المؤلف سليم تماري يعود بنا إلى شهادات جنود الجيش العُثماني في الحرب العُظمى

تُمثِّل الشهادات الحية لمن عايشوا الحروب والكوارث أحد أهم المرتكزات البحثية التي تُستمد منها ما أدت إليه هذه الحروب؛ لما تحتويه من دقة وتفاصيل لا تتوفَّر في الكثير من الأحيان في مثل هذه الظروف.
وفي كتاب «عام الجراد: الحرب العظمى ومحو الماضي العثماني من فلسطين» التي نشرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 2008م تناول المؤلف الدكتور سليم تماري، عدد من الشهادات الشخصية لجنود خدموا في صفوف الجيش العثماني، في عدة مُدن وأقاليم.
وتُلقي تلك اليوميات أضواء جديدة على التغييرات التي اجتاحت الحياة اليومية في مدن المشرق العربي في نهاية الحقبة العثمانية. نرى ذلك في وصف محمد الفصيح ليوميات القتال في جبهة جاليـپـولي بتركيا، وفي يوميات الحياة اليومية خلال خدمة إحسان الترجمان في القيادة العسكرية العثمانية في القدس، على الرغم من الاختلاف الجذري في رؤية الكاتبين، وتجربتهما المتباينة للحرب. فهذه اليوميات تعكس تحديداً تمايز التركيب الإثني والتغيير في الوعي والانتماء الوطني في أوساط جنود الجيش العثماني وضباطه.
وتأتي أهمية يوميات العسكري إحسان من جانبين؛ أولاً في أن مؤلفيها كانوا جنوداً عاديين وغير مساءلين تجاه السلطة من خلال آرائهم أو أعمالهم إلاّ بالمعنى الأخلاقي الضيق. وثانياً تميزت كتاباتهم في أنها دُوِّنت في لحظة حدوث الحدث، وبذلك سمحت لنا أن نستمع إلى خطاب ذلك الزمان بلغته وأن نعيش التجربة كما تجلت للكتابة آنياً. فهي في النهاية أفكار وأحاسيس لا تشوبها الرقابة الذاتية ولا تخضع لعملية إعادة الصوغ في ضوء التجربة الاسترجاعية.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.

12 + 4 =