“الجنادرية” بين الأمس واليوم

عندما أعلن عن انطلاق الدورة الأولى من مهرجان الجنادرية الوطني للتراث والثقافة في أواسط الثمانينات من القرن الماضي وتحديدا في 24 مارس من العام 1985، الموافق لـ2/7/1405هـ، لم تكن برامج المهرجان تتعدى البضع فقرات، وكان يركز كل نشاطاته الثقافية على عدد محدود من المحاضرات والندوات والأمسيات الشعرية.

تقرير/عبدالرحمان الأشعاري

وظل المهرجان ينفذ على هذا المنوال، إلى حدود دورته الرابعة التي أقيمت في 12 شعبان 1408 هـ، حيث عرفت هذه الدورة ولأول مرة، مشاركة دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما جعل المهرجان ينتقل من ما هو محلي إلى ما هو إقليمي، وتمكن بذلك من عرض 60 مهنة وحرفة شعبية من 24 منطقة من مناطق المملكة، كما أقيم 23 معرضا للجهات والمؤسسات الحكومية قدمت فيه نماذج من تلك الجهات وبعض المقتنيات والتحف القديمة، وشهد المهرجان لأول مرة أيضا، تنظيم أول معرض للكتاب السعودي شاركت فيه ست عشرة هيئة حكومية وإقليمية وكذلك 22 دار نشر سعودية، كما جرى في المهرجان لأول مرة كذلك عرض في الفروسية قدمه 83 خيالا طيلة أيام المهرجان.

وتضمن المهرجان الوطني الخامس للتراث والثقافة الذي افتتح في 1 شعبان 1409 هـ واختتم في 15 شعبان 1409 هـ، عددا مهما من البرامج والنشاطات المتنوعة الثقافية منها والفنية التراثية، وأقيم في هذا المهرجان لأول مرة معرضا للوثائق ضم عددا من الوثائق السياسية والاجتماعية والتاريخية تبرز بوضوح بعضا من تاريخ المملكة وكفاحات جلالة الملك عبد العزيز رحمة الله عليه.

وبعد مرور قرابة العشر دورات، سيشهد المهرجان في دورته الرابعة عشر التي افتتحت في 6 ذو القعدة 1419 هـ، طفرة نوعية أخرى من حيث التنظيم والفقرات والإشعاع، ساعد في ذلك تزامنه مع حدث استثنائي ومناسبة غالية وعزيزة على كل مواطن، ألا وهي ذكرى تأسيس المملكة العربية السعودية، وهو ما جعل كل برامج ونشاطات المهرجان تتمحور حولها، وتضمن البرنامج فضلا عن العرضة السعودية أوبريتا خاصة ومتميزة تحت عنوان “فارس التوحيد” وهو ملحمة شعرية غنائية وعرض درامي مثير تكامل فيه الإبداع الشعري والتقنية المتعددة في الإخراج والإبهار، وكان هذا العمل الفني الكبير عبارة عن مسرحية شعرية غنائية استعراضية كتب كلماتها صاحب السمو الملكي الأمير بدر بن عبدالمحسن ولحنها الفنان المقتدر محمد عبده وأداها كل من الفنانين، طلال مداح ومحمد عبده وعبادي الجوهر وعبدالمجيد عبد الله.

التجديد والإبداع والتميز سيتواصل ويستمر مع توالي دورات المهرجان، وسيأخد بعدا آخر خلال الدورة العشرين، أي بعد مرور عقدين من الزمن على تنظيم المهرجان، الدورة، التي انطلقت في 14 محرم من العام 1426هـ، عرفت في شقها الثقافي الديني تطورا نوعيا من حيث المسمى والمضمون، بحيث أضيف لمسابقتها الخاصة بتلاوة وحفظ القرآن الكريم (مسابقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لحفظ القران الكريم) فرع السنة النبوية، وهو ما جعل عدد المشاركين فيها يرتفع في هذه الدورة إلى 2000 طالب وطالبة القادمين من مختلف مدارس المملكة.

واتسمت الدورة بتنظيمها نشاطات ثقافية خاصة بالنساء أقيمت في قاعة المحاضرات بمركز الملك عبد العزيز التاريخي بالمربعب، وافتتاحها بعرض أوبريت الجنادرية تحت عنوان “وطن المجد” وهو عمل فني غنائي كتب كلماته الشاعر الحميدي الحربي ولحنه الفنان ناصر الصالح وأداه الفنانون محمد عبده وعبدالمجيد عبد الله وراشد الماجد ورابح صقر وراشد الفارس والرؤية الإخراجية للأوبريت للمخرج السعودي فطيس بقنة بمشاركة أكثر من 400 شخص يمثلون مختلف الفرق والأجواق الشعبية.

كما تم خلال الأوبريت الغنائية عرض لوحة استعراضية بمناسبة مرور عشرين عاما على انطلاق المهرجان تناولت أهم ملامح هذه التظاهرة الوطنية على مدى العقدين الماضيين ولوحة أخرى عن الإرهاب وضع السيناريو والحوار لها محمد عابس ويشارك في أدائها الممثلون إبراهيم الحساوي ومحمد العيسى وفايز المالكي، واختير موضوع المعرفة والتنمية ليكون عنوانا لندوة الدورة في إطار فعاليات النشاط الثقافي وشارك فيها خمسون عالما وأديبا ومتخصصا من داخل وخارج المملكة.

واليوم وبعد مرور 33 عاما شاءت الأقدار أن يتربع هذا المهرجان، الذي اختار دولة أندونيسيا لتكون ضيف شرف، على عرش جميع المهرجانات التي تنظم على امتداد كل أقطار الوطن العربي، ويكون بحق رمزا ومثالا يحتدى به بعد أن اتخذ بعدا دوليا وانتقل للعالمية، كما جاء على لسان الأمير خالد بن عبدالعزيز بن عياف، وزير الحرس الوطني، رئيس اللجنة العليا للمهرجان الوطني للتراث والثقافة “الجنادرية 33″، الذي أكد خلال حفل افتتاح هذه الدورة (33)، “إن المهرجان يتخطى حدود الزمان بشمولية أنشطته للحاضر والمستقبل، ويتجاوز حدود المكان، متنقلاً من المحلية إلى الإقليمية والعالمية، عبر ما يطرحه في فعالياته الثقافية من موضوعات إقليمية وعالمية، يشارك فيها صفوة المفكرين والمثقفين من شتى دول العالم..”.

وتوسعت فقرات برنامج المهرجان خلال هذه الدورة وتضاعفت مساحته، وتضاعفت معها مساحة كل مكوناته، حتى غدت قرية تبوك التراثية وحدها تتربع على مساحة 6500 متر مربع، وتتكون من المجلس الرئيسي والمعرض والبيت الصحراوي، وأماكن للحرفيين والبيوت الساحلية، إلى جانب المسرح الرئيسي في القرية، وروعي في بنائها استخدام الطراز المعماري التي تشتهر به المنطقة.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.