هو فيض من روح الصبور. قال الشاعر أسامة بن منقذ في طباع الصابر :

والناسُ من لم يصطبرْ لمصابهِ

   صبرَ الرَّضا صَبَرَ اصطبارَ الراغمِ

وقال الشاعر العباسي صالح عبدالقدوس :

أطل الصمت فإنّ الصمت حلمٌ

   وإذا قــمت ، فالبـحـــقّ فـــقــمْ

وخير قدوة لنا ﷺ كان له من الصمت سمات ومن وعظه فيه كلمات ، فعن سماك بن حرب ، قال: “قلت لجابر بن سمرة رضي الله عنه : أكنت تجالس النبي ﷺ قال: نعم كان طويل الصمت، قليل الضحك ، وكان أصحابه ربما تناشدوا عنده الشعر والشيء من أمورهم، فيضحكون ، وربما يتبسم” صححه الألباني ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت …. » رواه البخاري ، وتكلّم أربعة من حكماء الملوك بأربع كلمات كأنها رمية عن قوس ؛ فقال ملك الروم : أفضل علم العلماء السكوت. وقال ملك الفرس: إذا تكلّمت بالكلمة ملكتني ولم أملكها. وقال ملك الهند : أنا على ردِّ ما لم أقل أقدر مني على ردِّ ما قلت. وقال ملك الصين: ندمت على الكلام ، ولم أندم على السكوت”. وأقول :

لسانُ الفتى يروي حديثاً لعقلهِ

    وللصمت أحـياناً حـديثٌ يـروّعُ

فخيرُ سكـوتٍ في المـقامِ بليـغهُ

   وخيـرُ خطابٍ في الأنام التـورّعُ

الصمت في موضعه أنفع ، وعند الفتنة أدفع ، وعند الجدل أرفع ، وعن الحقّ شيطان ، وعن الظلم بهتان ، فحينها يصبح كجبل كنعان ، لا ينقذ من غرق ، ولا يسعف من شَرَق ، والقلوب التقية النقية الورعة صامتة إذا أرهفت أذنها لخطاب الحقّ ، تكاد تتصدّع من الوجل والخشية لولا صفة اللين ( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) فتطلق لسانها في ذكر وعلم وما ينفعها وينفع غيرها في جواب لمستفَّهم وإرشاد لمتعلَّم ، والصمت سلامة ما احترز من الشرّ ، ويكاد يكون ملامة ما انقبض عن الخير ، كما هو تأديب لكبوة عاقل ، ففي قصة الثلاثة الذين خلّفوا برهان ، وهو تحقير لإساءة جاهل ، فالتغافل عن المسيء للنفس إحسان ، وأجمل موسيقا الصمت أن تجعله نظرة تعانق أهدابها ابتسامة ، فهي إمّا لمبغضك غيظٌ وامتعاض ، أو لمحبّك فرحٌ وارتياح ، والتبسّم رسالة موجزة تختصر ألوف المقالات ، وتغني ما لا تغني عنه روائع العبارات ، وما بلغ السكوت امرؤ مقهور ضائق مكبوت ، ولا ريب أنّ لدعواته الواسعة نفحات ، تُفرج الهمّ ، وتجرف الغمّ في سيلٍ مغيثٍ من النصر ، ويكفي من الصمت وقاره الربيعي ، خلافاً لثرثرة دون طائل يُرعد هزيمها فلا تخلّف إلا يباباً من السفه بلقعا !. قال الشاعر اللبناني إلياس فرحات :

وإِذا الـكــلامُ مـهذّبٌاً لم يقــترنْ

    بالفعــلِ كـــان بضــاعةَ الثـرثارِ

ومن اشترى الحكمة من تجارب الصمت أسداها هدية لمن سأل عنها بلا ثمن ، فكان مأوى كالجبل لكلّ قاصد من مذنب وتائب ، وغريب ومقيم ، ومستريح وراكب ، وغادٍ ورائح ، ومُغبٍّ وحاضر ، وساكن وزائر ، وممّسٍ ومصبح ، قال ابن خفاجة الأندلسي في وصف الجبل نفسه :

وَقالَ : أَلا كَم كُنتُ مَلجَأَ مذنبٍ

    وَمَـوطِــنَ أَوّاهٍ ، تَـبَــتَّلَ ، تائِبِ

وَكَم مَـرَّ بي مِن مُدلِـجٍ  وَمُؤَوِّبٍ

    وَقالَ بِظِلّي مِن مَطِــيٍّ وَراكِبِ

وبعد ، قد يكون الصمت خير وصيٍّ وفيٍّ كي لا تخسر أصدقاءك ، فمن لم يتعلّم الصمت ويفهمه حَرَم سمع قلبه حكمة التأمّل ، والمكتبة صديقة غنية بكتبها الصامتة ، لكنها تضمن لك الحديث معك بكلّ أدب ، ويبقى الصمت ترويض للنفس على التهذيب ، ومجلس للعزلة خير أديب ، حميد العاقبة ، رفيع الراتبة ، قال الشاعر العباسي أبو العلاء المعري :

إِذا سكتَ الإِنسانُ قَلَّتْ خصومُهُ

     وإِن أضـجعتهُ الحادثاتُ لجنبِه

فاصلة منقوطة ؛

الصمت في بعض المواقف ليس ضعفاً ، لكنه ارتقاء لم تدركه بعض العقول. – توماس بين (مفكر أمريكي)

———————————

إبراهيم الوابل – أبو سليمان

ibrahim7370@

الاثنين – الموافق

10 – 8 – 1440هـ

15 – 4 – 2019م

19 تعليق

  1. عبدالرحمان الاشعاري

    الصمت ترويض للنفس على التهذيب ، ومجلس للعزلة خير أديب ، حميد العاقبة ، رفيع الراتبة.. عبارة معبرة ودالة.. أشكرك الشكر الجزيل أبا سليمان

  2. موضوع غاية في الروعة

  3. جواهر الشمري

    جميل سلمت يداك

  4. لا يكاد أحد منا يمرّ بجبلٍ فيُلقي نظرة عليه إلاّ ويقف متعجّباً من ذروة قمّته

  5. حسان القطان

    وشموخ قنّته ، ورصانة مبانيه ، ورصافة مراقية ، وازدحام مناكبه ، وانحدار سواكبه ، وعُسر طلوعه ، ويُسر ربوعه

  6. وقد يحذّر مِن اقتراب عدوّ في عُدْوَة ، ويقرأ لك أسرار الكون في خلوة ، وقد يسد لفحة الريح عن الورى ، ويردّ نفحة البرد عن القُرى

  7. ومن اشترى الحكمة من تجارب الصمت أسداها هدية لمن سأل عنها بلا ثمن ، فكان مأوى كالجبل لكلّ قاصد من مذنب وتائب ، وغريب ومقيم ، ومستريح وراكب ، وغادٍ ورائح ، ومُغبٍّ وحاضر ، وساكن وزائر ، وممّسٍ ومصبح ، قال ابن خفاجة الأندلسي في وصف الجبل نفسه :

  8. محمد ابراهيم

    ويقرأ لك أسرار الكون في خلوة ، وقد يسد لفحة الريح عن الورى ، ويردّ نفحة البرد عن القُرى ، ولا يضرّ الجبل وطء قدم ، ولا خطو نعل ، ومن تهيّبه صعوداً ، رضي لطموحه قعوداً ، قال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي :

  9. الصمت في موضعه أنفع ، وعند الفتنة أدفع ، وعند الجدل أرفع ، وعن الحقّ شيطان ، وعن الظلم بهتان ، فحينها يصبح كجبل كنعان ، لا ينقذ من غرق ، ولا يسعف من شَرَق

  10. ومن اشترى الحكمة من تجارب الصمت أسداها هدية لمن سأل عنها بلا ثمن ، فكان مأوى كالجبل لكلّ قاصد من مذنب وتائب ، وغريب ومقيم ، ومستريح وراكب ، وغادٍ ورائح ، ومُغبٍّ وحاضر ، وساكن وزائر ، وممّسٍ ومصبح ، قال ابن خفاجة الأندلسي في وصف الجبل نفسه :

  11. افضل نصيحه ( ومن يتهيّبْ صعود الجبالِ

    يـعشْ أبـد الدهرِ بين الحفرْ)

  12. حمد الغوينم

    احسنت استاذي

  13. منصور الصالحي

    موضوع مهم جدا

  14. مسفر البجادي

    مقاله في غايه الروعه

  15. سعيد علي عسيري

    ومن اشترى الحكمة من تجارب الصمت أسداها هدية لمن سأل عنها بلا ثمن

  16. مقال رائع

  17. سلمت يداك

  18. حامد الحازمي

    ممتاز

  19. خدوج الاحمد

    الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق ان شاء الله

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا