الفوضى المصطلحية في الإعلام!

يستخدم اللغويون مصطلحات تدل على الكلمات التي أخذت من لغات أخرى، ومن تلك المصطلحات: المعرّب – المولّد – الدخيل، ويقسم اللغويون هذه المصطلحات، ويضعون تعريفات خاصة بها، وفي هذه المقالة سأستخدم مصطلح ” الدخيل” وأقصد به كل كلمة أُخذت من اللغات الأخرى واستخدمتها اللغة العربية.

وكما هو معروف بين اللغويين أن التقارض بين اللغات من الظواهر اللغوية المعروفة التي تعم جميع اللغات، فاللغات تأخذ من جاراتها، ومن اللغات التي تتصل بها لمختلف الأغراض؛ كالتجارة، والسياسة، والسياحة، ما تحتاج إليه من كلمات، وتغيرها لتوافق نظامَها الصوتي، وبناءها الصرفي، وقد تغير في معناها.

والتقارض من عوامل تثرية اللغة في مفرداتها، ومن ثم قيل: إن نقاء اللغة لدليل على فقرها” A pure language is a poor language“.

لم تشذ اللغة العربية عن مثيلاتها، فأخذت وأعطت؛ غير أنها زهدت في الأخذ وأجزلت في العطاء.

ويسمى ما دخل في اللغة العربية من لغات أخرى دخيلاً، ولكل عصر دخيله، فكان معظم الدخيل في العصر الجاهلي من اللغات الفارسية، والسريانية، واليونانية، وفي بعض العصور الإسلامية كثرت الكلمات الدخيلة من اللغتين التركية والفارسية، أما في عصرنا الحاضر، فجاء أكثر دخيله من اللغات الأوربية، كالإنجليزية ( إنترنت – سندوتش- والفرنسية ( كورنيش – أرشيف – سيرك) والإيطالية ( برافو – فاتورة)، والتركية ( بصمة –بدروم – طاقم).

وبعد هذه المقدمة التي حاولت فيها ” التفلسف” أخبركم أنني رصدت من خلال وسائل الإعلام المختلفة، فوضى مصطلحية تعم اللغات المستخدمة في تلك الوسائل بدون استثناء، وهناك تلاعب بالمصطلحات لدرجة أن القارئ والمتخصص يشعر بالتيه، وكما قال ابن جني:” العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية تلاعبا…” ويبدو أن هذا التلاعب عم وسائل الإعلام المختلفة، ولو رجع القرار لي- ولا أظنه كذلك لكوني لا أرى أبعد من أرنبة أنفي كما يقال لي دائما، لألزمت كل جهة إعلامية بـ ” دليل إجرائي” أو كما يسمى ” style book” لكي نلملم الفوضى المصطلحية.

ودعوني أطلعكم على هذه الفوضى المصطلحية، ولكني أحذركم لست مسؤولا عن الدوار الذي سيصيبكم جراء ذلك.

كثير من الكلمات الدخيلة لم يستقر إملاؤها، فتكتب بصور عدة، وأكثر ما يقع فيه الاختلاف إثباتُ أحرف العلة أو حذفُها نحو: (أوربا – أوروبا، سنما – سينما، سوفييتي – سوفياتي، فلم – فيلم، باليستي – بالستي، مليشيا – ميليشيا، أكسِجين – أكسيجين – أوكسجين).

وأيضًا من تلك الصور الكلمات المبدوءة بهمزة، مثل: إستراتيجية – إستدويو – إسطبل- إستاد، هل تكتب بهمزة قطع أم وصل؟، وقد تكتب الكلمة تارة بهمزة فوق(أ)، وتارة بهمزة تحت (إ)، مثل: أفريقيا – إفريقيا – إفريقيّة ” المعجم الوسيط : إحدى قارات الدنيا السبع- المعجم الكبير- أبريل” المعجم الكبير= الأصل لاتيني – معجم الدخيل في اللغة العربية الحديثة- إبريل” المعجم الوسيط= الشهر الرابع من الشهور الميلادية – إسبانيا – أسبانيا – أنفلونزا – إنفلونزا  

وكذلك من الإشكاليات، وجود أسماء أعجمية مبدوءة بألف ولام، مثل: الزهايمر، بفتح الهمزة، وسكون اللام والزاي، وكسر الميم: وهو مرض يصيب المخ، يتميز بموت خلايا العصب في قشرة الدماغ، منسوب إلى طبيب الأعصاب الألماني :ألتسهايمر، فالألف واللام من بناء الكلمة، وليستا أداة تعريف، فمثلها مثل: ألفريد نوبل.

كيف تتعامل الوسائل الإعلامية المختلفة مع المصطلح الدخيل نحويًا؟ بحسب ما رصدته، فتارة أراه ينون مثل “50 كرتونًا”، وتارة أخرى أراه لا ينون “50 كرتون”. فهناك فوضى نحوية.

ولكي أنهي سلسلة الفوضى المصطلحية، أخبركم أنني رصدت جهات تحاول وضع كلمات مقابل الكلمات الأعجمية، ولكنها لم تلق رواجًا طبعًا، ومع ذلك أرى هذه الجهات مستمرة في استخدامها، لإظهار الولاء المطلق للغة العربية! مثل: الرائي – التلفزيون – الناسوخ – الفاكس.

وأختتم هذه الفوضى المصطلحية بكلمات تكتب بطريقة لا أراها صحيحة، بحكم أنني أحمل شهادة إتمام الدراسة الابتدائية!، مثل كلمة

دكتوراة – دكتوراه: بالضم أعلى شهادة جامعية، تكتب بالهاء، والأفضل أن تعرّب إعرابًا كاملاً، فتجعل بالتاء، علمًا أن صيغتها الإنجليزية بالتاء، وفي الفرنسية بالتاء، ولكنها لا تنطق (doctorate– doctorat).

كما أني أحفظ كلمات دخيلة لا أعرف لها مقابل باللغة العربية، ولعلي بعد الانتهاء من دراسة المرحلة المتوسطة أستطيع معرفة ذلك، وهذه الكلمات هي:

Transit –buffet – tsunami –téléférique-    

لا أتوقع أني ملام على ذلك وأنا خريج الصف السادس  الابتدائي، ويبدو أن المجامع اللغوية والوسائل الإعلامية مشتركتان في هذه الفوضى المصطلحية!.

***********^^^^^^^^^^^**********

بقلم الكاتب/ دوعس بن نجد

21 تعليق

  1. شيء مميز للغاية

  2. فعلا كلام مظبوط

  3. رائع استاذ

  4. رائع استاذ وموفق تمام

  5. رائع رائع رائع رائع استاذ

  6. ابراهيم مختار

    مقال ماتع وجميل وشيق وملئ بالتشويق والإثارة

  7. بسمة الخالدي

    مبدع دوعس بن نجد..مقال قمة الروعه

  8. عبدالاله الغامدي

    اللغة هي سر الحضارة…لا رقي للشعوب مال يحفظو لغتهم ويفتخروا بها

  9. شكرا لصحيفة هتون ع هالابداع والتميز..دايما تبهرونا بابداعكم..

  10. عيسى العبدالله

    لماذا لا نهتم بلغتنا ونفتخر بها مثل ما نتكالب علي اللغات الاجنبية اهتماما وتعليما

  11. وهل يوجد اجمل من اللغة

    ألم يبرهنا القرآن بفصاحته وعذوبته..وكذالك فصاحة الاحاديث النبوية

  12. وان من البيان لسحرا..
    كما قال المصطفي عليه السلام

    شكرا ادارة صحيفة هتون..لتميزكم وتفردكم..واهتماماتكم الصحفية الراقية

  13. الدراشات الإعلامية واللغوية تحتاج مننا إلى بذل الكثير لضبط المنطوق والمكتوب

  14. رائع جدا ومميز

  15. ما نتعرض له يوميا يجعلنا في مكان المسئولية عن كل كلمة نقرأها أو رسالة نراها عبر وسائل الإعلام

  16. موضوع جدير بالبحث والدراسة تحياتي

  17. إلهام عبد الفتاح

    الدراسات الإعلامية حقل خصب بالوطن العربي لم يتم الدخول فيه حتى الآن

  18. بدور المنصور

    قي اللغة العربية ما يعيننا على صياغة لغتنا الإعلامية الخاصة

  19. الخطاب الإعلامي العربي يحتاج لمراجعات

  20. فاطمة الزهراء علاء

    ليت الفوضى توقفت عند حد الكلمات الدخيلة، لكنها تعدتها إلى استخدام الكلمات العامية (والعامية الشعبية) أحيانا في وسائل الإعلام المقروءة، وللأسف فهذه أيضًا يخطئون في كتابتها!

  21. اختيار موفق وتوقيته مناسب وموضوع في غاية الأهمية تغفله الكثير من وسائل الإعلام.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.