أُسيد بن الحضير .. سيد الأوس

“تِلكَ المَلائكة كَانَت تَستَمِعُ إلَيكَ يا أُسَيْدُ ….” [رسولُ الله]

أسلم سيدنا أُسيد على يد مصعب بن عمير رضوان الله عليهما، عندما بعثه رسول الله إلى المدينة ليدعو أهلها إلى الإسلام، واستضافه سيدنا أسعد بن زرارة، وكان أُسيد من سادة قبيلة الأوس، وهي قبيلة كبيرة في المدينة، كان يُلقِّبه قومه بالكامل؛ لرجاحة عقله، ونبالة أصله، ولأنه ملك السيف والقلم، إذ كان بالإضافة إلى فروسيته ودقة رميه، قارئاً كاتباً في مجتمع ندر فيه من يقرأ ويكتب.

ولما علم سيدنا أُسيد بقدوم سيدنا مصعب إلى المدينة ليدعو أهلها، أخذ حربَتَهُ، ومضى نحو البُستان الذي كان يجلس فيه، فلمَّا رآه أسعد بن زرارة مُقبلاً قال لمُصعب: ويحك يا مُصعب، هذا سيِّد قومه، وأرجحُهُم عقلاً، وأكملُهُم كمالاً: أُسيد بنُ الحُضير.

فإن يُسلم تَبِعهُ في إسلامه خلقٌ كثيرٌ، فاصدق الله فيه، وأحسن التأتِّي لهُ.

فأقبل عليه مصعب يذكُرُ له حقيقة الإسلام، ويقرأ عليه شيئاً من آيات القرآن؛ فانبسطت أساريره وأشرق وجهه وقال: ما أحسن ذلك الذي تقول وما أجل ذلك الذي تتلو.. كيف تصنعون إذا أردتُم الدخول في الإسلام؟

فقال له مصعب: تغتسل وتُطهر ثيابك، وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتصلي ركعتين.
فقام إلى البئر فتطهَّر بمائها، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وصلى ركعتين.

فأسلم وأحب القرآن حبا شديدا، وكان رخيم الصوت، مُبين النُّطق، وكان الصحابة الكرام يتسابقون إلى سماع تلاوته.

ففي جوف ليلة من الليالي كان أُسيدُ بنُ الحُضير جالساً وراء البيت، وابنُهُ “يحيى” نائمٌ إلى جانبه، وفرسُهُ التي أعدَّها للجهاد في سبيل الله قريبة منه، فانطلق يتلو بصوته الرَّخيم: “الٓمٓ، ذٰلِكَ الْكِتٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلٰوةَ وَمِمَّا رَزَقْنٰهُمْ يُنفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ”.

فإذا به يسمع فرسه جالت جولةً كادت تقطع بسببها رباطها فسَكَتَ؛ فسَكَنت الفَرَس وهدأت.

فعاد يقرأ: “أُولٰٓئِكَ عَلٰى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولٰٓئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”.

فجالت الفرَسُ جولةً أشدَّ من تلك وأقوى.
فَسَكَتَ .. فَسَكَنَت، وكرر ذلك مراراً، فكان إذا قرأ هاجت الفرس، وإذا سكت سكنت وقرَّت.

فخاف على ابنه أن تطأهُ أقدامها، فمضى إليه ليُوقظه، والتفت إلى السماء، فرأى غمامةً كالمظلة لم تر العينُ أروع ولا أبهى منها قط وقد عُلِّق بها أمثال المصابيح، فملأت الآفاق ضياءً وسناءً، وهي تصعد إلى الأعلى حتى غابت عن ناظريه.

فلما أصبح مضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصَّ عليه خبر ما رأى، فقال لهُ النبيُّ عليه الصلاة والسلام: “تلك الملائكة كانت تستمعُ لك يا أُسيد… ولو أنك مضيت في قراءتك لرآها الناس ولم تستتر منهم”.

وأحب أُُُُسيد رسول الله حبا شديدًًًا، وكان يتمنى أن يمسَّ جَسَدُهُ جَسَدَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أُتيح له ذلك مرة.

ففي ذات يومٍ كان أُسيد يُسمع القوم طرائفه ونكته، فغمزَهُ رسول الله صلوات الله عليه في خاصرتِه بيده، كأنَّه يستحسنُ ما يقول.
فقال أُسيد: أوجعتني يا رسُول الله.
فقال عليه الصلاة والسلام: اقتصَّ منِّي يا أُسيد.
فقال أُسيد: إنَّ عليك قميصاً ولم يكُن عليَّ قميصٌ حين غمزتني.
فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه عن جسده، فاحتضنهُ أُسيد، وجعل يُقبِّلُ ما بين إبطه وخاصرته وهو يقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنها لبُغيةٌ كُنتُ أتمناها مُنذُ عرفتُك، وقد بلغتُها الآن.

ودافع أُسيد عن رسول الله يوم “أُحُدٍ”، حتى إنَّهُ طُعِنَ سَبْعَ طعناتٍ مُميتات في ذلك اليوم.

لم يعش أُسيد بن الحُضير طويلاً، فقد اختارهُ الله إلى جواره في عهد عُمَر رضي الله عنهما.

وكان عليه دين مقدارهُ أربعة آلاف درهم، فهمَّ ورثتُهُ ببيع أرضٍ لهُ لوفاء دُيُونِه.

فلمَّا عَرَف عُمَرُ ذلك فاوض الغرماء ولم يترك بنيه يدفعون دينه.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا