لا رياضة كالمشي

لا رياضة كالمشي، تروّي البدن بالصحة، وتبهج النفس بالفسحة، وتُجري الدم في العروق، وتنظم القلب بالخفوق، وتُطبق العينين بغطاء رقيق خفيف من النوم، إذا مارسها المرء لنصف ساعة في اليوم، فلا ثقل في نومه يقطع عنه الهمّة، بل هو نشاط وحيّوية تدفع عنه السمنة.

وهي رياضة ليست كالرياضات الأخرى، فلا خصام فيها يُفرز الغيظ، ولا زحام فيها يورد الضيق، ولا إصابة تقطعك عن المزاولة، ولا خسارة تثنيك عن المحاولة.

والمشي طبيب لأولي الحمية، متى أدمنت أقدامهم مساره أصبح الصديق المرافق والرفيق الصادق لهم، فحينما يمرّ اليوم دونه، يحسّون وكأنّه التائه البعيد عن حديث مشاعرهم، الضائع القاصي عن نجوى ضمائرهم، وهذه ليست مبالغة، لكن يعرف هذا من جرّب، ونظّم برنامجه وتعوّد.

فأقول :

ألِفتُ رياضةَ المشي اجتهادا

              فكـان بـخـطـوها تـريـاق داءِ

وفي المشي ميدان فسيح للتأمّل يقع بين التلال والرمال وزجل النخيل والأشجار، أو بين نسيم هبوب الليل الصائف أو دفء خمول النهار الشاتي، أو عند النظر لسقف السماء والتدبّر في لوحات البهاء التي ترسمها ضياء الأنجم وأشعة القمر ومسار الكواكب، أو امتزاج سعف النخيل بذَهَبِ الأصيل وغرق قرص الشمس وقت المغيب، أو عند هديل البحر في سكونه وانشراحه أو هديره في عبوسه وانفعاله.

ومن أنسب أوقات المشي عندي؛ وقت الصباح الباكر، فهو أوان تسرّب أجنحة الطيور وتدفّق نهر ألحانها، ففيه من الهدوء ما يرتقي بالفكر للإبداع، ويقوّم الأعضاء بالانطلاق، ويُصبغ العقل بالتركيز، ويغمر القلب بالأنس، ويصفّي الذهن للاكتشاف، ويصعد بالروح للسعادة.

ومن أنسب الأوقات كذلك وقت الغسق حين تلتحف الدنيا بدثار الليل، فيأخذ الهدوء بأنفاسه، ويسكت الضجيج بأجراسه، وتتغامز النجوم بأعينها الساهرة، ويسبح الهلال كالسفينة الماهرة، فهنا أقف وأتوقّف لا أستطيع وصف الشعور لهذا الجوّ الساحر والوقت الباهر، ففيه من سكينة النفس مثل تلك التي يجدها مَن يتنزّه بين الخضرة والماء والربوة والرُّواء.

أما وقت الغروب، فهو أشبه بالصباح طلعة وأقرب هيئة، لكنه أقلّ صفاءً وأنزر إبداعًا ، وقد يصادف دربه الملل، ولولا جمال الشمس الفاتنة وهي تحتجب بخمار الليل، لكان مصدرًا للكآبة، إن لم يكن كذلك!.

أما المواقع .. فلا شكّ أنّ المشي في المكان الخَضِر أنضر، وعند البحر أبهى، وعلى التراب أشق، وحول الريف أمتع، وفوق الحصباء حافيًا أصحّ، وتختلف الذائقة حسب الميل، فكلّ امرئٍ بما لديه فَرِح، فمن مال إلى المشي عند البحر ربّما لم يطمح بالمشي حول الريف، ومن أنِس الخضرة لا يجد راحة المشي على التراب .. وهكذا.

وأسوأ تلك الأماكن (جهاز السير) وإن كان يفي بالغرض والمأمول منه، غير أنّه حاجبٌ عن مناجاة الكون وجماله، والتعرّف على أسراره، والإصغاء إلى إسراره، وباحتباسه بين الجدران يُركن المرء إلى الجمود، وربّما انقطع عنه القاصد، فتخلّف عن المقصود، كما لا نقاهة فيه ولا متعة سوى حركةٍ صمّاء عن الشعور، تجلب لك الكلل في المفاصل، تكاد منه أن تستعطفك ألّا تواصل.

هذا ومن الإيجابيات التي انتشرت وحرص عليها المجتمع؛ خاصةً في الفترة الأخيرة ثقافة المشي، لذا هُيِّئت ميادين في كلّ محافظة ومدينة لهذه الرياضة الماتعة .. وذلك في مضمار تتوسّطه حديقة، فعليّ كمرتاد لهذه الأماكن الاهتمام في نظافتها والحرص على أناقتها فهي لغيري كما هي لي، غير أنّه قد ينقصها أحيانًا وضع وسائل ترفيهٍ للأطفال تصرفهم عن اللعب داخل المضمار إلى وسط الحديقة صونًا لسلامتهم، وكذلك العناية بنظافة دورة المياه ومتابعتها، والحرص على إنارة المضمار إنارة جيدة، ووضع لوحات إرشادية تقيس مسافته أثناء المشي، ومنع التدخين في هذه الأماكن التي يراها المرتاد كالمنتجع يستردّ فيها أنفاسه بعيدًا عن التلوّث البيئي داخل المدينة.

ونخبة القول … من الجميل أن نريح المركبة من عناء الطريق فلا نحرص على قيادتها عند الذهاب والمجيء للأماكن القريبة منا كالمسجد والجامع والمحال التجارية والمطاعم وغيرها حتى وإن ابتعدت المسافة نحو (الخمسمائة مترًا).

فاصلة منقوطة ؛

“كل الأفكار العظيمة تولد أثناء المشي” . فريدرخ نيتشه

——-

إبراهيم  الوابل – أبو سليمان

ibrahim7370@

الاثنين – الموافق

25 – 3 – 1440هـ 

3 122018م

25 تعليق

  1. م.خالد عبد الرحمن

    ما أروعها لو دوامت عليها…شكرا كاتبنا الغالي

  2. ألِفتُ رياضةَ المشي اجتهادا
    فكـان بـخـطـوها تـريـاق د

  3. “كل الأفكار العظيمة تولد أثناء المشي” …نعم فهي مجال للفكر وراحة البال والتأمل والمزاج العالي

  4. المشي رياضة مهمة جدًا، ومنشرة في الكثير من دول العالم، وهو النصيحة الأولى التي يوجهها الأطباء لمرضاهم لما يزود الجسد به من لياقة واسترخاء

  5. المشي هو رياضة المبدعين .. دمت مبدعًا أستاذ إبراهيم

  6. حقيقي مقال مفيد .. الشعوب الراقية تولي المشي اهتمامًا بالغًا للنهوض بالأخلاق والتواصل وحتى كداعمين للبيئة بورك الكاتب

  7. إن لم يكن لي عادة غير المشي صباحًا ومساءً لاكتفيت بها .. هي ساعات الإلهام عندي ..

  8. للأسف أهمل العرب رياضة المشي واتجهوا لصالات الألعاب واستعراض العضلات

  9. مؤيد خولي سوري

    من اليوم سيكون لي وقت يومي محدد للمشي … أحتاج لصفاء الذهن والتخلص من التوتر والضغط .. مشكور أخي إبراهيم

  10. ما احوجنا لثقافة المشي وتطبيقها

  11. بسمة الخالدي

    تولد الافكار العظيمة اثناء المشي مقولة عظيمة بالجد شكرا لصحيفة هتون على هذه المواضيع المميزة

  12. عيسى العبدالله

    المشي يجعلنا في اوج نشاطنا فلابد من الموظبة وترسيخ ثقافته ونشرها حتي نصنع اجيالا تنعم بالصحة والنشاط

  13. عبدالاله الغامدي

    حسب تجربتي اوقات المشي المناسبة هي الفجر لانه وقت جميل وممتع

  14. ممدوح مصطفي / مصري

    المشي يا سادة جميل ويجعل النفس فرحة بسطة

  15. عثمان خيرات / سوداني

    شكرا لهذه الافادة الجميلة من كاتب رائع ومميز

  16. تماضر محسن/ السودان

    ابدع الاستاذ الوابل لإختياره هذا الموضوع الرائع..المميز

  17. موضوع رائع، بالتوفيق

  18. رياضة المشي والأكل الصحي يبعدك عن أمراض العصر بعد توفيق الله تعالى …. شكراً على الموضوع الرائع بالتوفيق دائماً

  19. ((فعليّ كمرتاد لهذه الأماكن الاهتمام في نظافتها والحرص على أناقتها فهي لغيري كما هي لي )) هذا فعلاً نحتاجه ونسعى له

  20. مقال رائع ومفيد تشعر بين كلماته بالحيوية والنشاط فعلاً رياضة مهمة والأهم منها الاستمرار فيها لانها صحة للجسد .. الله يعطيك العافيه

  21. فاطمة الزهراء علاء

    صدقت وأبدعت، على أن المشي يقي من الكثير من الأمراض كأمراض القلب والجلطات وغيرها..

  22. الموضوع شيق ونتمنى تخصيص أماكن للتنزه والمشي في بلادنا

  23. كل الأفكار العظيمة تولد أثناء المشي حقا فالكتاب مثلا يمشون لينظموا أفكارهم

  24. دام إبداع قلمك، لعل أطفالنا يدركون أهمية المشي وممارسة بعض الرياضة بدلا من الجلوس أمام الشاشات لفترات طويلة.

  25. محمد العريني

    أحب المشي على شاطىء البحر وقت الغروب لأنه يعطيني أملا أن الشمس من بعد غيابها تولد من جديد..

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.