أزمة السكن في المغرب بين المواطنين والمضاربين العقاريين

تعترض طريق المواطنين من ذوي الدخل المحدود المقبلين على اقتناء سكن اجتماعي في العديد من المدن المغربية، صعوبات عديدة منها ما هو ذاتي يتعلق بإمكانية الادخار الشخصي لمواجهة تكاليف تسبق عملية الاقتناء، ومنها ما هو موضوعي يرتبط بشروط الاستفادة من التمويل لدى المؤسسات البنكية، غير أن وجود عوامل متعددة ترتبط على الخصوص باللوبيات والمضاربات العقارية، أمام النقص الحاد في توفير الآليات القانونية والمالية لتوسيع دائرة الفئات المستهدفة، وتمكينها من امتلاك سكنها الخاص حال دون بلوغ الأهداف التي ينشدها الجميع.

تحقيق/ عبدالرحمان الأشعاري

لا يختلف اثنان على كون أسعار الممتلكات العقارية بمختلف المدن المغربية وخاصة منها الكبرى، تشهد ارتفاعا مهولا، الشيء الذي يجهض حلم العديد من ذوي الدخل المحدود في الحصول على سكن قار، وبالتالي الخروج من جحيم الكراء، بل إن حتى المساحات الصغيرة للشقق قد تحولت إلى مجال مفتوح للمضاربة العقارية، والمطالبة بأسعار تبدو خيالية قياسا بقيمتها وموقعها وتوفرها على التجهيزات الأساسية، وقربها من المرافق الحيوية، بحيث يعمد المضاربون إلى اقتناء ما يعرف بـ”شقق السكن الاقتصادي” ثم يعلقون على واجهتها لافتة مكتوب عليها “شقة للبيع”، بعد أن يكونوا قد أدخلوا عليها بعض التحسينات من أجل إيهام المشتري بأن الأمر يتعلق بشقة أخرى، وليست بتلك التي تدخل في إطار السكن الاقتصادي، ما يتيح لهم فرصة مضاعفة ثمنها الحقيقي.

وتشير شهادات مواطنين متضررين إلى أنهم وجدوا أنفسهم ضحية لوحات البيع والإعلانات الخادعة لما يسمى بـ”مشاريع السكن الاجتماعي”، تبين لهم أن مساحتها وقيمتها لا تطابق حقيقة الحملات الإشهارية، وأوهام الشقة الكاملة المكونة من غرفتين وصالون ومطبخ، كما أن التسهيلات والإغراءات التي تقدمها للمشترين الجدد ما هي إلا طريقة لتجاوز صعوبات التسويق والبيع بأثمنة خادعة تتجاوز بكثير القيمة الحقيقية لهذه الشقق، وبالتالي تطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام المنعش العقاري أو الشركة المسؤولة لدفتر التحملات الخاصة بالمشروع، سواء من حيث ثمنه أو جودة البناء واحترام المساحة المصرح بها.

وفي هذا الإطار، كشف أحد ضحايا هذه المشاريع، أنه بعد انتقاله إلى شقته كانت صدمته كبيرة عندما اكتشف أن مساحتها لا تتجاوز 60 مترا مربعا، في الوقت الذي تحايل عليه صاحب المشروع في البداية وقدم أمامه مجسما فوق الطاولة مساحة الشقة به 65 مترا، أما الأمتار الأخرى المتبقية التي اكتشف الزبون أنها غير موجودة، فهي حسب تعبير المقاول مخصصة للأدراج ومدخل باب الشقة.

وقد أجبره هذا التحايل على التردد في إتمام إجراءات البيع وإعداد ملف السلف واقتناء الشقة في آخر المطاف، ومقابل عروض الشركات ومقاولات البناء الكبرى والمتوسطة ظهرت في الآونة الأخيرة إلى الوجود ظاهرة جديدة، يتعلق الأمر بإعادة بيع الشقق من لدن الخواص بعد شرائها من الشركات، فالأرباح والمبالغ التي يمكن جنيها من هذه العملية كيفما كانت مساحة العقار بها قد فتحت شهية هؤلاء أيضا، وحولتهم إلى منعشين عقاريين دون سابق إنذار، يشترون شققا بأثمنة معينة ويعيدون بيعها بعد انتظار شهور قليلة ضمانا لارتفاع الأسعار وتزايد الطلب والمضاربة فيها، أضف إلى ذلك مشكل (النوار noir) وهو “المبلغ غير المعلن عنه” والذي يجب على البائعين دفعه بشكل غير مسجل ليتفادى المقاولون أداء الضرائب، ورغم كون الممارسة غير قانونية فهي جد شائعة، وقد تصل قيمة هذا المبلغ غير المسجل رسميا إلى نصف ثمن الشقة، فيما لا تقرض البنوك سور المبلغ المعلن عنه في العقد الرسمي، وتواصل هذه الظاهرة انتشارها في مختلف الأوساط، على الرغم من وعود وزارة الإسكان والتنمية المجالية بشن حملة ضدها.

وإذا كان هذا القطاع يعج بالإشكالات والقضايا التي تقف حجر عثرة ضد رغبة المواطنين البسطاء في امتلاك سكن لائق، فإن جل المحللين يجمعون على أن المضاربات العقارية ظلت تمثل الإشكالية الكبرى إزاء عدم تمكن الأغلبية الساحقة من المواطنين من الاستفادة من السكن، وعزى الكثير من الباحثين الارتفاع الصاروخي في أسعار العقار إلى المضاربات وتبييض الأموال المتحصلة من الاختلاس والرشوة والمخدرات، هذا في وقت ظل فيه المغرب يعرف عجزا هيكليا يفوق مليون وحدة سكنية سائرة نحو الارتفاع كل عام، وموازاة مع هذا العجز الدائم قدرت قيمة المساكن والشقق الفارغة بأكثر من 300 مليار درهما (أكثر من 850 ألف مسكن فارغ)، فيما تعرف أسعار السوق العقارية تصاعدا مستمرا، إذ تراوح ثمن المتر المربع في جملة من المدن الكبرى ما بين 20 ألف و25 ألف درهما، الشيء الذي ساهم في إقصاء العديد من المغاربة من الفئة الوسطى، من الاستفادة من السكن.

وقد اقترحت مجموعة من الجمعيات على مؤسسة “العمران” نهجا جديدا لتمكين ذوي الدخل المحدود من الاستفادة من سكن لائق، يتمثل في وضع الأرض المراد تجزئتها تحت تصرف هذه الجمعيات التي ستتكفل هي نفسها بالبناء والتشييد دون اللجوء إلى السوق العقارية، وبهذه الطريقة يمكن المساهمة في الحد من المضاربات، خاصة وأن هذا القطاع يعتبر من القطاعات الأكثر انفتاحا لتبييض الأموال المختلسة وأموال الرشوة والمخدرات، وفوق هذا وذاك، أصبح من البديهي حاليا أن المقاولات العقارية الكبرى لا تصرح بالثمن الحقيقي لبيع منتوجاتها (فيلات، عمارات، مساكن اقتصادية…) للتهرب من أداء الضرائب على قلتها، ولم يكن ليتأتى لها ذلك دون تواطؤ عدد من الموثقين والموظفين ومصلحة التسجيل والتنبر وإدارة الضرائب، وأحيانا بعض البنوك، ما ينم عن فشل ذريع لحكومة العثماني في التصدي لهذه المعضلة التي تؤرق الفئة النشيطة من المواطنين المغاربة، بفعل قوة اللوبيات العقارية ومافياتها المعتمدة على شخصيات وازنة، تضرب بفعل موقعها الاجتماعي والاعتباري بكل قواعد اللعبة عرض الحائط، لتمكين المجموعات التي تساهم فيها من تحقيق العمولات والأرباح على حساب العمال والمأجورين.

وبحسب إحصائيات من المندوبية السامية للتخطيط، هناك 2.4 مليون أسرة معنية، منها حوالي 800 ألف أسرة لا تملك مسكنا، و 300 ألف من هذه الأسر تعيش في سكن غير لائق، وترغب الحكومة في التقليص من العجز في السكن إلى 28% بحلول سنة 2012، ولتحقيق هذا الهدف، يسعى مختلف الفاعلين في السوق حاليا إلى تطبيق اتفاقين لمساعدة الفئة المتوسطة المغربية على شراء منازلها الخاصة، بحيث تعهدت وزارة الإسكان والتنمية المجالية، بتوفير 3853 هكتارا من الأراضي العمومية لبناء 200 ألف وحدة سكنية جديدة، مؤكدة أنها ستعمل على تأسيس أربعة عشر مركزا ومنطقة حضرية، وإنجاز 28 برنامجا سكنيا في 32 مدينة داخل 11 جهة في البلاد، بكلفة مالية إجمالية تصل إلى حوالي 52 مليار درهم، كما تعهدت الوزارة المعنية أيضا بزيادة حجم صندوق الضمانة للفئة المتوسطة، والسماح للعمال في القطاع الخاص بالاستفادة من هذا الصندوق، وتأمل وزارة السكنى المغربية زيادة الطلب على الملكية من قبل المشترين من الفئة المتوسطة، حتى يكون بمقدور الأفراد الذين يبلغ صافي دخلهم 10 ألف درهم، والأزواج الذين يبلغ صافي دخلهم 15 ألف درهم، الاستفادة من ضمانات قد تصل إلى 800 ألف درهم، في محاولة منها لإعادة بعث شيء من الحياة في قطاع يعاني نقصا حادا على مستوى السكن والتقنين والموارد.

5 تعليقات

  1. م.خالد عبد الرحمن

    دائما متالق دكتور استاذ عبد الرحمن

  2. يجب الضرب بيد حديد على التجار المستغلين

  3. مصالح الناس ليست عرضة للمضاربات

  4. للأسف تظل مصلحة المواطن هي آخر ما يتم النظر إليه، ويتم التلاعب بها كل في مهب رياحه أنى شاء ليجني منها أرباحًا محققة.

  5. مشكلة الإسكان لا يعاني منها المواطن المغربي وحده، ففي مصر أيضًا يعاني الكثيرون من هذه الإشكالية ما تسبب في صناعة العشوائيات ومحاولة التخلص منها فيما بعد..

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.