القاعة البيضاوية

لا زال الشعب يتخبط لحدّ الساعة، ويحتكم إلى عواطفه العرجاء، التي لا زالت تملي عليه كثيرًا من الأهواء، التي وجد نفسه منحازة إليها، كمن وُضِع مستقبله بين المطرقة والسندان.

القاعة البيضاوية، أو كما يروق لي تسميتها، قاعة لمِّ الشّمل، أو قاعة حشد الرؤوس، كنت زرتها ذات مناسبة سياسية قبل سنوات قريبة، أين تيقنت أن مشكلتنا كشعب اعتاد على التضامن في الأوقات الحالكة، وفي الأزمات على اختلافها، ولكن الأمر الذي لم أكن متيقنًا منه، أن يُحشَد لهذه المناسبة، من فئة بسطاء الفكر القدر الكافي؛ للاقتناع بأنها الفئة الواجب على المتتبع أن ينعتها بالهَشّة.

كنت أتساءل كغيري من الجزائريين الذين ينظرون بعين غير التي يَنظر بها من امتلأت بهم القاعة، على أمل أن يلمحوا بعد قليل من الأيام على شاشة التلفاز، أو يسمعونها من إحدى إذاعات الجمهورية، ولما لا، يقرؤونها على صفحات الصحف التي يتردّدون على الأكشاك، بُغيَة اقتنائها كلّ صباح، من سيؤدي اليمين بعد انتهاء السباق، والإعلان عن اسم المترشّح الفائز؟ إلا أني أصل إلى قناعة كل يوم، أن الشّعوب التي ألفت مُداراة ألمها، وغضبها، ورفضها لواقع لا يليق بها، هي الشعوب التي لا تطمح للتغيير، بل هي نفسها التي لن تنتصر بداية على ضعفها وتتغلّب على جُبْنها وخيبتها.

الجميع بات متيقنًا، من أن غمامة سوداء هي كلُّ ما تمرُّ به البلاد، ولا ريب في أن يتهاوى بناء شيدته أيادٍ لم تصن نفسها، وشعبها المقهور من الزلاّت والوقوع في المحظور، الجميع سيقف وقفة صمت، بعد أن ولَّى نصف القوم وجوههم شطر الاستقامة، والبقية المتبقية ممن يسهُل جرّهم شطر الاعوجاج السياسي، آملين فيما لا يُؤملُ فيه، كأنهم يُقرُّون بعظمة لسانهم، إنه الفساد بعينه جهارًا نهارًا.

أمِنَ المنصف أن نزيد على من أرهقته سنوات طويلة من الحكم، ونناشده، كالغريق يناشد ويستنجد بغريق آخر؟!

أم أنه مِنَ الحِكمة أن نتشبّث بشراعِ سفينةٍ رُبّانُها لم يعد يقوى على القيادة، في حين لم تخلُ البلاد من أبنائها البارّين بها؟.

وقد كتب أحدهم “كم هو مؤلم أن تكون يد الفأس التي ستقطع الشجرة، من الشجرة نفسها “والجزائر تعيش هذا الواقع بشحمه ولحمه وعضمه، لتبقى مسألة الاحتكام أمرها عند ربها، أم إلى الشّعب مسلوب الإرادة مردُّها، أم إلى الصندوق، أم صانعه، أم حامله، أم حارسه، وكلهم في الهواء سواء؟.

الكاتب الجزائري/ طارق ثابت

26 تعليق

  1. ابن المملكة

    ممتاز

  2. بدر العساف

    الشكر لصحيفة هتون بالتوفيق ان شاء الله

  3. محمد الراشد

    شئ جيد للغايه

  4. عبدالله العفيفي

    جزائرنا في الطريق الصحيح وستذخل بإذن الله إلى نادي الديمقراطيات في العالم شكرا جزيلا لك أستاذ طارق ثابث..

  5. تركي الصالح

    الجزائر بلد المليون شهيد لها من التجربة الكافية لتعبر هذه المرحلة العصيبة موفقين بإذن الله..

  6. حامد الخاوزمي

    سلمت يداك

  7. جواهر الشمري

    الشّعوب التي ألفت مُداراة ألمها، وغضبها، ورفضها لواقع لا يليق بها، هي الشعوب التي لا تطمح للتغيير، بل هي نفسها التي لن تنتصر بداية على ضعفها وتتغلّب على جُبْنها وخيبتها.
    صدقت فمن يداري ألمه لا يمكن أن ينتصر!

  8. فايزة الشهراني

    “كم هو مؤلم أن تكون يد الفأس التي ستقطع الشجرة، من الشجرة نفسها“ والمؤلم أكثر أن هذه الشجرة تحتاج لهذه الفأس تحديدا كي تستعيد دورة حياتها.

  9. بدرية العبدالله

    مقال متميز

  10. ذهبة الداود

    سلمت يداك أستاذنا

  11. موضي الفضلي

    مبدعون كالعاده بالتوفيق

  12. هنا بين السطور والكلامات اجد نفسي

  13. يد الفاس التي تضرب وتقطع الشجرة كانت ذات يوم احد اغصانها فعلا هذا هو قمة الالم

  14. احسنت استاذ طارق

  15. احسن الله اليك استاذة مروة ولكل من شاركنا هذا المنشور المتواضع .

  16. احسن الله اليك استاذة مروة ولكل من شاركنا هذا المنشور المتواضع .

  17. خدوج الاحمد

    سلمت يداك بالتوفيق ان شاء الله

  18. بدرية العبدالله

    أحسنت أستاذنا المبدع طارق.

  19. سلمت يداك أستاذنا

  20. هدى المسعود

    أحسنت أستاذ طارق..

  21. الشّعوب التي ألفت مُداراة ألمها، وغضبها، ورفضها لواقع لا يليق بها، هي الشعوب التي لا تطمح للتغيير، بل هي نفسها التي لن تنتصر بداية على ضعفها وتتغلّب على جُبْنها وخيبتها.

    للأسف حقيقة لا ندركها إلا متأخرا جدا

  22. ألهم الله الشعب الجزائري رشده.

  23. طلال العطا الله

    مقال رائع

  24. صالح اليوسف

    للأسف تنتظر الشعوب أن يمثل صوتها في القاعة البيضاوية دون جدوى، وتسأل كذلك دون جدوى ما البديل؟!

  25. دائما ما تضع يدك على صلب الموضوع أستاذنا.

  26. شريف إبراهيم

    رائع كالعادة

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.

15 − ثمانية =