عُشُّ الْغُرَابِ

ليلةٌ حَالمة
زَغاريد
رُومانسية تَقبعُ خلفَ أَسوارِ تلك القَاعةِ
الحمراء
أَعين تترقبُ الحضورَ الفَريد لأميرِ
هذا الزمَن
الأطفالُ يَرقُصونَ على أَوتارِ البراءةِ
بالثِيابِ الجَدِيدة
والقَهوةِ العَربِيـَّة الأَصِيـلة فِي قَبـْضَةِ
ذاك الشَّابِ الأسْمر تُصَافِحُ يدَ كُلَّ
وَجـْهٍ جَديد يَدخُل إلى أَحْضانِ
تِلكَ القَـاعةِ
المِبْخَرةُ تَزفُـر مافِي جَوفِهَـا
مِنَ الطِيبِ الثَـمين حَتى زَادت
مِن روعَـةِ المِكانِ
حَضَر العَرِيـْسَ
يَمتطِي صَهْـوةَ مَوكِبهِ الفَاخِر
يُمْسِكَ بِلجَام التَفاؤل
والحُلمَ الذِي قَارَبَ
الحَقِيـقَة
يَخطُو عَلى مَهلٍ
وَأخذت أَضْواءَ الكامِيرات تَلتقِطُ
تِلكَ الإبْتسَاماتِ الوَاثِقة
تَنحى الجَميعُ عَن الطَّريقِ
حتى وَصَل لِكُرسِيه
الذَّهبِي
وبَدأ دَويُ البَنادِقِ يُقطُّع أشْلاءَ
الفَضاءِ مُعلناً بِدء مَراسِم
الحَفل.

أخَذ العَريس يَسْتقبِل قَوافِل المُهنئِين
ويُصافِحهُم بِكلِّ امتِنان ومَحبةٍ ويُقدرُ
لهُم مَجِيئهَم رغْمَ طُولِ المَسافَات
ويَبتسِم مَع هَذا ويُلاطِف ذَاك
ولَمحَ العَرِيس طَائراً أسْوداً يجُوبُ القَاعة ويَقطعُ الصُفوفَ المُهنئةَ حتى وصَل إليه
واحْتضَنهُ وهو ينعقُ مُتمتِماً:

كُن كصَوتِ الرعْدِ حِين
مُناداتِها
وكُن كالرِّيح عاصِفةً تَهابُ
قُدومك
ولا تَصفَح أو تَغُضَّ طَرفاً
عن زلاَّتِها
ولا تزد المَديح لها فَتُغرقهَا
بِجُودك

استغربَ العَريسُ ذلكَ التَّصرفَ الغَريب وتلكَ الكلِماتَ التي لَم يَعهدها
حتى قَاطعهُ آخرَ قَائِلاً:

نحنُ قومٌ نَعدُّ النِساءَ سَقْطَ
مَتَاع
ونَسْتبدِلُ في الدهْر الواحِدةَ
بإثْنتينِ
وترَانا في الخَلواتِ كالأسُود
جِياع
وأنتَ شبلٌ ثائرٌ تملك
الخِصْلتينِ

واجتَمعَ مِن حَولِه سربُ الظَلام وأخَذت تتَلقفُه أجْنحةَ الغِربان حتى قَال آخر ناصِحاً :

لا تُفشِي لذات الحُسن
سِراً
فمُقدمي الأخْبَار أَكثرُهم
نِساءُ
ولاتُمطِر عِبارات الغَزَلِ
جَهراً
فتَرتقبُ غَيثكَ كلما حلَّ
جَفاءُ

أحَاطَت بالعَريسِ سَحابةً سَوداء عَظِيمةً لَم تَنقشِع
حَتى صَاح مُنـَادياً أحدُهم أن هَلموا إلى العَشاء ياكرام

استَغرقَ العَريس بالتَفكِيرِ وهَام في التَّأويلاتِ وأخَذ يتأملُ في عُيونِ الحَاضرين،ويَسمعُ قَرعَ المَلاعِق تدُق طبُولَ الصُحون وسَقط مِن جُندِ التَفاؤل العَدد الكَبير
واخْتل حصْن فِكره المَنيع، ثُم غَادرَ العرِيس إلى العُش مُحملاً بأغْصانِ النَّصائِح الجَديدةَ لِيبنيَ به (عُش الغُرابِ)ويَهدمَ مابَناهُ بِأحْلامِه مُهملاً تَفاصِيلَ ذَوقِه وحَقيقة مشَاعِره تجَاه عُشه البَريء الذي يَفتقدُ إلى أدَنى دَرجَاتِ القُوةِ ومُقَوماتِ الثَبَات كَما أوهَمُوه

وبَعد مُرورِ عَـام على الزَواج

اسْتوديُو في آخر الحَي وبِداخِله غرفةٌ مُظلمة نورٌ خافت
كاميرات تترقب ومذيعةٌ تتأهبُ وحُقوقِيات ومُخرجٌ مَاهر وفَتاة بِوشاحٍ أسْود تَتحدث بِحسرةٍ عَن سَببِ إنْفِصَالِها عن زَوجِها
المُذيعة: مَاذا فَعل بكِ أيَّتها المِسْكينة
الزوجَة:
كان يَضربُني ودُموعه تَملأ المُقل
يَشتمني ويَهرع لِحُضْني كالطِّفل
ويَهجرني ليلاً ويَنامُ عِندَ بَابِي
كانَ بَرِيئاً
وكانَ يَرتَدي الكَثيرَ مِنَ الأقْنِعةِ التي لاتُشْبهه
ويَتقمَّصُ أدواراً تَعودُ إلى العُهودِ القَديمة
كان يُريدُ إِقنَاعي
وكنتُ أتَظاهرُ بِذلك
حتى قَرَّر أن يَرحل
المُذيعة: وهَل رفعتي دَعوةً قَضائِيةً ضده؟
الزَوجة : كلا
فَقط أريدُ أن يَعود إليَّ
وَقتها سَأقتلع بِيديَّ تِلكَ الأغْصان
السَّامة، وسَنقومُ بَتغييرِ أَثاث العُش مِن جَديد
حِينَها سَيكونُ هُو (سَيِّدي) وسَأبقَى في عَقْلِه
(ملكة).

وصُول…
فِي بِدايةِ رِحْلتكَ الزَوجية اركَب قَارَب قَناعَاتِك
وذِراعَيك هي مِجدافك وارْتدِ سُترةَ الهيامِ وأبَحرْ في مُحيطِ العِشقِ وأدِر دَفَّتك بِنفسك وكُن أنتَ
(الرُّبان)….

 

بقلم/ ماجد الحربي

11 تعليق

  1. ماشاءالله كاتب مبدع أستمتعت بكل حرف قرأته روايه هادفه وطرح جميل بارك الله فيك أخي الكاتب

  2. ماشاء الله ابداع في التصوير وافكار وكلام محاكي للواقع
    مبدع ايها الكاتب الفذ ،،، استمر وفقك الله،

  3. صراااااحه مقال ممتع ويحكي عن قصص واقعيه في مجتمعنا
    مثل هذه المقالات العظيمه في طرحها تتلاشى الأفكار القيمه
    للإمام يا استاذ ماجد

  4. تصحيح على التعليق الماضي تتلاشى الأفكار القديمه للتوضيح

  5. الله الله الله
    لازلنا نسكر من كأسك

  6. سلمت أناملك مبدع كالعادة ومتجدد كالبدر..
    كاتب لاتمل من قراءة ماتخطه يداه ولاتكل من مجالسته
    تحياتي لشخصك الكريم أبا البراء

  7. ماشاء الله تبارك الله لا فض فوك مبدع يابو البراء والى الامام يارب ولديك الأجمل اصبح هذا الركن من الصحيفه مطلب اصحاب الذوق بداية كل اسبوع ❤️

  8. مقال روائي جميل ، فكرة مهمة ومعالجة عظيمة للفكرة ، أنت كاتب مهم

  9. لا فُض فوك وكن أنت الربان مقال روائي جميل يحمل أهداف قيمة
    بارك الله في قلمك .

  10. عبدالرحمان الاشعاري

    كم نحن في حاجة إلى الكتابة السردية إنها تنعش وتروض العقل والوجدان معا.. شكرا لك أستاذي الكريم..

  11. إمتاع حد الإشباع سرد رائع لمشكله اجتماعيه بارك الله فيك وبقلمك

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.