من وحي سورة يوسف: ​​​​الغربة والاغتراب بناء وترقي! (١-٢)

المتأمل في سورة يوسف عليه السلام، يلاحظ أن يوسف نال العزة والجاه، والسيادة والمنصب، والعلم اللدني بعد أن رحل مرغمًا لا مختارًا عن أهله وديرته، ونشأ مغتربًا في أرض جديدة، مع وبين أناس غرباء.

وهذا أمر شائع نجده يحدث مع بعض الأنبياء؛ وفي مقدمتهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فبعد أن أخرجه قومه من مكة؛ أحب البقاع إلى نفسه الشريفة، ويمَّم وجهه تلقاء يثرب، كتب الله له ولأصحابه المهاجرين معه، والأنصار النصر المبين والتمكين.

 وسيدنا موسى عليه السلام عندما رحل من مقر إقامته؛ هاربًا من القوم الظالمين، حظي بزوجة يسكن إليها، وحصل على عمل يقتات منه، ونال فرصة إعداد وتدريب مهمة؛ ليكون أهلًا لتبليغ الرسالة العظيمة التي كُلف بها، رسولًا إلى بني إسرائيل، ومحررًا لهم من اضطهاد آل فرعون، والأهم من ذلك تلقي كلمات الله عز وجل.

وفي رحلته عليه السلام بحثًا عن العبد الصالح (الخضر عليه السلام)، ومصاحبته له؛ تعلم منه وعنه الكثير.

وأبو الأنبياء سيدنا إبراهيم حلّ وارتحل، ونوح، ولوط، وصالح، وذا النون عليهم جميعًا سلام الله، هاجروا ورحلوا عندما اقتضت الظروف الزمانية والمكانية منهم ذلك.  

والمقولة الشهيرة (لا يُكرم نبي في قومه / وطنه تنسب لسيدنا عيسى عليه السلام.

ومن المقولات المعتبرة في هذا السياق قولهم: (زامر الحي لا يطرب)!

وكثير من القادة والعظماء والنجباء والعباقرة، قديمًا وحديثًا من مختلف الشعوب والملل والأديان، قُدِّر لهم الإنجاز المتميز، والبروز الفريد، والشهرة البالغة، بعد أن اتجهت بهم بوصلاتهم صوب مناطق ومدن ودول أخرى، غير تلك التي ولدوا فيها، ونشأوا بها.

ألم يبرع كثير من علماء العرب في مجالات عدة بعد أن حزموا حقائب سفرهم باتجاه الغرب؟ الدكتور أحمد زويل، والدكتور مجدي يعقوب نموذجا.

وليست الهجرة المباركة دائمًا باتجاه الشمال، وليس من الضروري أن تكون نحو التخوم المتفوقة علميًا، ومدَنيَّة، أو باتجاه المروج الخضراء، والمياه الوفيرة، والوجوه الحسينة، والعيون الزرقاء، بل قد تكون إلى صحاري مقفرة، ومفازات عميقة مثل ما رحل كثير من المستشرقين إلى صحارى الجزيرة العربية، وقضى فيها أغلبهم جل حياته، ومنهم من أسلم وتزوج وأَلفَ، ورضي بها مقامًا، واستبدل بأهلها أهله، ولنا في محمد أسد ؛ ليوبولد فايس سابقًا “مثالًا يُحتذى.

موحد هذا الكيان العظيم الملك عبد العزيز آل سعود أجبرته الظروف على الرحيل مع والداه رحمهما الله إلى الكويت، وعاد من تلك الغربة، وصنع معجزة تفوق الوصف باستعادة ملك آبائه وأجداده، وإنجاز مشروع الوحدة الكبير، وبناء المملكة العربية السعودية؛ دولة يشار لها بالبنان.

والرواد الطلائع من شباب هذا البلد الذين أسهموا بشكل فاعل في نهضته وبنائه حضاريا، هم فئة من النابغين الذين ابتعثتهم الدولة قديمًا للدراسة في الغرب، وعادوا متسلحين بالعلم والمعرفة والأدوات، وتسنموا مناصب قيادية، ووزرات عدة ومنهم -مع حفظ الألقاب والدعاء لهم – عبد العزيز الخويطر، غازي القصيبي، أحمد زكي يماني، محمد عبده يماني، هشام ناظر، … وغيرهم، ولهم فضل في إنشاء وبناء، وتكوين وهيكلة وتطوير كثير من مؤسسات الدولة.  

وعاد مشروع ابتعاث الشباب السعودي إلى الحياة مجددًا منذ سنوات، بتوجيه حكيم من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، وما زال المشروع مستمرًا، ويحظى باهتمام وعناية خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين، ومنَحَ المشروع الفرصة لابتعاث الفتيات أيضًا، وذلك إيمانًا من القيادة بأهميته وجدواه، ونفعه للوطن ومواطنيه، ويكفيه فخرًا أنه يحمل اسم (مشروع خادم الحرمين الشريفين للابتعاث)!.
والرواد في مصر وغيرها من البلدان العربية في مجالات عدة كانوا قد درسوا في جامعات غربية وشرقية، وعادوا فاعلين ومؤثرين في بناء أوطانهم وتحديثها (رفاعة طهطاوي، محمد عبده … وغيرهم كثير).

الرحلة تصنع الرجال، والغربة تمحص معادنهم أيما تمحيص. والهجرة فرصة لاكتساب مهارات جديدة، ومعارف مختلفة يوسع بها الإنسان من آفاقه المعرفية، وخبراته المهارية. والسفر يُسْفِرُ عن قدرات الشخص وإمكاناته، ويفجر طاقاته، ويجعله دومًا في حالة تحدٍ فعال.

ولعل من أجمل ما قيل في هذا المعنى، أبيات للإمام الشافعي رحمه الله يقول فيها:

ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدبِ

مِنْ رَاحَةٍ فَدعِ الأَوْطَانَ واغْتَرِبِ

سافر تجد عوضًا عمَّن تفارقهُ

وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ

إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ

إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ

والشمس لو وقفت في الفلكِ دائمةً

لَمَلَّهَا النَّاسُ مِنْ عُجْمٍ وَمِنَ عَرَبِ

وبما أننا استشهدنا بأبيات للشافعي، فمن المناسب أن نشير إلى أن الشافعي نفسه شأنه شأن كثير من طلبة العلم – قد هاجر وسافر وارتحل أكثر من مرة طلبًا للعلم، ونجد في سيرته الذاتية أنه ولد في غزة، وانتقلت به أمه إلى مكة وعمره سنتان، وهاجر إلى المدينة المنورة طلبًا للعلم، ثم ارتحل إلى اليمن، وعمل فيها، كما أنه سافر إلى بغداد، ثم عاد إلى مكة، وإلى بغداد ثانية، وأخيرًا سافر إلى مصر وتوفي بها رحمه الله.

وفي نفس السياق قال الشافعي أيضًا هذه الأبيات، وإن كان البعض ينسبها لغيره:

فالعنبر الخام روث فـي مواطنـه

وفي التغرب محمولُ على العنـق

والكحل نوع من الأحجار تنظـره

في أرضه وهو مرمي على الطرق

لما تغرب حـاز الفضـل أجمعـه

فصار يُحملُ بين الجفـن والحـدق

في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، وأذن لنا بالبقاء واللقاء، أستكمل معكم أعزائي القراء الحديث في هذا الموضوع .. سائلًا الله المنعم لي ولكم العون والتوفيق والسداد.

☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦☘️🇸🇦

بقلم الكاتب والأديب العربي/ خلف بن سرحان القرشي 

64 تعليق

  1. أبدعت كاتبنا في الإسقاط والمقاربة كعاتك.

  2. ابن المملكة

    مقال رائع جزاك الله خيرا

  3. د محمد ايهاب الرافعى

    مقال ممتاز فعلا
    الهجرة وفوائدها

  4. محمد الراشد

    وإِذا رأيْتَ الرزقَ ضاقَ ببلدةٍ … وخشيتَ فيها أن يضيقَ لا مكسبُ
    فارحلْ فأرضُ اللّهِ واسعةُ الفضا … طولاً وعَرْضاً شَرْقُها المغربُ
    علي بن أبي طالب

  5. حامد الحازمي

    شكرا صحيفه هتون جزيتم خيرا

  6. خدوج الاحمد

    هاجرت يا خير خلق الله قاطبةً
    من مكةً بعد ما زاد الأذى فيها

    هاجرت لما رأيت الناس في ظلم
    وكنت بدرا منيراً في دياجيها

    هاجرت لما رأيت الجهل منتشراً
    والشر والكفر قد عمّا بواديها

    هاجرت لله تطوي البيد مصطحبا ً
    خلاً وفياً .. كريم النفس هاديها

    هو الإمام أبو بكر وقصته

  7. مقال رائع جزاك الله خيرا

  8. لازم الإنسان يكون على يقين أن ما في أفضل من إختيار ربنا ليك

  9. دة درب الصالحين السعي في الأرض

  10. اية السر في ان كل العظماء يتفوقون خارج أراضيهم

  11. ماذا ينقص العرب حتى يتمكنوا من التقدم والعالم يكون مرجع لنا في العلم

  12. عبدالله الطيب

    اشتيار ممتع

  13. رائع أستاذ خلف

  14. الكاتبة إبتسام عرفي

    أبدعت استاذ خلف

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.