ما هو أقوى من العنف

طغى خبر إرهاب المسجديْن في نيوزيلندا في الآفاق، وهو بلا أدنى شك، كارثة في تاريخ التعايش بين الأديان والشعوب، على التسامح العظيم في بلاد الغرب، الذي تفخر به البلدان، ويعتز به المهاجرون.

هذه المفارقة، جسّدها المفكر المعروف كارليل‏ بالقول، إنّ “سقوط الشجرة في الغابة له دوي عظيم، فيما الفراشات الهائمة طوال النهار والتي تنقل اللقاح من زهرة إلي زهرة، لا صوت لها‏..‏ ولا أحد يسأل عنها، إنْ عاشت أو ماتت”‏.

مؤكدٌ أنّ هذا درس مهم يجب تعلّمه من الإرهاب، الذي يسعى إلى الدعاية عبر أشكال من التعبيرات التي تحرّض، أو تعزّز، أو تبرّر الكراهية، والعنف، والتمييز، وتأكيد الوجود، والتأثير عبر وسائل الإعلام، على طريقة “الأكشن” السينمائية، فيما اللين، والتسامح العظيم، يفتقدان في الكثير من الأوقات إلى المنبر الذي يُظهر قوته وبأسه أمام الناس، لأسباب متنوعة.

والمؤكد أيضاً، أنّ العنفَ حالة طارئة في مجرى الأحداث، مهما طال زمناً، وتمدّد مكاناً؛ لأنّ الطبيعة جُبِلت على السلام والحياة، لا الدماء والموت.

المسلم في الغرب يتمتّع بحرية واسعة، ربما لا تجاريها مثيلتها في البلد الأصلي، والمساجد تُموَّل من البلديات، والأغلبية من أبناء الغرب تُظهر الاحترام والتوقير للديانات والمعتقدات الأخرى، من إسلام، وبوذية، ويهودية … وغير ذلك.

 المسلم العاطل عن العمل في الغرب، يتلقى راتب الرعاية الاجتماعية المجزي، ويتوفّر له التأمين الصحي، والسكن اللائق، والخدمات الصحية، والمنافع الاجتماعية، أسوة بابن البلد الأصلي بشكل تام.

الكنائس في بلاد الغرب تفتح أبوابها للمسلمين، وغير المسلمين، وتدعوهم إلى الفعاليات الاجتماعية والثقافية في احترام كبير لمعتقد الشخص، دون التدخل في تفاصيل معتقده.

وقف شاب مسلم على سبيل التجربة والاختبار في ساحة في ألمانيا، وهو يحمل لافتةً كُتب عليها “أنا مسلم، أحتاج إلى العناق”.

لم تكن المفاجأة في أنّ الفتيان والفتيات والرجال والنساء، اصطفوا بالعشرات لعناقه، بل الأمر الغريب الذي كان سيحصل، هو فيما لو تجاهله الناس، وهو ما لم يتحقّق في مجتمع يُتقن العيشَ بانسجامٍ في سياقاتٍ متعددة الثقافات.

إنّ حوادث إرهابية، هنا وهناك، حدثت، وربما ستحدث في المستقبل، سوف تكون خارج السياق الذي يمضي بقوة في الغرب، نحو التراحم والتسامح، والاعتراف بالحقوق، وتفهّم الآخر، وهو الأمر الذي يجذب الكثير من الناس إلى تلك البقعة من الأرض.

الهندوسي يأتي من الهند، فيجد في البلد المضيف ما لم يلمسه في بلده، والبوذي يستثمر في الحرية، والمسلم يجد نفسه في بلد تحترم خياراته، والمسيحي يفتخر بعقيدته التي لا يحول دونها تعصّب أو انغلاق.

في هذه المجتمعات التي تغيب عنها المسدسات، وملابس العسكر، ويمارس فيها الشرطي وظيفته بكل مهنية وهدوء، لا يُعتقد أنها سوف تسقط في حبائل العنف والإرهاب بسبب تماسك المجتمع الديمقراطي الحامي لحقوق الإنسان، والمحترم للقانون والنظام.

الحادث الإرهابي في هذه البلدان يمكن تصويره كرغوة تنطفئ بسرعة؛ لأنّ الأغلبية الساحقة لن تسمح لها بالترسّب في النفوس، بسبب الوعي والتربية على الاعتدال وفهم الآخر.

يكفي هذه الدول المتسامحة فخرًا، أنها تحرص حتى في أوقات الهجمات الإرهابية، على التوازن بين محاربة خطاب الكراهية من جهة، وحماية حرية التعبير من جهة أخرى.

في الضفة الأخرى، حيث المجتمعات الضيقة التي لا تجيد لمسة التسامح في الكثير من المواقف، وتنتعش العدائية فيها عبر التعبيرات والأنساق، ثمة حاجة ملحة إلى تنظيم المؤسسات ووسائل الإعلام وصناعة الإنترنت، والنظام القضائي، ومدونات قواعد السلوك، والتربية والتعليم، باتجاه محاربة المفاهيم الخاطئة التي تشكل أساس خطاب الكراهية، وتعلّم التعددية من دروس “التسامح الديني”، وأنْ تتجاوز الدعائية والتنظيرية وافتراضاتها المفاهيمية إلى واقع ملموس في الوعي والسلوك.

الكاتب العراقي/ عدنان أبو زيد

26 تعليق

  1. عبدالرحمان الاشعاري

    الإرهاب والتطرف الذي يؤسس على أساس ديني شر لابد من استئصاله واقتلاعه من جذوره.. إنه مرض خبيث وداء فتاك.. تسلم يا أبا زيد

  2. طغى خبر إرهاب المسجديْن في نيوزيلندا في الآفاق، وهو بلا أدنى شك، كارثة في تاريخ التعايش بين الأديان والشعوب، على التسامح العظيم في بلاد الغرب، الذي تفخر به البلدان، ويعتز به المهاجرون.

  3. نّ حوادث إرهابية، هنا وهناك، حدثت، وربما ستحدث في المستقبل، سوف تكون خارج السياق الذي يمضي بقوة في الغرب، نحو التراحم والتسامح، والاعتراف بالحقوق

  4. الكنائس في بلاد الغرب تفتح أبوابها للمسلمين، وغير المسلمين، وتدعوهم إلى الفعاليات الاجتماعية والثقافية في احترام كبير لمعتقد الشخص، دون التدخل في تفاصيل معتقده.

  5. يكفي هذه الدول المتسامحة فخرًا، أنها تحرص حتى في أوقات الهجمات الإرهابية، على التوازن بين محاربة خطاب الكراهية من جهة، وحماية حرية التعبير من جهة أخرى.

  6. الله عليك احسنت قولا

  7. محمد ابراهيم

    الحادث الإرهابي في هذه البلدان يمكن تصويره كرغوة تنطفئ بسرعة؛ لأنّ الأغلبية الساحقة لن تسمح لها بالترسّب في النفوس، بسبب الوعي والتربية على الاعتدال وفهم الآخر.

  8. الإرهاب لا دين له.

  9. حمد الغوينم

    الإرهاب والتطرف الذي يؤسس على أساس ديني شر ولابد التخلص منه

  10. منصور الصالحي

    أحسنت قولا بارك الله لك

  11. سعيد علي عسيري

    موضوع مهم للغايه

  12. مسفر البجادي

    طغى خبر إرهاب المسجديْن في نيوزيلندا في الآفاق، وهو بلا أدنى شك، كارثة في تاريخ التعايش بين الأديان والشعوب

  13. موضوع رائع للغاية

  14. سلمت يداك

  15. موضوع مثير

  16. حامد الحازمي

    الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق ان شاء الله

  17. حامد الحازمي

    جهد مشكور

  18. حامد الحازمي

    مبدعون كالعاده بالتوفيق ان شاء الله

  19. خدوج الاحمد

    شئ جيد للغايه

  20. ممتاز

  21. موضي الفضلي

    إبداع ماشاء الله

  22. الكاتب والفنان غارسيا ناصح

    احسنت . تقبل مودتي

  23. حبي الله ونعمه الوكيل غي الارهاب ومن يعاونه

  24. الاسلام برئ من كل لحية او كل اللي يستغل الاسلام في مثل هذه الامور

  25. موضوع مهم جدا وفي التوقيت المناسب لازم يكون في رد فعل من الجميع لتوضيح الامور للناس اللى تخطلط علية الامور

  26. رنا يحفظ الجميع احسنت الاختيار

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا