بنوك تفكير عراقية

الاستشارة في المجتمعات المتقدمة، أصبحت ثقافة وعلم وتجارة، أفادت الأمم في إنجاح المشاريع ووضع الخطط، وصياغة الاستراتيجيات، وتعزيز التفوق الاقتصادي والعسكري والعلمي.

لم يعد الرئيس أو الزعيم وحده هو الذي يحيط نفسه بعدد من الخبراء، وتعدى ذلك إلى رجال الأعمال والشركات الكبرى، التي تعزّز تأثيرها بخبراء، ليس في التقنيات فحسب، فهذا أمر لا بدّ منه، بل في الاجتماع والاقتصاد والثقافة والإتكيت والعلاقات.

بل إنّ عوائل سياسية، وأثرياء، يستعينون بمستشارين حتى في الأمور الحياتية البسيطة، وما في ذلك من اختلال، ذلك أن الحياة العصرية المتطورة والصحية، تتطلب حضوراً جذاباً، ومتمدناً، تتداخل فيه عوامل جذب عديدة.

وفي العمل، المدير الناجح هو الذي ينظر من حوله إلى أصحاب الكفاءة والخبرة، ليضع خططه على هدي نصائح فرق عمل، وليس رأيه الشخصي فحسب.

لا تخلو حتى المؤسسات الصغيرة من المجموعة الاستشارية، وهو أمر لمسْته بشكل واضح في دول مثل ألمانيا، هولندا، بلجيكا، وحتى في داخل الحي، والأسرة، حيث تُتّخذ الآراء بالمشورة، يشترك فيها حتى الباحث الاجتماعي.

ولكي لا نخوض كثيراً، فيما يعتبره البعض من “البديهيات”، نلمس الاستشارة التي جعلت من الرؤساء أقوياء، لكن من دون دكتاتورية في الرأي، فالرئيس بوش الابن، تعلّم من والده، أسلوب النقاش الذي يقود إلى قرار جمعي، وكان يستمع إلى والده الرئيس السابق، وإلى أخيه حاكم ولاية فلوريدا، في جلسات هذه العائلة البترولية الغنية.

ويذكر الرئيس الأمريكي جون أدامز الذي تولّى رئاسة أمريكا عام 1824، أنّ والده الذي سبقه إلى رئاسة أمريكا كان يستشيره، مثلما يستأنس بأفكار مجموعة العمل وحتى الأصدقاء، ما يزيد القرار تمحيصاً ودراسة، قبل اتخاذه.

لا ننسى أن الحكومات الديمقراطية في الغرب، وأبرزها في هذا الصدد، الحكومة البريطانية والهولندية والأمريكية، تدير ملفاتها بطريقة مهنية واستثنائية، فالوزير الجديد، حين يرتقي المنصب لا يعاني من أية مشاكل في تقليب الملفات وحسم الأولويات، لأن المكاتب الاستشارية المهنية والصارمة في أمنها وعملها، أنجزت مايتوجّب من خطط وتفاصيل البرامج على هدي سياسة الحكومة، وحاجة المجتمع.

ورغم أن هذه المكاتب الاستشارية تكّلف الحكومات، مبالغ طائلة، إلا أنها تختصر زمن الإنجاز، وتساعد الوزارات على تقديم الخدمة الصحيحة، وزيادة الإنتاج في مرافق الدولة المختلفة، مما يحقّق أرباحاً طائلة، تتفوق على تكاليف الاستشارة.

يذكر الكاتب أنيس منصور، أن حكومة الرئيس كارتر استعانت بمعهد (بروكنجز)‏ ‏ لكتابة نص الاتفاق بين مصر وإسرائيل، وهو معهد مستقل، لكنه مهنيّ وعميق، وقد تفوق حتى على كارتر والسادات والوزراء في الخوض فيه، وحين قرأه السادات، أُعجِب به كثيراً.‏

وفي البلدان الناهضة، ومنها العراق، الذي شهد حقبة من حروب داخلية وخارجية، فشلت الوزارات والمؤسسات في وضع الخطط الناجحة للنهوض بالخدمات والإنتاج، رغم جيوش الموظفين. وغاب دور المؤسسات البحثية، وبنوك التفكير، والجامعات عن إعداد المناهج والبرامج، الأمر الذي أتاح فوضى عارمة في الإدارة والتوجيه، تستهلك المال العام، دون نتائج حقيقية.

إنّ أحد أسباب تفوق الولايات المتحدة، هي بنوك التفكير (think tanks)، التي تعد اليوم بالمئات، منها ما يرتبط بالجامعات التي تحولت إلى مصدر هام لصناعة الخطط والاستراتيجيات، ومنها ما يعمل مستقلاً، كمراكز بحوث.. وفي واشنطن وحدها هناك نحو مائة مركز بحثي.

المؤمنون بنظرية المؤامرة، يحذّرون من مراكز البحوث وارتباطاتها السرية، وأهدافها الخفية، لكن النظر بعقلانية وحيادية إلى دورها في نهضة الشعوب، يجعلنا نغيّر من موقفنا. والأهم قبل كل ذلك، هو إنشاء بنوك تفكير عراقية، تضم المفكرين، والخبراء، والمهندسين، والأطباء، والمحللين السياسيين والاقتصاديين، تنتشل عملية صناعة القرارات من السياسيين والمسؤولين وتضعها بين أيديهم، جاهزة.

الكاتب العراقي/ عدنان أبوزيد

47 تعليق

  1. عبدالرحمان الأشعاري

    أضم صوتي إلى صورتك وأقول بضرورة الاهتمام بإنشاء مراكز دراسات وأبحاث وتشجيع البحث العلمي في جميع المجالات.. تسلم

  2. عايدة أبو كامل

    مقال في الصميم والرسالة وصلت .. أشكرك الشكر الجزيل

  3. امتنان الصالح

    بوركت أستاذ عدنان أبو زيد وبوركت انامك..

  4. عبدالله العفيفي

    لابد من تشجيع البحث العلمي والاهتمام بإنشاء مراكز الدراسات والأبحاث..

  5. ابراهيم مختار

    ممتاز جدا..مقال نحنوفي اشد الحوجه اليه

  6. منال الحامد

    ما خاب من استشار

  7. عباس بن فرناس

    هكذا هي الدول المتقدمة

    اين نحن من هذا؟

  8. شكرا لك استاذ عدنان

  9. سارة المطيويع

    شكرا لصحيفة هتون لاستقطابها افضل الكتاب وابدعهم

  10. خالد الباتل

    صحيفة هتون تهتم بقرائها وتنشر لهم افضل المواد الصحفية وامتعها

  11. جميل جدا

  12. بسمة الخالدي

    ما ارعكم

  13. عبدالاله الغامدي

    إنّ أحد أسباب تفوق الولايات المتحدة، هي بنوك التفكير (think tanks)، التي تعد اليوم بالمئات، منها ما يرتبط بالجامعات التي تحولت إلى مصدر هام لصناعة الخطط والاستراتيجيات، ومنها ما يعمل مستقلاً، كمراكز بحوث.. وفي واشنطن وحدها هناك نحو مائة مركز بحثي.

  14. صالح الموسى

    لنرتقي لابد من الاستفادة تجارب الامم الاخري

  15. افكار مفيدة وجيدة

  16. نواف العقيل

    استمعوا لمثل هذا الكلام يا امة العرب

  17. عيسى العبدالله

    التفكير اصبح.من اهم نهضة الام

  18. متي كان التفكير مثار اهتمام الدول العربية

  19. منيرة الخلف

    شي مميز

  20. سعدية المالكي

    صناديق التفكير هي بيزنس ناجح في الغرب

  21. عائشة الرومي

    العراق بها كفاءات قادرة بالنهوض به وجعله في مصاف الدول المتقدمة

  22. ما خاب من استشار

  23. فعلا لاستشارة في المجتمعات المتقدمة، أصبحت ثقافة وعلم وتجارة،

  24. معاك حقا المؤمنون بنظرية المؤامرة، يحذّرون من مراكز البحوث وارتباطاتها السرية

  25. محمد ابراهيم

    بارك اللة فيك استاذ

  26. كلام جميل ورائع فعلا

  27. حسان القطان

    بارك اللة فيك موضوع رائع جدا

  28. من نجاح الي نجاح

  29. جواهر الشمري

    الله الله، مقال رائع

  30. شكرا هتون علي الموضوع الرائع والمفيد

  31. فايزة الشهراني

    معرفة زوايا النقص بنفس درجة أهمية تداركها

  32. ذهبة الداود

    مقتل في الصميم

  33. بدرية العبدالله

    قمة في الروعة

  34. فعلا لا بد من تفعيل بنوك للتفكير والاستشارات

  35. هدى المسعود

    كلام رائع جدا

  36. موضوع غاية في الأهمية

  37. أحسنت أستاذ عدنان

  38. طلال العطا الله

    بورك إبداعك أستاذنا

  39. سلمت يداك أستاذنا

  40. صالح اليوسف

    وفقكم الله

  41. شريف إبراهيم

    رائع جدا

  42. ابن المملكة

    الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق ان شاء الله

  43. محمد الراشد

    إبداع ماشاء الله

  44. حامد الحازمي

    جهد مشكور بالتوفيق

  45. شئ جيد للغاية

  46. خدوج الاحمد

    ممتاز

  47. موضي الفضلي

    سلمت يداك بالتوفيق

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا