قراءة في صورة (هِرّة)!

انتشرت الصورة أدناه على الإنترنت، وتداولها الناس في وسائل التواصل الاجتماعي، وحظيت بتعليقاتٍ كثيرةٍ جُلُّهَا يعيب على هذه القطة اختيارها البقاء في الكرتون البالي، تاركةً ذلك (المهد) الفاخر المعدُّ لجلوسها ونومها.

ووصِفَت بالغبية، والمتمسكة بالذكريات البالية، ووجه الفقر، ونحو ذلك!

أخذ قلمي – أعزائي القراء – على عاتقه مهمة الترافع عن هذه القطة بلسانها في اشتياري إليكم هذا الأسبوع، فأتخيلها تقول للقاضي:

سيدي القاضي/

أشكو إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إلى حضرتكم، الإنسان الذي نالني الكثير من بني جنسه. نعم سيدي، لقد طالتني شتائمه وسبابه وقذفه، واتهامه لي بالغباء والتخلف دونما بينةٍ أو شهودٍ أو قَسَمٍ مغلظٍ.

وكل ذلك لأني فضلت مختارةً وبطواعيةٍ تامةٍ – وأنا في كامل أهليتي المعتبرة قانونًا وعرفًا – أن أجلس وأنام في المكان الذي رضيته وارتضيته.
لم أقترف إثمًا ولم آت ذنبًا! لم أضر أحداً كائناً من كان! أليس من حقي أن أجلس وأنام حيث أريد شريطةَ ألا أضرَّ بأحدٍ؟
إنني أعلم حدود حريتي المسؤولة؛ التي تنتهي عند حدود حريات الآخرين؛ تلك الحرية التي يجهلها وينتهكها كثيرٌ من بني آدم، جهلًا بها حينًا، و تعمدًا في أغلب الأحيان.

سيدي القاضي/

كل جرمي أنني مارست طبيعتي الحيوانية ليس إلا. فلمَ التشنيع علي، وجعلي حدثًا تتناقله الألسن، وتموج به وديان الإنترنت وشعابها، وتحيل صورتي أعلاه حديثًا تسير به الركبان، ويتسلى به مدمنو وسائل التواصل الاجتماعي؟.

لقد نشروا ومازالوا صورتي رغم أنفي، ودونما إذنٍ مني، في انتهاكٍ صارخٍ لحقوق الحيوان التي كفلتها القوانين الإنسانية.
وما أدرى الإنسان سيدي أنِّي أراوح في جلوسي ونومي بين المكانين؛ (الكرتون والمهد) فساعةً في هذا، وأخرى في ذاك؟ وما أداره أن جلوسي في ذلك الكرتون ليس إلا لقضاء حاجتي – أعزَّكم الله، ورفع قدركم؟.

والإنسان الذي أشكوه سيدي بصنيعه السيئ هذا، قد تدخل في شؤوني ابتداءً، ولم يحترم خصوصيتي وكينونتي.
وتسبب بذلك في أذىً بالغٍ لي بين قومي وبني جنسي، وشوَّه تاريخي الناصع البياض.

سيدي القاضي/

إنه مما يحزنني كثيرًا أن هذا الإنسان الذي يسيء لي اليوم، هو حفيد أولئك الذين أساؤوا لأسلافي السابقين؛ فلم يرقبوا فيهم إلًا ولا ذمةً! فقد زعم الفراعنة أن ثمَّة إلهة لنا نحن -معشر القطط -أسموها (باستيت)، وكانوا يقتلوننا في مناسباتٍ وأعيادٍ، ويقدموننا قرابين لتلك الإلِهَة المزعومة، ونحن – والله وبالله وتالله – ليس لنا غير الله سبحانه وتعالى خالقًا ومُصَرِّفًا، ومُسْتَحِقًّا للعبادة وحده، شأننا شأن كل خلقه ومخلوقاته.

وفي أوروبا قُتِلَ الآلاف من أجدادي من ذوي اللون الأسود تحديدًا بعد أن أشاعت الكنيسة -زورًا وبهتانًا- أننا رمزٌ للشر، وأننا على علاقةٍ بالسحرة، وزعموا أيضًا – ويا لهول ما زعموا – أن من بيننا من يعمل جواسيس أو سعاةً وخدمًا للسحرة والشياطين، ويذكر التاريخ – سيدي – أن مذابح منتظمةً، حدثت على نطاقٍ واسعٍ على القطط “الشيطانية” – على حد زعمهم – وعلى إثر ذلك حُرِقَ الآلاف منا ونحن أحياءٌ، في مجازر بشعةٍ بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وعاقبهم الله العادل على ظلمهم الفادح هذا، بأن سلط عليهم القوارض ليلًا ونهارًا، والتي لم تجد منا أحدًا يقضي عليها، فعاثت في الأرض فسادًا، واختل التوازن البيئي الذي نؤدي فيه دورًا عظيمًا بأمر الله تعالى، وأصيبوا من جرائها بالطاعون الأسود الذي قضى على الملايين منهم!.

سيدي القاضي/

ليت هذا الإنسان شُغِل بنفسه، وتبنى إصلاحها، وأسهم في تطوير نفسه وبناء مجتمعه، ونفع الإنسانية والكون بدلًا من أن ينشغل بما لا يعنيه. فلو أبصر المرء عيوب نفسه لانشغل بها عن عيوب الناس؛ لأن المرء مطالبٌ بإصلاح نفسه أولًا وسيسأل عنها قبل غيره. قال الشاعر:
المرء إن كان عاقلًا وَرِعًا أشغله
عن عيوب غيره ورعه
كما العليل السقيم أشغله
عن وجع الناس كلهم وجعه

وليت هذا الإنسان –سيدي القاضي- يعلم أن الحنين إلى الماضي (النوستالجيا) أمرٌ فطريٌ في كثير من المخلوقات، ومنها الإنسان نفسه أيضًا، الذي من أمثاله الدارجة: (قديمك نديمك لو الجديد أغناك)، وليت الإنسان يتذكر في هذا السياق قصيدة “ميسون الكلبية” التي تزوجت الخليفة معاوية بن أبي سفيان، وأسكنها القَصْرَ غير أنَّها حَنَّتْ كثيرًا لحياتها في البادية، مما اضطر الخليفة لتطليقها بعد أن سمعها ذات ليلةٍ تقول قصيدةً مؤثرةً منها:

لبيتٌ تخفقُ الأرواحُ فيهِ
أحبُ إليّ من قصرٍ منيفٍ
ولبسُ عباءةٍ وتقـرّ عيني
أحبُّّ إليّ من لبس الشفوف

وكلبٌ ينبـحُ الطـراق دونـي
أحبُُّ إليَّ من قـطٍ أليـفٍ
خشونةُ عيشتي في البدو أشهى
إلي نفسي مِنَ العيشِ الطريف

سيدي القاضي/

إن غريمي الإنسان، لم يتدبر ولم يعمل بهدي دينه، وتوجيهات شريعته التي أوصته بنا معشر القطط خيرًا، فرسول الله ﷺ ذكر أن امرأة دخلت النار في هرة، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.

ووردت أحاديث من السُنة النبويّة تدل على طهارتنا وجواز اقتنائنا وتربيتنا، وكان رسول الله ﷺ يَعُدُّنَا من الطوافين والطوافات في البيوت، وكان يتوضأ من الماء الذي نشرب منه، ويعتبرنا طاهرات. وكُنِّيَ أحد صحابته بــ (أبي هريرة) بسبب تعلقه الشديد بهرة.

سيدي القاضي/

إنسانكم هذا – إلا من رحم ربي (حُشَرِيٌ) جداً، وفضوليٌ بدرجةٍ لا تطاق. فهو يفتي في كلِّ نازلةٍ، ويحلل كلَّ قضيةٍ، ويتوهم أنه يعرف كلَّ صادرةٍ وواردةٍ، ويفهم في كل الأمور، ويكتب ويتحدث وكأنه أعلم أهل الأرض قاطبةً، وينسى أو يتناسى قوله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا)، ويغفل عن المعاني العظيمة التي تضمنتها قصة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح “الخضر”؛ التي منها عدم غرور الإنسان وتكبره مهما أوتي من علمٍ، فهناك من هو أعلم منه.

ليتكم سيدي القاضي تحكمون على هذا الإنسان بأن يتعلم نظريًا، ويتحلى عمليًا بقيمٍ وأخلاقياتٍ رئيسةٍ فقدها وجهلها، وما لم يتنبه لذلك فإنه سيظل يدمر نفسه، ويفسد في الأرض، ويهلك الحرث والنسل، ويضر بالكون والبيئة أيما ضرر.

هذه قضيتي بين يديك سيدي القاضي، فالله الله في العدل وليس غيره!

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

بقلم الأديب العربي/ خلف بن سرحان القرشي

#خلف_سرحان _القرشي 

السعودية – الطائف – ص. ب 2503  الرمز البريدي 21944

qkhalaf@hotmail.com

تويتر @qkhalaf

35 تعليق

  1. عبدالرحمان الأشعاري

    الحكم بعد المداولة …. بارك الله فيك أستاذ خلف تتحفنا دائما وتمتعنا بنصوصك الجميلة.. تحياتي

  2. ابراهيم مختار

    موضوع ملهم حقا

  3. نورة السويلم

    شكرا اديبنا الرائع استاذ القرشي

  4. شكرا لصحيفة هتون علي هذا الابداع المميز

  5. داوود الخالدي

    وفقكم الله

  6. بدور المنصور

    لطالما تعجبني هذه الزاوية اشتيار

    شكرا لكاتبها

  7. فتى العروبة

    انه الانسان الحديث الذي يتأفف من ماضيه

  8. صادق العشري

    صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم عندما قال انهم من الطوافين

  9. حنان فلمبان

    بسم اللهوما شاء الله

  10. سوير بنت ابوها

    رايعه كعادتها صحيفة هتون

    شكرا لطاقم الادارة

  11. إلهام عبد الفتاح

    ممتاز

  12. قراءة للصورة ممتعه

  13. ليالي الحلمية

    تعجبني طريقة القراءة التي يشتهر بها النقاد

  14. غادة الصالح

    النقد الادبي من سمات المجتمعات المتحضرة

  15. ابتسام العطيف

    شكرا شكرا

  16. عيسى العبدالله

    انه الابداع والتالق

  17. محمد محسن الغامدي

    هنا يمكن النوم والاختباء عن اليد الفضولية التي تتلمس ظهري وشاربي

  18. شجاع العتيبي

    المحاكات عندما يمتطي حروفها خلف .. تسترسل في عالم ترف الإبداع ..
    شكرا لك على كل غرزة حرف نسجته في أدب محاكات حرير الجمال.

  19. وفقك الله وسيرالله عملك

  20. أبو حازم وأسماء

    وكلب ينبح الطراق دوني
    أحب إلي من قط أليف

    موضوعية القطة في المرافعة

    دمت مبدعا أبا سعد

  21. عبدالرشيد عبدالوهاب ساعاتي

    سطرت فاوجزت فالمحت فأفدت …شكرا استاذنا الكبير …السؤال هل من معتبر هل من متدبر؟ تحياتي لك

  22. جميل هذا الحوار في تلك الجلسة القضائية ، لتنقل من خلالها صورة سلوكية وتوجيه إسلامي نبيل للرفق بالحيوان

  23. عبد الشكور الأزوري

    أطروحة جميله من كاتب مبدع

  24. د. عبدالله الطيب

    معلومات مهمة وجديرة بالتأمل طرحها اامقال في اسلوب ادبي جميل.

  25. عبدالعزيز الفريدي

    مرافعة جميلة تحدث القط في محضر الدفاع عن نفسه على لسان كاتبنا فأجاد وصف حالته

  26. د محمد ايهاب الرافعى

    صورة معبرة فعلا ومقال جيد
    وفقك الله

  27. عبدالله العفيفي

    أنت مبدع أستاذ خلف القرشي أكثر الله من أمثالك تسلم أخي الكريم

  28. عايدة أبو كامل

    المرجو أستاذ خلف القرشي أن تسير على هذا المنوال فمجتمعنا مليء بالصور المعبرة ذات المعاني والدلالات المتعددة.. تسلم أيها العزيز

  29. لغة سليمة وعبارات جميلة معبرة وتناول جيد للصورة.. تسلم أستاذي الكريم

  30. ابن المملكة

    مبدعون كالعاده بالتوفيق ان شاء الله

  31. محمد الراشد

    الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق

  32. موضوع قيم جدا

  33. حامد الحازمي

    شئ جيد جدا

  34. خدوج الاحمد

    ممتاز

  35. موضي الفضلي

    سلمت يداك

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا