لماذا فشل مجلس المنافسة في ضبط السوق الوطنية في المغرب؟

لم تعد هناك مادة من مواد الاستهلاك الأساسية (الدقيق والخبز والسكر والزيت والحليب والخضر والفواكه والأسماك واللحوم وما سواها)، أو سلعة من السلع، أو مصلحة ذات طبيعة خدماتية عمومية أو خاصة، إلا واشتعلت نار أسعارها اشتعالا، دونما اعتبار يذكر لدخل المواطنين البسطاء وقدرتهم الشرائية، وهو ما نتج عنه تشديد الخناق على شريحة واسعة من أبناء الشعب وخاصة أولئك المنحدرين من الأسر التي لا تتوفر إلا على دخل محدود أو منعدم.

تحقيق/عبدالرحمان الأشعاري/المغرب

وضعية أجبرت الحكومة على الخروج من صمتها واتخاذ إجراءات وصفت بالمتخبطة والمترددة، يائسة وغير قادرة على حماية المستهلك والمنتج على السواء، أهم معالمها قصور في فرض شفافية دورة التوزيع وتطبيق قانون الأسعار والمنافسة والتي تمثل فيها أسواق الجملة التجلي الواضح لهذا التخبط والتردد والاضطراب.

 غلاء في المعيشة

تعرف أسواق الجملة فوضى وتسيب عارمين على جميع المستويات، تساهم بشكل مباشر في ارتفاع الأسعار، والتسبب بالتالي في تفاقم موجة الغلاء في المعيشة التي تضرب القدرة الشرائية لشرائح واسعة من الشعب المغربي، وخاصة أولئك المنتمين للأسر الضعيفة والمتوسطة.

فوضى وتسيب تتجلى مظاهرهما في التضارب الكبير المسجل في أسعار المواد الغذائية بسبب ضعف المتابعة والمراقبة الذي تقلص إلى مستوياته الدنيا، وجعل أسعار المواد الغذائية تتأثر بشكل كبير، مسجلة بذلك زيادة صاروخية، فيما شهدت المنتجات غير الغذائية هي الأخرى زيادات بنسب متفاوتة، ما أدى حسب بلاغ للمندوبية السامية للتخطيط المغربية توصلت “هتون” بنسخة منه، إلى ارتفاع كلفة المعيشة وبلغ معدل الأسر التي صرحت بتدهور مستوى معيشتها خلال الفصل الرابع من العام 2018، 41.2%، فيما اعتبرت 31 % منها استقراره  و27.8 % تحسنه. وهكذا، استقر رصيد هذا المؤشر في مستوى سلبي بلغ ناقص 13.4 نقاط مسجلا بذلك تدهورا سواء بالمقارنة مع الفصل السابق أو مع نفس الفصل من العام الماضي حيث سجل ناقص 9.5 نقاط وناقص3.8 نقاط على التوالي.

أما بخصوص تطور مستوى المعيشة خلال 12 شهرا المقبلة، فتتوقع 25.7 % من الأسر تدهوره و39.6 % استقراره في حين 34.7 % ترجح تحسنه. وهكذا بلغ رصيد هذا المؤشر 9 نقاط عوض 11.9 نقطة خلال الفصل السابق و11.5 نقاط خلال نفس الفصل من العام الماضي.

وفيما يتعلق بمستوى البطالة ذكرت المندوبية السامية للتخطيط في بلاغها، أن  78.8 % من الأسر مقابل 8.8 % توقعت خلال الفصل الرابع من العام 2018، ارتفاعا في مستوى البطالة خلال 12 شهرا المقبلة، وهكذا استقر رصيد هذا المؤشر في مستوى سلبي بلغ ناقص 70 نقطة، مسجلا بذلك تراجعا سواء بالمقارنة مع الفصل السابق أو مع نفس الفصل من العام الماضي حيث سجل ناقص 65.2 نقطة و ناقص 58.5 نقطة على التوالي.

وبالنسبة لأسعار المواد الغذائية يضيف بلاغ المندوبية السامية للتخطيط المغربية، صرحت 90.4 % من الأسر خلال الفصل الرابع من العام 2018، بأن أسعار المواد الغذائية قد عرفت ارتفاعا خلال 12 شهرا الأخيرة، في حين رأت 0.1 % فقط عكس ذلك، وهكذا استقر رصيد هذا المؤشر في مستوى سلبي بلغ ناقص 90.3 نقطة عوض ناقص 88.1 نقطة خلال الفصل السابق وناقص 88.5 نقطة خلال نفس الفترة من العام الماضي.

أما بخصوص تطور أسعار المواد الغذائية خلال 12 شهرا المقبلة، فتتوقع 86.9 % من الأسر استمرارها في الارتفاع في حين لا يتجاوز معدل الأسر التي تنتظر انخفاضها 0.3 %. وهكذا استقر رصيد هذه الآراء في مستوى سلبي بلغ ناقص 86.6 نقطة، عوض ناقص 82.1 نقطة المسجلة خلال الفصل السابق وناقص 79.6 نقطة المسجلة خلال نفس الفصل من العام الماضي.

وهكذا سجلت أسعار القمح مستويات قياسية، جعلت مصادر مهنية تحذر من كارثة تراجع نسب تزويد السوق المغربية بالقمح اللين والصلب، نتيجة ضعف المحصول وارتفاع الأسعار دوليا، بالإضافة إلى ارتفاع الرسوم الجمركية، وهو ما أدى حسب بعض المتتبعين إلى ارتفاع ثمن الدقيق. كما سجلت أثمان السكر والحليب العادي وحليب الأطفال والأسماك زيادات، ووصل سعر السردين إلى 20 درهما، وسط توقعات تجار الجملة بأن ترتفع الأثمان أكثر فأكثر خلال الشهور القادمة.

فشل في مراقبة الأسعار

بسبب ضغوط دولية وتحديدا صندوق النقد الدولي، أجبرت حكومة سعد الدين العثماني على الالتزام بقواعد المنافسة الحرة المتعارف عليها دوليا، بشكل واضح وميسر، فانخراط المغرب في مسلسل العولمة الاقتصادية واستقدام مستثمرين أجانب لا يمكن أن يمر إلا من خلال هذه البوابة، وهو ما حتم على المغرب في يونيو من العام 2001، تفعيل قانون حرية الأسعار والمنافسة، بغية إعطاء إشارة مطمئنة للمستثمرين المغاربة والأجانب وحماية المنتج والمستهلك معا من التجاوزات المحتملة.

وفي هذا السياق يأتي دور مجلس المنافسة الذي استهدف من خلال المبادئ العامة التي أسس عليها، تنمية المعاملات الاقتصادية والتجارية في إطار شفاف ونزيه، وطمأنة المستهلك والحرص على إظهار الأسعار بموازاة مع العمل على تحريرها وضمان حرية دخول السوق.

ويبدي المجلس مبدئيا وجهة نظره في مختلف الشكايات التي يتوصل بها، ويرفع تقاريره وتوصياته حولها لرئيس الحكومة، كما يبدي وجهة نظره ومشاوراته أيضا في مختلف النصوص القانونية التي من شأنها أن تخل بقانون المنافسة الحرة، غير أن الطابع الشكلي الذي يتحدث عنه بعض المختصين ميز مهام المجلس منذ تأسيسه، وحوله إلى مجرد مجلس مشلول وفاقد لكل آليات العمل، ولذلك كان من الطبيعي أن يفشل في عملية مراقبة الأسعار وفرض إشهار اللوائح بالمحلات التجارية والأسواق، كما فشل في رصد بعض التجاوزات التي لحقت بحرية المنافسة، من قبيل الصفقات العمومية والامتيازات والتفويتات المخولة لبعض المستثمرين الخواص، كما عبر عن عجزه في الكثير من المناسبات إزاء قضايا عرضت على المحاكم.

المجلس الذي يتكون من ممثلين إداريين وخبراء وممثلين عن قطاع الإنتاج تم تكبيله إذن بدور استشاري، وإلزامه باتباع عدد من الضوابط الإجرائية التي حدت من فعاليته، وحولته إلى مجلس عاجز عن البث في عدد من الخروقات التي رفعت إليه، على الرغم من أن الجهات الرسمية عبرت في أكثر من خطاب على ضرورة حماية المستهلك وضبط الأسعار للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين والضرب على أيدي المضاربين والمتلاعبين في السوق ومستغلي الامتيازات.

قصور المجلس في القيام بكامل أدواره، أدى بشكل مباشر إلى تراجع مؤشر ثقة المستهلك – حسب بحث أجراه “بيت كوم” الذي يعد أكبر موقع للتوظيف في شمال إفريقيا والشرق الأوسط – في المغرب بنسبة 7.6 نقطة، مقابل 2.7 نقطة في الجزائر، و1.9 نقطة في مصر، و7.9 في لبنان. 

إجراءات حكومية محدودة

لم يكن تفعيل مجلس المنافسة سوى إجراء ينضاف إلى العديد من الإجراءات الأخرى التي اتخذتها الحكومة من أجل الحد من أزمة ارتفاع المواد الغذائية وخاصة منها الأساسية، وضبط السوق الوطنية ومحاربة الغش والوسطاء والمضاربين والمتلاعبين بالعملية التجارية.

إجراءات تأكد للعيان أنها محدودة شكلا ومضمونا، ومتقادمة ولا تساير على الإطلاق التطور الكبير الذي تعرفه معاملات السوق الوطنية، فإجراء من قبيل إصدار التعليمات لزجر أي محاولة للغش أو المضاربة أو حث الباعة بالجملة أو بالتقسيط على إشهار أسعار بعض المواد الأساسية وحذف بعض الرسوم المطبقة خاصة تلك المتعلقة بالخضر (البطاطا والطماطم والبصل)، والتدخل للحد من المضاربات والوسطاء، كلها عمليات تتم بواسطة آليات غير ناجعة وغير قادرة على توفير الحماية للمستهلك الذي تدهورت قدرته الشرائية، علما أن تحسين القدرة الشرائية للمواطنين يعتبر من أهم أولويات الحكومة حسب ادعائها الرسمي، على اعتبار أن له تأثير مباشر في الرفع من مستوى عيش المغاربة وتحسين صورة البلاد والعباد في الداخل والخارج، مما يؤدي إلى ارتفاع الطلب وارتفاع معدل التنمية الاقتصادية التي من شأنها امتصاص أزمة البطالة عموما وبطالة الخريجين من حملة الشهادات على وجه الخصوص. لقد التزمت الحكومة الحالية والتي قبلها، في تصريحها الأخير وعلى لسان رئيسها بوضع تدبير عقلاني للمقاصة حتى تستفيد منه الفئات التي تستحقها، أي العائلات ذات الدخل المحدود والفئات المعوزة، وذلك في انتظار وضع التدابير التعويضية التي تهدف إلى الرفع من مداخيل هذه العائلات، كما التزمت وفي ذات التصريح بالعمل على تكريس قواعد المنافسة من أجل حماية المستهلك، وتوجيه الإنتاج والتسويق نحو التنوع والجودة وانخفاض الأسعار، والتحرير التدريجي لبعض الخدمات العمومية من أجل تحسين تنافسيتها والحد من تكلفتها وأثمانها، كالنقل والطاقة وتوزيع الماء والكهرباء، غير أن كل هذه التطمينات ظلت حبرا على ورق وعبارة عن متمنيات، إذ استمرت أسعار المواد الغذائية وغيرها من المواد الأخرى في التضاعف، وتضاعفت معها أعباء وهموم المواطن البسيط الذي فقد كل الثقة في المؤسسات الحكومية وأضحى ينشد الحل من خارج الدوائر الرسمية.

 

33 تعليق

  1. م.خالد عبد الرحمن

    لابد من اجراءات رادعة

  2. المعوقات كثيرة

  3. محمد ابراهيم

    الحل في الرقابه والقوانين

  4. رئيس التحرير عادل بن نايف الحربي

    دائماً مبدع استاذنا عبدالرحمان الأشعاري في اختيار الموضوع والتحقيق الجميل الى الامام

  5. عندما تغيب الرقابة لا بد من غياب التطبيق، ولا بد من حلول عملية تخرج من حيز الأوراق إلى حيز التنفيذ.

  6. الرقابة تحتاج إلى حكومات واعية ورادعة وغير فاسدة ..

  7. هدى المسعود

    يقولون إن المشكلات الاقتصادية تحتاج إلى فترات زمنية طويلة، حتى يتم حلها، وفي خضم ذلك نفاجئ بأن الأوضاع تزداد سوءا.

  8. لا بد من توفير حلول فورية قصيرة الأمد لألا تتفاقم مشكلة الأسر المعدمة والمتوسطة

  9. ابن المملكة

    كان الله في العون الغلاء انتشر في كل مكان بالعالم

  10. لابد من قوانين تمنع الاحتكار وجعل المنافسه حرة

  11. منع الاحتكار لازم

  12. فتح اسواق وتشجيع المنافسه

  13. إلى اي مدى يصبر الناس على الغلاء

  14. حامد الخازمي

    اللهم ارفع الغلاء والبلاء

  15. غلاء الأسعار مرتبط دائمًا بسعر الدولار

  16. غلاء الأسعار مرتبط دائمًا بسعر الدولار

  17. لذلك اخترعوا البرلمانات لتراقب وتضبط

  18. المشكلة أنها ديما بتيجي على دماغ الغلابة والطبقة الفقيرة الكادحة والأغنياء في الامان

  19. وكمان في مركز حماية المستهلك وفي الحقيقة هو يحمي الشركات وأصحاب المال مش المستهلك

  20. ياريت بعد الفشل بنعلي فرصة لغيرنا يحل المشاكل الله هما اتسببو فيها لا لو حاولت تعمل كدة عشان تنقذ الموقف بتكون عدو لهم ويسيبوا المشكلة الحقيقية ويخترعوا مشكلة تاني

  21. الغلاء اصبح موجود في دول كتير ربنا يرفع عنا ويرحمنا

  22. الحلول تحتاج إلى كثير من الوقت والصبر والرقابة الفعلية.

  23. الغلاء أصبح منتشرا في كل الدول تقريبا، ويرتبط بالاقتصاد الدولي أكثر من ارتباطه بالسوق المحلية، خاصة في المجتمعات المستهلكة.

  24. شريف إبراهيم

    للأسف مراكز حماية المستهلك لا تحمي المستهلك، وإنما تحمي المستثمرين وكبار التجار.

  25. طلال العطا الله

    حتى وإن كانت الحلول الاقتصادية تحتاج إلى وقت، فإلى متى يجب أن يتحمل التبعات الفقراء وحدهم؟!

  26. ذهبة الداود

    يجب الضرب بيد من حديد إزاء كل المخالفات التي تحول دون تطبيق الاستراتيجيات موضع التنفيذ وإلا ستكون حبرا على ورق.

  27. بدرية العبدالله

    اللهم ارفع عنا وعن إخواننا في كل مكان الغلاء.

  28. صالح اليوسف

    تحقيق مهم، ويجب أن يصل إلى المؤسسات المعنية بالأمر لأخذ إجراءات فعلية.

  29. فايزة الشهراني

    بوركت أستاذ عبد الرحمان في اختيار هذا الموضوع المهم، فإذا كانت المؤسسات النيابية لا تمارس دورها الرقابي فعلى الصحافة أن تقوم بهذا الدور..

  30. جواهر الشمري

    يجب على الحكومة إجراء دراسات قبل اتخاذ أي إجراء عشوائي قد ينفذ ويزيد الأمور سوءا.

  31. مقال رائع جدا

  32. موضوع متميز

  33. ضبط الاقتصاد الداخلي بقوانين رادعة هو أهم سبل الحفاظ على الهيكل الاقتصادي العام للدولة

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.