المتابعة أم إدارة الجودة

توجد في قطاعاتنا الإدارية -على اختلاف أنشطتها واختصاصاتها ومهامها- إدارة مختصة بعملية المتابعة أو الرقابة، وهي -في أغلب الأحيان- موكلة إلى إداريين ليس لهم عمل تقني، وهذا يدفعهم إلى العمل على متابعة الشأن الإداري الصارم، دون الدخول في صلب العملية المهنية، خصوصًا في الإدارات ذات الطبيعة الفنية والمهنية، فتجدهم أول مايبحثون عنه في مهامهم دفاتر الحضور والانصراف، وهذا أمر مطلوب إلى حدٍ ما، ولكن ماةزال للحديث بقية.

دعوني أذهب قليلاً إلى حديثٍ آخر، ويليام إدوارد ديمينغ، رجل أربعيني في أربعينيات القرن الماضي، أستاذ جامعي، اهتم كثيرًا بشأن الجودة، وابتكر نمطًا إداريًّا جديدًا (المسمى بإدارة الجودة)، حيث نصت نظريته على أربع خطوات في عملية الصناعة منها (فحص المنتج)، واجه ديمينغ معضلة القبول، فقد كانت ترفضه المنظمات الأمريكية -وكان أمريكيا- ، ولم يتسنَّ له النجاح بسبب مقاومة الفكرة لا بسبب الفكرة نفسها، وبعد هذا الإحباط الذي ألم به، أتته من حيث لا يعلم فرصةٌ قادمةٌ من الشرق، من أرض اليابان، فانتهزها وسافر إلى طوكيو، ليبدأ حياته الجديدة مع منظمات أقصى الشرق والتي احتفت به، فما لبث سنوات حتى أسست حكومة اليابان جائزةً باسم (ديمينغ) للمنظمة التي تحصل على الجودة المثلى، فتفوقت بذلك منظمات اليابان على منظمات أمريكا الصناعية.

إن عجلة الزمن والمتغيرات سريعةٌ جدًّا، والفكر التقليدي لا يلبث أن يعتريه الهِرَم، فينسلخ تاركًا الساحة لغيره، كجلد ثعبان، أو كرجل يصيبه الهِرم فيورث العمل لأبنائه، وعدم إدراك ذلك سيتسبب -بلا شك- في تعثر العمل، أو في تعثر السير، أو حتى في حالة التخلف التي تصيب المنظمات فتخرجها من دائرة المنافسة.

إن النمط التقليدي الهَرِم في إدارات المتابعة لم يعد قادرًا على ضبط العمل وتوجيهه، فليس الحضور وحده ضامنًا للجودة، ولا الانصراف المتأخر يعني الإتقان في العمل، بل أصبح من دواعي إنجاز الأهداف، تدقيق وفحص العملية الفنية، والدخول في تفاصيلها، وإدارتها بالشكل المطلوب، وهنا يكمن دور المتابعة الحديثة.

بقلم: د/ سلطان المطيري

14 تعليق

  1. شكرا لحضرتك دكتور سلطان، فدائما ما تتطرق إلى مواضيع إدارية مهمة تواكب جديد العصر.

  2. مقال متميز كعادة زاوية شابيب.

  3. رائع هذا الارتقاء بالفكر في إدارة العمل.

  4. إن عجلة الزمن والمتغيرات سريعةٌ جدًّا، والفكر التقليدي لا يلبث أن يعتريه الهِرَم، فينسلخ تاركًا الساحة لغيره.. جملة معبرة عن حقيقة الوضع.

  5. طلال العطا الله

    بورك فكرك دكتور سلطان!

  6. فتفوقت بذلك منظمات اليابان على منظمات أمريكا الصناعية.
    فمتى تتفوق أوطاننا العربية وتستفيد من التجارب النافعة في بقية الدول؟

  7. بدرية العبدالله

    مقال متميز جدا

  8. إن النمط التقليدي الهَرِم في إدارات المتابعة لم يعد قادرًا على ضبط العمل وتوجيهه، فليس الحضور وحده ضامنًا للجودة، ولا الانصراف المتأخر يعني الإتقان في العمل.. صدقت دكتور سلطان!

  9. شريف إبراهيم

    فعلا يجب أن نهتم بالإنجاز وجودته أكثر من اهتمامنا بالحضور والانصراف.

  10. جواهر الشمري

    مقال مهم جدا.

  11. سلمت يداك دكتور سلطان

  12. فايزة الشهراني

    مقال رائع كما عودتنا دكتور سلطان، طابت أوقاتكم بكل خير.

  13. زمزم

  14. فعلا الجوده مقیاس حقیقی

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.