عبد الله بن أم مكتوم .. مؤذن رسول الله

من هذا الذي عُوتِبَ فيه النَّبِيُّ الكَريمُ صلى الله عليه وسلم من فوق سَبع سماوات أقسى عتابٍ وأوجعه؟!

مَن هذا الذي نَزَلَ بشأنه جبريل الأمين على قلب النبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم بِوحي من عند الله؟!
إنَّهُ عَبدُ الله بنُ أُمِّ مكتوم مُؤَذٍّنُ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

وعبد الله بن أمٍّ مكتوم مَكِّيُّ قُرشيُّ قريب للرسول عليه الصلاة والسلام فقد كان ابنَ خالِ أُمِّ المُؤمنين خديجة بنت خَويلد رضوانُ الله عليها زوجة رسول الله.
أمَّا أبُوهُ فقيسُ بنُ زائدة، وأما أُمُّهُ فعاتكةُ بنتُ عبد الله، وقد دُعيَتْ بأُمِّ مكتوم لأنها وَلَدَتهُ أعمى مكتُوماً.

شرح اللهُ صدرهُ للإيمان، وكان من السابقين إلى الإسلام.
عَاش ابنُ أُمِّ مكتوم محنة المُسلمين في مكة بِكُلِّ ما حَفَلَت به من تضحيةٍ، وعانى من أذى قُريش ومن بطشهم وقسوتِهِم فما ضَعُفَ له إيمان.. وإنما زادهُ ذلك استمساكاً بدين الله، وتعلقاً بكتاب الله، وتفقهاً بشرع الله، وإقبالاً على الرسول صلوات الله وسلامُهُ عليه.

وقد بلغ من إقباله على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وحرصه على حفظ القرآن العظيم أنَّهُ كان لا يترُكُ فُرصةً إلا اغتنمها.
وقد كان الرسُولُ صلوات الله عليه في هذه الفترة كثير التصدي لسادات قُريشٍ، شديد الحرص على إسلامهم، فالتقى ذات يوم بِعُتبة بن ربيعة، وأخيه شيبة بن ربيعة، وعمرو بن هشام المُكنَّى بأبي جهل، وأُميَّة بن خلف، والوليد ابن المُغيرة والِد سيف الله خالد، وبدأ يُفاوضُهُم ويُناجيهم ويعرض عليهم الإسلام، وهو يطمَعُ في أن يستجيبُوا لهُ، أو يكُفُّوا أذاهُم عن أصحابه.
وفيما هو كذلك أقبل عليه عبد الله بنُ أُمِّ مكتوم يقول: يا رسول الله، علِّمني ممَّا عَلَّمك الله.

فأعرَض الرَّسُولُ الكريم صلى الله عليه وسلم عنه، وعَبَسَ في وجهه، وتولَّى نحو أُولئك النَّفر من قريش، وأقبل عليهم أملاً في أن يُسلِمُوا.
وما إن قَضَى رَسُولُ الله صلوات الله عليه حديثَهُ معهم وأراد أن يعود إلى أهله، حتى أمسَك اللهُ عليه بَعضاً من بَصَرِه، وأحسَّ كأنَّ شيئاً يخفقُ برأسه.. ثُمَّ أنزل عليه قولَهُ: “عَبَسَ وَتَوَلّٰىٓ (1) أَن جَآءَهُ الْأَعْمٰى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكّٰىٓ (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرٰىٓ (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنٰى (5) فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدّٰى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكّٰى (7) وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعٰى (8) وَهُوَ يَخْشٰى (9) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهّٰى (10) كَلَّآ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ (12) فِى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (13) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍۭ (14) بِأَيْدِى سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍۭ بَرَرَةٍ (16)”.
سِتَّ عشرة آية كاملة نزل بها جبريل الأمين على قلب النبيٍّ الكريم صلى الله عليه وسلم في شأن عبد الله بن أُمِّ مَكتوم.

ومُنذُ ذلك اليوم يُكرمُ رسول الله عبد الله بن أُمِّ مكتوم ويسألُهُ عن شأنه، ويقضي حاجته.

ولما قَدِمَ الرَّسولُ عليه الصلاة والسلام إلى المدينة بعد هجرة أصحابه وفيهم عبد الله بن أم مكتوم، اتخذه وبلال بن رباح مؤذٍّنين للمسلمين، فكانبلال يُؤذِّنُ؛ وابنُ أمِّ مكتومٍ يُقيمُ الصلاة، ورُبَّما أذَّن ابنُ أُمِّ مكتومٍ وأقام بلال..

وكان لبلالٍ وابن أُمِّ مكتوم شأنٌ آخر في رمضان، فقد كان المُسلمُون في المدينة يتسحَّرُون على أذان أحدِهما ويُمسِكون عند أذان الآخر.
كان بلالٌ يُؤذِّنُ بليلٍ ويُوقِظُ الناس، وكان ابن أُمِّ مكتوم يتوخى الفجر فلا يُخطئُهُ.
وقد بلغ من إكرام النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام لابن أُمِّ مكتوم أن استخلَفَهُ على المدينة عند غيابه عنها بضع عشرَةَ مرَّةً كانت إحداها يوم غادرها لفتح مكة.

وبعد غزوة «بدر» أنزل اللهُ على نبيه من القُرآن ما يرفعُ شأن المجاهدين، ويُفضِّلُهُم على القاعدين؛ فأثَّر ذلك في نفس ابن أُمِّ مكتوم، وعزَّ عليه أن يُحرم من هذا الفضل وقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت..

ثُمَّ سأل الله بقلبٍ خاشع أن يُنزِلَ قُرآناً في شأنه وشأن أمثاله ممَّن تعُوقُهُم عاهاتُهُم عن الجهاد، وجعل يدعو في ضرَاعَةٍ: ((اللهم أنزل عُذري … اللهم أنزل عُذري))..

فما أسرع أن استجاب اللهُ جلَّ وعزَّ لدُعائِهِ، وجاءت الآية: “لَّا يَسْتَوِى الْقٰعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ”.

فنزل الاستثناءُ الذي تمنَّاهُ ابنُ أُمِّ مكتوم..

وعلى الرَّغم من أنَّ الله سُبحانَهُ أعفى عبد الله بن أُم مكتوم وأمثالَهُ من الجهاد، فقد رفض أن يقعد مع القاعدين، وعقد العزم على الجهاد في سبيل الله..
فحرص مُنذُ ذلك اليوم على ألا تَفُوتهُ غزوة، وحدَّد لنفسه وظيفتها في ساحات القتال، فكان يقُولُ: أقيمُوني بين الصفين، وحمِّلوني اللواء أحملُهُ لكُم وأحفظُهُ.. فأنا أعمى لا أستطيع الفرار..

وفي السنة الرابعة عشرة للهجرة عَقَدَ عُمَرُ بنُ الخطاب العزم على أن يخُوض مع «الفُرس» معركةً فاصلة تفتحُ الطريق أمام جُيُوش المُسلمين؛ فأمر أن لا يكون هناك أحد قادر على الجهاد إلا وخرج مع المسلمين وكان من بينهم عبد الله بن أم مكتوم رضوان الله عليه.
ولمَّا بلَغَ الجيش «القادسية»، برز عبدُ الله بنُ أُمِّ مكتومٍ لابساً دِرعَهُ، وندب نفسه لحمل راية المُسلمين والحفاظ عليها، أو الموت دُونَهَا.

والتقى الجمعان في أيَّام ثلاثةٍ قاسيةٍ .. انتصر فيها المسلمون وكان ثمن هذا النصر المُبين مِئاتُ الشُّهداء.. وكان بين هؤلاء الشهداء عبدُ الله بن أُمِّ مكتوم رضوان الله عليه.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا