في عزاء برشومية رحل عنها الأحباب!

كان ذلك قبل ثمانِ سنوات، في (عصرية) صيف جميلة، وأثناء نزهة قمت بها في منطقة الشفا بـــ (الطائف)، لفتت نظري (برشومية / تينة شوكية)، صوبت عليها عدسة كاميرتي، فكانت هذه الصورة. وآثرت أن يكون اشتياري اليوم، -أعزائي القراء- بعض تأملٍ فيها، وقراءةٍ من وحيها، فلعل ذلك يرقى لذوائقكم الكريمة.

أعرف مسبقًا، وأعتذر أيضًا كون الصورة تنقصها جوانبَ فنية كثيرة، فعلاقتي بالتصوير الضوئي علاقة من يحب الصالحين وليس منهم.

استوقفتني (الوحدة) التي تعيشها البرشومية، بعد أن رحل عنها، ومن حولها كل الأحبة والأهل، وكأني بها تردد مع الشاعر قوله:
ذهب الذين أحبهم  ****  وبقيت مثل السيف فردًا.

ولسان حالها يقول أيضًا: “إذا كان زهير بن أبي سلمى سئم تكاليف الحياة بعد أن عاش ثمانين حولًا، فأنا سئمت الحياة كلها بعد أن رحل عني أحبتي”!.

ما أقسى الحياة، وما أشد بؤسها عندما تطبق عليك الوحدة بقضها وقضيضها، وتغلق عليك بابك بالضبَّة والمفتاح، من غير أنيسٍ لوحشةٍ، ولا مؤنسٍ لِنَفْسٍ، ودونما صديقٍ أو معين.
هذه الثمرة كانت بالأمس فَرِحةً مستبشرةً، مستأنسةً، وحولها شقيقات بعضهن يكبرنها سنا، وبعضهن في نفس عمرها، يضحكن ويرقصن، ولكن تخَطَّفتهُنَّ رَيْبُ الْمَنُونِ، وأيادي المَنَايَا بأسبابٍ ولأسباب:

من لا يمت بالسيف مات بغيره *** تعددت الأسباب والموت واحد

فمن شقيقاتها من قَطَعَتْ وتِينَاتِهِنّ سكين حادة لمزارع أو جَانٍ، لا يعرف قلبه الرحمة؛ ليجمعهن، ويبعهن بثمن بخس؛ دراهم معدودة، وهو فيهن من الزاهدين.

ومن نظيراتها من سقطت مثل نخلة ماتت واقفة، بعد أن باغتها فارق اللذات، ومفرق الجماعات.

ومن جاراتها من هجم عليهن وحشٌ كاسرٌ؛ ضبعٌ أو قردٌ أقبض عليهن بمخالبه القوية، وقواطعه الحادة التي لا يحول بينها وبين ضحاياه من تلك الثمرات شيئًا، مع أنهن توهمن أن شوكاتهن الضعيفة حاميةٌ لهن ومانعة!.

هذه (البرشومية) الآن هي أكبر الثمار التي تعرفهن، وتود لو أنها تلحق بسابقاتها، فلم يعد لها في الحياة ما يستحق البقاء من أجله.

وكيف تصفو حياة وتحلو لمن عاش لنفسه فقط؟

ياللمفارقة: بالأمس كانت (برشوميتنا) هذه تمني نفسها، وتتمنى حياة تَسُرُّ الصديق، وتأمل أن يطول بها العمر موسمًا بعد آخر، وعامًا تلو عام! واليوم أقصى أمانيها أن تموت موتًا يغيظ العِدَا، أو يفرحهم فالأمر عندها سيان، ولم يعد هناك ثَمَّةَ فرق.
إنها تغبط شقيقاتها الذاهبات، لأنهن في نظرها قد مُتْنَ في الوقت المناسب.

قال الفيلسوف الأمريكي (إريك هوفر):
(أكبر حظ حسن يمكن أن يناله الإنسان أن يموت في الوقت المناسب)!
الإنسان والثمرة سيان في موقف الموت المُهِيبِ؟ وفي حضرة موكبه المُرَوِّعِ:

وَقَفْتَ وَما في المَوْتِ شكٌّ لوَاقِفٍ
كأنّكَ في جَفنِ الرّدَى وهْوَ نائِمُ

لم يعد لحياتها معنى، وهذا هو الموت بعينه. يقول الشاعر الألماني العظيم (جوته): “الحياة بلا فائدة موت مسبق”.

رحماك يا رباه بنا وبها!

لمن غيرك يا الله تبث شكواها، وتشكو حزنها؟ من تُحَدِّث؟، ولمن تفضفض؟ ومن يسمع بعد اليوم حكاياتها، ويُسْمِعُهَا رنين ضحكاته، أو حتى وجيب قلبه، وأنين آهاته؟

ماذا عساها فاعلة عندما يخيم عليها الظلام؟ لا تسمع إلا عواء الذئاب، ونُهَات القردة في الليل البهيم، وفي أحسن الأحوال هرهرة الريح؟
يا لشقائها! تتمنى الموت ولا تجده، وتخشى أن تُرَد إلى أرذل العمر.
أحسبها تريد أن تودع الدنيا إلى غير رجعة عاجلًا؛ وهي في أوج صحتها، وعنفوان شبابها! فهي تعلم صدق من قال:

سَبيلُ المَوتِ غايَةُ كُلِّ حَيٍّ
فَداعِيَهُ لِأَهلِ الأَرضِ داعي

هي الآن في عِزِّ شبابها، وأوج قوتها وعنفوانها. ولكن ماذا بعد التمام والكمال؟
قال تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).

والمثل الشعبي يقول: (خاف منها إذا أزهرت).

وأظنها الآن تتمنى مثل ما تمنى ذات يوم الكاتب المبدع “أدهم شرقاوي”:
“اللهُمَّ اجعلنِي عابرًا خفيفًا لا أشقى بأحَدٍ، ولا يشقى بي أحَدٌ. اللهُمَّ اجعلني كغيمةٍ .. مرَّتْ .. رَوَتْ .. ثُم ولَّتْ!”.

الكون الذي نعيش فيه في حالة اتصالٍ وتواصل بعضه ببعض، ويؤثر أي شيء فيه مهما كان بسيطًا في أشياء أخرى كثيرة، ويعزز هذا الأمر مصطلح تأثير الفراشة أو (نظرية الفوضى) في النظريات الفيزيائية والفلسفية وغيرها من فروع المعرفة، وفيها يقال -مجازيًّا-” إن رفرفة جناح فراشة في الصين قد يتسبب عنه فيضانات وأعاصير ورياح هادرة في أبعد الأماكن في أمريكا، أو أوروبا، أو أفريقيا”. (موسوعة ويكيبيديا – على النت).
والتينة في الصورة كانت متصلةً متواصلةً مع (من) و (ما) حولها من صويحباتها ونديداتها حديثًا وأملًا، وتشاركت معهن المسرة والبهجات، الآمال والتطلعات، وذلك من تعاطي الحياة واقترافها!.

واليوم لم يتبق لها إلا خيوط ذكرى من شعاع الروح؛ تدق في غياهب النسيان، ومتاهات العزلة، وليالي الفزع. فهذه الثمرة لن يطول بها المقام هنا، بعد أن فَقَدَتْ قيمةً عاليةً من قيم الحياة؛ قيمة التواصل، وفعالية التأثير، فلم يعد لها وجودٌ نافذٌ، ولم يبق لها من الذات الكثير، بعد ما رأت الموت يؤدي مهمته المحتومة؛ يتخطف قريناتها ليلًا ونهارًا دونما هوادةٍ أو لين، ومن غير أن يستثني أحدًا.
ألم يقل قس بن ساعدة الأيادي:

في الذاهبين الأولين
من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردًا
للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها
يمضي الأصاغر والأكابر
لا من مضى يأتي إليك
ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محالةَ
حيث صار القوم صائر

حقًا! ما أقسى أن تشهد سقوط أحبتك من حولك واحدًا تلو الآخر، مثلهم مثل أوراق شجرة في فصل خريف، وكلمَا سقط منهم أحدٌ حدثت نفسك قائلًا: “ليتني أكون أول من يلحق به، لا أريد أن أكون الأخير”، ولكن (عزرائيل) أمره رب العالمين -لحكمةٍ يعلمها – بقبض روحٍ غير روحك، حانت ساعتها، وآن كتابها، ولكل أجل كتاب! ومتى حُقَّ لأحدٍ أن يختار موعد ولادته أو لحظة موته، أو حتى ساعة وقوعه في الحب؟
كان من دعاء النبي ﷺ: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق! أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي).

وفاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ بشرها أبوها بأنها أول أهله لحوقًا به، فَسُرَّتْ بذلك أيَّما سرور.

اللهم إنا نسألك الرضا بالقضاء والقدر، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.

 

 

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

بقلم الأديب العربي/ خلف بن سرحان القرشي

#خلف_سرحان _القرشي 

السعودية – الطائف – ص. ب 2503  الرمز البريدي 21944

qkhalaf@hotmail.com

تويتر @qkhalaf

45 تعليق

  1. ابراهيم مختار

    موضوع شيق ورائع

  2. عبدالرحمن الشهري

    شكرا لصحيفة هتون ع هذا الابداع

  3. عبدالعزيز الهيجان

    متألق دوما اديبنا القرشي

  4. هذه من احب الزوايا لقلبي

    احرص ان اقراها بانتظام

  5. الامام علي يقول من علامة الافلاس الاستئناس بالناس

  6. بارك الله فيكم

  7. جميل ياابو سعد

  8. زميلك المحب علي الثبيتي

    لا فض فوك ولا عاش شانئوك و لا فقدك محبوك أبا سعد ؛ جمعتها من شتى و حبستها كحبس الحوت لابن متّى ينم عن ثقافة واسعة و نظرة ثاقبة.
    لم يمنعك التقاعد من العطاء؛ فسر و واصل على بركة الله…

  9. شجاع العتيبي

    صورة وتصور ومحاكات وابحار في وحدة وتوحد لمفردة تينة من الخيال.

  10. د. أحمد حسبو خضر

    كم تستحق التكريم هذه البرشومية التي أمْلت هذا المقال .. واستخرجت هذا الجمال
    مقال شديد الشجن بعد العمق .. البعد الفلسفي فيه له لذة الحياة.
    أحسسنا خفقاتها .. سمعنا أنينها .. أبصرنا دموعها ..تعاطفنا معها .. بل مع أنفسنا.

  11. عبد الشكور الأزوري

    صوره وتعليق ابدعت ياكاتبنا

  12. جمال الدهيسي

    الوحده مره مقال جميل

  13. م.خالد عبد الرحمن

    هذه البرشومية في المملكة واسمها الصبر في فلسطين..لها من اسمها نصيب فنصيبها الصبر لعلها تلقى من نصيب…أما باقي الابداع فنهر جاري

  14. ما شاء الله مقال رائع والاحلي انوا مدعوم بالاحاديث النبوية

  15. عبدالله العفيفي

    كما عودتنا أستاذ القرشي تتحفنا وتمتعنا بمقالاتك شكرا جزيلا لك..

  16. محمد محسن الغامدي

    تمنعت البرشومية عن سائر الطير تنتظر فارسها الطائر الاخضر ليغني بجانبها فتزع له قشرتها وتفتح خزائنها

  17. سلمت يداك

  18. لطيفة العامودي

    بوركت أستاذي الكريم وبوركت أناملك أشكرك الشكر الجزيل..

  19. موضوع متميز ورائع

  20. لم يكن بينها وبين أمانيها إلا أن تقطفها فإن لم تفعل فقد ساهمت في صنع مستقبلها الكئيب 😁😁

  21. هذه البرشومية كتب لها بوداعها الأحبة الحياة بقلمك دمت حفيا بكل نادرة تخشى الفوات .

  22. مبدعون كالعاده

  23. مقال جميل فعلاً الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ولكن الأهم بمن يجتمع بحيث يكون اجتماعاً وليس تجمعاً ولا تكون الوحدة أفضل من التجمعات

  24. ممتاز جا احيسنتى

  25. ممتاز جدا احست

  26. مقوله رائعه من لم يمت بالسيف مات بغيرة

  27. دائما مبدع استاذ خلف

  28. محمد ابراهيم

    مقال رائع رائع حقا

  29. الله عليك وبارك فيك

  30. تستحق التكريم والتحيا

  31. ما اجمل هذا المقال الرائع والشيق

  32. حامد الحازمي

    الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق ان شاء الله

  33. رائع جدا جدا ومميز دائماً

  34. منال الربيعان

    ما اجمل هذا المقال المشوق وتستحق من الجميع الثناء والتكريم

  35. أدام الله قلمك ودائما مميز استاذي الفاضل

  36. منصور الصالحي

    أحسنت وابدعت استاذ خلف

  37. سعيد علي عسيري

    أتقدم بكل الشكر لصحيفة هتون على هذا التألق والتميز الدائما

  38. أشكرك أستاذي الكريم الشكر الجزيل بارك الله فيك..

  39. مقالة مفيدة وغنية بالمعلومات والمعطيات جزاك الله خيرا أستاذي الكريم..

  40. قراءة هذا النص الجميل تشعرنا بقيم نبيلة يتمتع بها كاتب هذا المقال منها خصلة التواضع وذلك عند قوله “أعتذر أيضًا كون الصورة تنقصها جوانبَ فنية كثيرة، فعلاقتي بالتصوير الضوئي علاقة من يحب الصالحين وليس منهم”، يقول ذلك والصورة التي لتقطها صورة أكثر من رائعة لك مني كل الحب والتقدير والاحترام أستاذي الكريم..

  41. خلف سرحان القرشي أبو سعد من الطائف بالسعودية

    كل الشكر والتقدير والامتنان لكم قرائي الكرام.
    كانت وما زالت وستظل كلماتكم تاج على رأسي أفخر به وأفاخر.
    ومحظوظ أي كاتب أن يجد له قراء مثلكم يتابعونه، ويحفزونه، ويمنحونه دعواتهم الطيبة، وتمنياتهم الجميلة.
    وأرجو أن أكون عند بعض ظنكم الجميل بي وبكتابتي المتواضعة.
    والشكر موصول لصحيفة هتون الإلكترونية الموقرة وكل طاقمها الكريم.
    🌹🌹🌹

  42. بدر العساف

    الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق ان شاء الله

  43. موضي الفضلي

    مقال أكثر من رائع

  44. محمد القرشي

    لم تكن بحاجة إلى عدسة التصوير وأنت تملك كل هذا الحس بالأشياء
    حولك فتبادلها الحديث وتبعث فيها الحياة وتسخرها لنقل أفكارك ومشاعرك للآخرين
    دمت مبدعا

  45. خدوج الأحمد

    إبداع ماشاء الله

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا