الفيتامين السام

لا شكّ أنّ من لم يتهيّب صعود الجبال سيصل القمّة ، ومن شقّ عبور البحر بهمّة سينفذ إلى الضفّة ، لذا لن تقف دونه عقبة تحجزه عن الهدف المأمول ، مهما تكالبت وتكاتفت عليه الظروف ، لأنّ المرء الناجح يُبحر بمركب مجاديفه إخلاصه وثقته وصبره وعزمه بعد توكّله على الله ، أمّا ذلك المركبُ الذي صُنع من هياكلِ الواسطة الخارمة لتقدّمِ المجتمع الخارقة لازدهاره وتنميته ؛ فلربّما يُغرقنا يوماً ما ، وإن غرّنا رغده سنيناً ، لأنّنا لم نبـنه على أسس من النجاح ، وإنّـما أنشأناه على هوّة من الفساد أقلّ شأنهِ ؛ أنّنا فـقدنا الثقةَ بأنـفسنا واشتـرينا الراحةَ التي لم ولن نتعلّم منها أنّ الحياةَ جهادٌ وأنّ صعودَ السـلّمِ لإعــادةِ إنارةِ الغرفـةِ يعــجـزُ عنه من كتّفَ يديهِ !. قال الشاعر المصري حماد علي الباصوني :

فَالنُجـحُ دامَ لِـسـاهِـرٍ وَمُـجاهِـدٍ 

     لَيسَ النَجاحُ لِمَن تَأَخَّرَ وَاِنكَسَف 

والواسطة المذمومة فساد خفي ، الخاسر فيها البلاد ، والناقم منها العباد ، فمِراس الكفاءة منها مؤود ، وبساط المضرّة فيها ممدود ، إذ مفهومها كما عرفتها هيئة نزاهة ” طلب المساعدة من شخص ذي نفوذ وحظوة لدى من بيده القرار أو المقدرة على ممارسة السلطة ، لتحقيق مصلحة معينة بغير حق لشخص لا يستطيع تحقيقها بمفرده ” ، فهي قاطعة طريق لجدارة حاذق وبراعة ماهر ، وإشارة بريق توحي بالمسير عكس المسار لخائب فاشل ، والأولى أن تكون نقطة ساهرٍ ؛ لكلّ متهاون ومتكاسل ومتخاذل ، والبعض يخلط بينها وبين الشفعة الحسنة التي قال عنها القرآن : ( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ) ، وقوله ﷺ : ( اشفعوا تؤجروا ) صحّحه الألباني ، ويتناسى أو يجهل قوله ﷻ  : ( ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ) أي أثم منها ، والحقّ أنّها تشحن الأحقاد ، وتفري الأكباد ، وتقذف القلوب باليأس ، وتجفّف ينبوع الأمل ، يدير كرسيها الهوى ، فيقبل هذا لأنه يعرفه ، ويرفض ذاك لأنه لا ينفعه ، فيعطّل متمكّناً ، ويعين مُخفقاً ، وما من كاسب تعود إليه بأكبر المكاسب ، سواه ذلك الجاثم على كرسيها إمّا لمصلحة أو لشهرة أو لجاه يصبو إليه خلف شفاعته الآثمة ، والمغبون منها بلا شك من كان ينتظره الوطن ليكون بيرقاً خفّاقاً ينفع مجتمعه في المجال الذي يُحسنه ويتقنه. 

ومن المؤسف أن يلجأ إليها البعض وهو ليس في حاجة إليها ، وذلك حينما تكون المعاملة سهلةً في دائرة حكومية – مثلاً – لا تحتاج إلى توصية ومعرفة ، ومن المعيب أن تُستمرأ الواسطة فتكون باعثة على الخمول والكسل ، وذلك حينما لا تُنجز الأعمال إلا بالوقوف عليها ، والواقع يقول : إنّ إنجاز الأعمال لا يستحق ذلك لأنّ النظام كفيل به فلا داعي للوساطة ، فالأعمال واسطة واصلة بذاتها ، فهلّا تقدّمت الأعمال بنفسها حتى تحفظ ماء وجه صاحبها من سؤال الناس !؟. قال الشهاب المنصوري المصري :

صن حـرّ وجهك عن إراقـة مـائه

     واحفظ لسانك عن سؤال الناس 

والأدهى أن يجعلها البعض مقياساً لكفاءة المرء وجدارته أو عجزه وإخفاقه ، فإذا ما قُضيت الحوائج تحت مظلّتها ، أخذ طالبها بالثناء على الوسيط ، وما أدرك أنّه قد أضرّ في أمرين اثنين لا بد من وجود أحدهما على الأقل إن لم يكن هناك أكثر من المضرّتين ، فالأول : إحراج الوسيط على الأرجح ، والآخر : المضرة لمن هو أحقّ منه  ، وإذا لم يسمع الوسيط إجابة عند قرعه باب الوساطة  ؛ انهالت عليه التهم من كلّ نافذة ، وأقلّ ما في الأمر تشويه سمعته ، ورغم هذا هي على الأغلب ( واو ) متحركة لا يلبسها السكون والركون ، بيد أنّها تبقى فيتاميناً ساماً ينخر قوّة المجتمع ببطءٍ شديدٍ. لذا أقول :

وليس أضرّ في عقدٍ وعهدٍ

   كشُفعةِ شـافعٍ من غيـر حقِّ

ولا ريب أنّ الواسطة لا تقتصر على بلد دون آخر ، فانتشارها لا يخفى على أرض وطئتها الأقدام ولا على سماءٍ اشرأبّت إليها الأعناق ، فمن دواعي انتشارها : الفتور والتكاسل والقعود والتواكل ، والنظر بأنّ لأصحاب الحظوة والوجاهة والرفعة والقرابة الجرأة على تجاوز اللائحة والنظام ، كما أنّ من أسباب انتشارها ضياع الأمانة والإخلاص في سلك العمل ، لذا فآفة الواسطة ترسيخ التمييز في معاملة الناس ! قال الشاعر أحمد الكاشف المصري :

وأيسرُ لي فقدي … بقيةَ صحتي

لدى القومِ من فقدي الأمانةَ والعهدا

– فاصلة منقوطة :

قال الشاعر اللبناني أحمد تقي الدين مخاطباً صنّاع القرار :

فلا تبخس الناسَ أشياءَهم

      فخير دليل الفتى الاختـيار

وشاورْ بأَمركَ من يصدقُنك

     إنَّ البلــيةَ في المُــسـتشار

وكلُّ البلاء بـمـن يُفسدون

     على الحاكم الأَمرَ بالاغترار

فــوَلِّ الوظــائـف أربــابـها

    ووَلِّ الوساطةَ عرضَ الجدار

———————————

إبراهيم الوابل – أبو سليمان

ibrahim7370@

الاثنين – الموافق

27 – 6 – 1440هـ

4 – 3 – 2019م

27 تعليق

  1. كلامات من الواقغ ولكن لمن يعقل ويعي احسنت

  2. الوساطة تهدم الاحلام وتحطم الامل عشان انتي عارفه انك هتتعبي وفي الاخر الجائزة هتكون لمن لا يستحقها

  3. احنا في بعض الامور بتكون معانا الوسطة بيطلع عنينا امال لو من غيرها الفساد شد حيله اوي وربنا يعافينا

  4. رئيس التحرير عادل بن نايف الحربي

    دائما مميز يابوسليمان وفقك الله لما تحبه وترضاه تحياتي لك

  5. عايدة أبو كامل

    مقال مميز ويستحق القراءة أكثر من مرة شكرا جزيلا لك..

  6. ابو قائد سلام المطر

    كلامات من الواقغ ولكن لمن يعقل ويعي احسنت … بارك الله فيك

  7. عبدالله العفيفي

    بوركت أستاذ أبو سليمان وبوركت أناملك تحياتي..

  8. غانم السالم

    أكرمك الله أستاذ أبو سليمان وزادك علما فوق علم..

  9. غانم السالم

    أشكر أستاذي الكريم الشكر الجزيل على تطرقك لهذا الموضوع بارك الله فيك..

  10. ابن المملكة

    مقال رائع

  11. حامد الحازمي

    ما أقبح الوساطه

  12. محمد الراشد

    الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق ان شاء الله

  13. موضي الفضلي

    مقال مميز ابدعت استاذنا

  14. جواهر الشمري

    والواسطة المذمومة فساد خفي ، الخاسر فيها البلاد ، والناقم منها العباد.

    توصيف في محله

  15. فايزة الشهراني

    مقال رائع جدًّا أستاذنا، وعنوانه جاذب.

  16. بدرية العبدالله

    فــوَلِّ الوظــائـف أربــابـها

    ووَلِّ الوساطةَ عرضَ الجدار

    رائعة جدا

  17. ذهبة الداود

    والأدهى أن يجعلها البعض مقياساً لكفاءة المرء وجدارته أو عجزه وإخفاقه!!
    للأسف هذه نقطة أصبحت جوهرية في كثير من الأماكن

  18. أبدعت أستاذ إبراهيم في اختيار الموضوع وتوصيفه بفصاحة ودقة.

  19. هدى المسعود

    سلمت يداك أستاذنا

  20. امتنان الصالح

    بوركت أستاذي الكريم وبوركت اناملك شكرا جزيلا لك..

  21. زاوية دائما تمدنا بالفائدة والمتعة.

  22. هذا الإبداع ليس بغريب على أستاذنا إبراهيم الوابل

  23. طلال العطا الله

    مقال متميز ورائع

  24. صالح اليوسف

    بُوركت أستاذنا وبورك قلمك وإبداعك

  25. أحسنت أستاذ إبراهيم

  26. شريف إبراهيم

    وفقكم الله لكل خير

  27. خدوج الاحمد

    مقال رائع جدا

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا