لم نكن نحلم يومًا بالهجرة

لم نكن نحلم يومًا بالهجرة وفقدان الأمان، عندما كان في بلدنا عيش بأمان.
دَفَعنا فشل الإدارة، وسواد الرأي، ودهاقنة السياسة، وتنازع الموت ليل نهار، أن نتجاوز حلم الهجرة، نركب عثراتها بحرًا لنغرق في أمواج الخلجان.
تعاطفَ البحر معنا مرة، فلفظ جثثنا قبل تشوهها غرقًا على الشطآن.
غضبَ مرة أخرى، فقدمها طعامًا شهيًا لسمك القرش وبعض الحيتان.
مللنا البحر، أو مل البحر كثرتنا ونبه حراس الميدان.
فاتجهنا هربًا من حراس الميدان إلى جبال تفصل بيننا وحلم الأمان.
تسلقناها عنوة، وفي حالات الوهن والغثيان، سقط بعضنا من قممها إلى الوديان.
ميتٌ يفتش عن قبرٍ لم يجد له قبرًا، ورفيق يترك رفيقًا ميتًا بلا قبر ولا أكفان.
عاودنا الملل من جديد كأننا لم نستفد من تجارب الزمان.
شار علينا سادة التهريب والوسطاء بعد دفع الأثمان، أن نتجه صوب الغابات. لم نرَ الغابات في بلادنا من قبل ولا في هذه الأيام. بعض أشجارها التي كانت موزعةً هنا وهناك، جعلناها حطبًا لتدفئتنا يوم نشف النفط في أوقات الحروب، وحرقت ما تبقى منها قنابل الحروب، وجعلت شخوص أشجارها بلا أغصان.
قال سياسي كبير ما فائدة الغابات، وما حاجة الأشجار الى أغصان، اقطعوها ليكون المنظر جميلاً عندما تَظهرُ الأتربة وتزحف الكثبان.
قصدنا الغابة ليلاً، هربًا من عسس النهار، يقودنا مهرب قوي من بلادنا، من نفس الأوطان.
تُهنا بين حشائشها والأشجار، نهشت أجساد بعضنا الوحوش ومستها أرواح الجان.
شابة جميلة فقدت زوجًا، أبقى لها المهرب ولدًا كانت تتمسك به في الأحضان.
ساعدها بقدر مزيف من الحنان.
ساومها في آخر الطريق بين أن يلحقَ صغيرها بأبيه تيها أو تسلمه نفسها على فراشٍ من القش وبقايا عيدان الريحان.
توسلت اليه راكعةً على كلتا الركبتان.
صاحت من ألمها باكيةً بعينيها الناعستان.
قالت آخر عبارة لها قبل أن تفقد وعيها، أين هم أهل الوجدان.
اغتصبها عنوة بلا وجدان.
سرقَ صيغتها وعفتها بغريزة الحيوان.
تركها في الغابة مغشيًّا عليها، تلعن روحها الحلم والهجرة وهذا الزمان.
وصل بعضنا إلى غايته في مختلف البلدان.
حققنا الحلم الموعود في طلاق وطننا والعيش بأمان.
ارتضينا الغربة وطنًا، نقلنا البغض وغل الطائفة وجهل العشيرة إلى ربوع الوطن الجديد، فعدنا إلى الصفر، وكأن البعض منا عدو لنفسه والأمان.
أين هو الأمان؟.
وهل هناك أمان إذا ما بقي إنساننا هو ذاته ذاك الإنسان!!
لواء ركن متقاعد/ فؤاد حسين علي 

15 تعليق

  1. المدقق اللغوي عبد الله الشريف

    اللهم احفظ بلاد الإسلام، واحفظ المسلمين من كل شر وسوء

  2. موضوع رائع، تمنياتي بالتوفيق

  3. اللهم انعم علينا بنعم الامن

  4. يا اوطناننا ماذا بك

  5. اسامة الزايد

    متي تنعم بلاد العرب بالامن والرفاهية وتحتضن ابناءها

  6. م . خالد عماد عبد الرحمن

    ربي يديم الامن والامان على بلاد العرب والمسلمين

  7. ميتٌ يفتش عن قبرٍ لم يجد له قبرًا، ورفيق يترك رفيقًا ميتًا بلا قبر ولا أكفان.
    تعبير بليغ عن ما وصل إليه حالنا

  8. بدور المنصور

    في بعض الأحيان يكون الأمان هو حالنا لكن نضيعه بحثا عن أمان وهمي

  9. أصبحنا نبحث عن الأوطان في أزقة أوطاننا علنا نشعر بدفء الأمان!

  10. حامد الحازمي

    إباع خااالص ومبهر

  11. مهما هاجرنا وسافرنا فلا أمان إلا في ديننا وأوطاننا
    رب يحمي بلادنا جميعا

  12. عندما كان في بلدنا عيش بأمان
    كان فعل ماضي يا أستاذنا

  13. يا الله! آلمتني تلك السطور بشدة، اللهم احفظ جميع بلدان المسلمين وشعوبها

  14. فؤاد حسين علي

    الأخوة المعلقين على موضوع (هواجس عراقية)
    السلام عليكم
    أتقدم لكم جميعاً ببالغ الشكر والتقدير على كل كلمة كتبت بخط يدكم الكريمة ،فرحت لكلماتكم وحزنت على حال بلدي والبلدان العربية التي هجر وهاجر أهلها
    لكن علينا الأيمان بالقدر وماكتبه الله لنا ،
    مع خالص تقديري
    فؤاد حسين علي

  15. عادل المالكي

    السيد فؤاد حسين علي رعاكَ الله
    السادة مجلة هتون الالكترونية
    سادتي الافاضل
    موضوع هواجس عراقية أثار شجوني ، تعبير رائع ، سرد حادث حقيقي مرت به بعض البلدان العربية بسبب من حكموها ،والتي أدت الى هجرة أخوتنا العرب تاركين الاوطان التي ولدوا فيها وهي مسقط الآباء والاجداد كل ذلك بسبب بعض الحكام الذين تفردوا بالتسلط على أبناء جلدتهم
    أتقدم بالشكر والعرفان لكاتب المقال والشكر والتقدير لرئاسة تحرير هتون والعاملين بها على تنوع هذه المواضيع من جميع ارجاء الوطن العربي كي نستفيد من تجارب الزمان

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.