العفويّة أصدق على كلّ حال

جُلّ المواقف الإيجابية إن لم يكن كلّها تمنح المرء طاقة من المشاعر الفياضة بسمو الروح وعلوّ الهدف ، فحينما تلبّي حاجة فطيم ، أو تمسح دمعة يتيم ، أو تطفئ لوعة كئيب ، أو تُؤنِس وحشة غريب ، أو تستر زلّة مسيء ، أو تنقذ مُهجة بريء ، أو تسدّ جوعةَ فقير ، أو تفكّ كربة أسير ، فأنت تقي نفسك مصارع السوء بإذن الله ، فضلاً عن الأجر والثواب الذي ينتظرك ، نهايك عن السرور الذي يتدفّق من نهر قلبك العذب ليغمر قلوب من أرويتهم بجميل تصرّفك ، وحُسن تلطّفك ، قال ﷺ: ( صَنائِعُ المعروفِ تَقِي مَصارعَ السُّوءِ … ) صحّحه الألباني ، كما أنّها تُشعر الإنسان بصفاء ذاته وإن لُمزَ بالنقص ، ونقاء صفاته وإن هُمز بالوقص ، وما له ولرأي الناس فيه ؟! ، ما دام واثقاً بما يُملي عليه ضميره الإيماني وواجبه الإنساني !. ، قال عبدالله بن المبارك رحمه الله :

يدُ المعروفِ غُنمٌ حيثُ كانت

    تحمّـــلَها شـكـــورٌ أو كـفـــورُ

ففي شكرِ الشكـــور لها جزاءٌ

    وعنــدَ اللَهِ ما كفــرَ الكفـــورُ

ورغم ذلك أرى مثل هذه المواقف لا تتأكّد صحة نيتها على الأرجح إلّا حينما تكون عفويّةً لا صنعةَ تعيبها فتشوّهها ، ولا عدسةَ تصوّرها فتشهرها ، ولا ريبةَ تسقطها فتهترها ، فما يضرّني – مثلاً – أن أميط كيس نُفايتي عن الطريق فأضعها في الحاوية بدلاً من أعدّ تصويراً مع عامل النظافة مظهراً إحساني له بالصدقة ، وإن كنت أتحرّى الأجر في الإكرام ، فمن الإحسان أن أكرمه دون أن أذلّه بلقطات تصوير أقرب ما تكون مصطنعة ، فخبيئة صلاة الليل لا تشهرها الأسحار ولا ينمّ عنها تلألؤ النجوم ، وجوع الصيام يكاد في إخلاصه يُخرس من الجوف الساغب قرقرة ، ويُفرز من الوجه الشاحب رقرقة ، ومن هرب من مُرآة الناس أنّى له أن يهرب من مُرآة نفسه متى ولجها العُجب من فعلها ، والسعيد من وفّقه ﷲ دون أن يلثمَ جميل صنيعه حتى ولو أظهره ، فجهاد النية أعظم من جهاد البدن !. قال الشاعر العباسي ابن الرومي :

وما أعجبَ المعروفَ تستر فِعله

       ولســتَ تراه الدهــرَ غير شـهيرِ

فلذا الإضمار أقرب للقبول ، وأصدق في القلوب ، وأزكى للنفوس ، والإشهار لا تدري أين يذهب بالنيّة ، وهو الذي اتُّخذَ منها مطيّة ، ولا شكّ أنّه أنضر في عيون البشر وأقرب من مُضمرٍ ساء خلقهُ ، بيد أن الاحتراز من فتنته أولى ، والاحتراس من غوايته أهدى ، والاحتباس عن تبعاته أنجى ، وقد يكون هو أنجع وأرجى في التشخيص والمداوة حين يشغل مكانه القدوة الصادقة التي لم تزل بِسَمْتِها الناس واثقة إذ لم تكن للشُّهرة يوماً مُسابِقة ، وأسوأ الشهرة وأقبحها أن تصعد على أكتاف الخلاف ، وذلك فقط لأجل الاختلاف ، قال الشاعر المغربي عبدالله الفاسي :

 ومَن يُرد شهرةً يُضـحى الخلافُ له 

      أقوى مُعينٍ على المقصودِ من حِيَلِ 

وبعد … قد تتساءل أخي القارئ الكريم ما الذي دفعك إلى كتابة هذا الموضوع ، فهيّج عندك قريحة القلم ، وحبّر لديك أسطر الورق ، فبالحرف الواحد أقول : هي ” العفويّة ” في مقطعٍ إنساني ومشهد لا يزيّفه الاصطناع يحكي ويعبّر عن منظومة اجتماعية إنسانية قبل أن تكون رياضية ، وحتى لا أحرق عليكم مشاهدته أترك لكم تفاصيله …

فاصلة منقوطة ؛

لنا ظاهر الأشـياء بدءاً ، وإنّما

    أرى صادق الأقوال يسبقها العَمَلْ

وأصدق بِرٍّ ـ حيث كـان عطاؤهُ ـ

     خـفـيٌّ وصـولٌ ليـسَ تُدركهُ الـمُقَلْ

———

إبراهيم الوابل – أبو سليمان

ibrahim7370@

الاثنين – الموافق

13 – 6 – 1440هـ

18 – 2 – 2019م

15 تعليق

  1. جواهر الشمري

    مقال متميز..

  2. فايزة الشهراني

    رائع

  3. فعلا القليل بالعفوية يكون أجمل وأصدق.

  4. مقال جميل جدا

  5. بدرية العبدالله

    بورك إبداعك أستاذ إبراهيم

  6. الأمور الصادقة دائما ما تستفز القلم المبدع

  7. بورك إبداعك أستاذنا الفاضل

  8. فعلا لفتة إنسانية جميلة جدا

  9. العفوية من اجمل الاشياء في حياتنا

  10. دائما متميز والله استاذ

  11. محمد ابراهيم

    ما احلي المشاعر الصادقة والانسانية

  12. احسنت قولا

  13. كلام جميل ومفيد جدا فعلا

  14. دائما صاحب قلم حرا

  15. ما شاء الله عليك كلام رائع

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة وسينشر فورًا