وقفات ومسيرات طلابية في المغرب احتجاجا على الساعة الإضافية

تعيش المملكة المغربية منذ إعلان حكومة العثماني ترسيم العمل بالساعة الإضافية (غرينتش + ساعة) وتغيير مواقيت الدراسة، على إيقاع وقفات واحتجاجات ومسيرات طلاب وطالبات المدارس التعليمية.

تقرير/عبدالرحمان الأشعاري/المغرب

تفاصيل هذه القضية بدأت عندما صادق المجلس الحكومي، المنعقد صباح الجمعة 26 أكتوبر المنصرم، وبشكل مفاجئ وسريع على مشروع مرسوم جديد، يقضي باعتماد “الساعة الإضافية” طيلة العام، موضحا أن مشروع المرسوم الجديد المصادق عليه اليوم، سيسمح “بالاستمرار في العمل بالتوقيت الصيفي المعمول به حاليا بكيفية مستقرة”، وهو التعديل الذي جاء قبل يومين من العودة للساعة القانونية، وتم دون إجراء دراسات علمية، أو استطلاعات للرأي، أو خبرات طبية تتحدث عن آثار إضافة الساعة على حياة المغاربة وسلوكهم ومردوديتهم.

أضرار صحية وخيمة

حكومة العثماني وفي محاولة منها لاستباق احتجاجات الشارع المغربي، انبرت إلى تعداد مميزات وإيجابيات هذه الساعة الإضافية، وقالت على لسان وزيرها محمد بن عبد القادر، الوزير المنتدب المكلف بإصلاح الإدارة وبالوظيفة العمومية، إن الحكومة تتفاعل مع انشغالات وقلق المغاربة في كل مرة من إضافة ساعة للتوقيت الرسمي، مشيرا أن هذا الإجراء تم اتخاذه بناء على نتائج دراسة أنجزت سنة 2011.

وحسب هذا الوزير، فإن نتائج هذه الدراسة، بينت أن إضافة ساعة للتوقيت الرسمي يمكن من الاستفادة من الطاقة الشمسية لمدة أطول، ويساهم في تأخير ساعة الذروة التي تتميز بارتفاع الطلب الكهربائي المنزلي، وأكد أن إضافة ساعة للتوقيت الرسمي المغربي له فوائد كبيرة منها الاقتصاد في الطاقة والمحروقات، والحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مفيدًا أن إضافة ساعة للتوقيت الرسمي بالمغرب محدد انطلاقا من مرسوم صدر سنة 2012 وتم تعديله سنة 2013.

في حين، وعلى العكس من ذلك، فإن لهذه الساعة الإضافية أضرار وخيمة؛ تنعكس سلبا على الصحة النفسية والجسدية للإنسان، وبهذا الصدد نشرت “حركة ضد تغيير الساعة القانونية في المغرب” التي تنشط عبر صفحتها على “فيسبوك” للتنديد بخطورة إضافة ساعة إلى التوقيت القانوني، مجموعة من الدراسات العلمية، التي تبين تأثير هذه الساعة الإضافية على صحة المواطنين، ومن ذلك ما أشارت إليه دراسة أمريكية نشرت في مجلة la revue Open Heart في العام 2014، أن نسبة الإصابة بالنوبات القلبية، يمكن أن تتضاعف بسبب إضافة ساعة على التوقيت العادي، وتزداد بـ25% مقارنة بالأسبوع الذي يسبق هذا التغيير، وهي النتيجة نفسها التي خلص لها باحثون من السويد في دراسة نشرت في العام 2008 في المجلة الطبية ” The new england journal of medicine”، من أن الإصابة بالسكتات القلبية يرتفع بنسبة 5 بالمائة، في الأيام الثلاثة الأولى من إضافة هذه الساعة.

كما أن لهذه الساعة الإضافية، حسب دراسات أخرى تأثير يتسبب في ارتفاع عدد قتلى حوادث السير، وذلك مباشرة بعد إضافة ساعة إلى التوقيت المعتاد، حيث ترتفع هذه الحوادث في الأسبوع الذي يلي زيادة ساعة على التوقيت الرسمي بنسبة 50 في المائة، بينما ينخفض في الأسبوع الذي يلي إلغاء العمل بالساعة الإضافية.

 وقفات ومسيرات

أمام سياسة اللا مبالاة، لم يجد التلاميذ وطلبة المدراس من حل سوى الخروج للشارع للتنديد عبر مسيرات احتجاجية بهذه الساعة الإضافية، والتنديد كذلك بالتوقيت الجديد لوزارة التربية الوطنية، حيث عبر طلبة المدارس في كل من محافظات الرباط، الدارالبيضاء، طنجة، مراكش، صفرو، العرائش، أكادير، خنيفرة، فاس، القنيطرة، مكناس، سيدي قاسم، خريبكة، سطات.. وغيرها من المحافظات، عن سخطهم بسبب القرارات اللامسؤولة للحكومة وعدم مراعاة صحة التلاميذ النفسية والجسدية، مهددين بمقاطعة الفصول الدراسية إن استمر الوضع كما هو عليه.

ورفع هؤلاء الطلبة في هذه المسيرات الاحتجاجية التي أربكت السلطات الأمنية، واضطرت إلى تطويقها، شعارات ضد حكومة العثماني من قبيل “ولادكم قريتوهم، ولاد الشعب خرجتوهم”، “الشعب يريد إسقاط الساعة”، “العثماني سير فحالك، الحكومة ماشي ديالك”، “إذا درنا الشغب العثماني هو السبب”.

في حين اكتفى طلبة آخرون بتنظيم وقفات احتجاجية أمام أبواب مؤسساتهم التعليمية بمختلف مستوياتها، مخافة الدخول في مواجهات مباشرة مع القوات الأمنية، رافعين شعارات تطالب الجهات المعنية بضرورة إلغاء الساعة الإضافية، أو إجراء تغييرات في مواعيد انطلاق وانتهاء الحصص الدراسية، حتى تتوافق مع حاجياتهم وقدراتهم وإمكانياتهم.

وقفات واحتجاجات لقيت مساندة شعبية واسعة وتضامن مطلق من قبل أغلب المنظمات الناشطة في المجال التربوي والحقوقي ومختلف التنسيقيات التعليمية في مختلف محافظات المملكة بسبب إبقاء الحكومة على التوقيت الصيفي، الأمر الذي أثار استياء آباء وأمهات وأولياء التلاميذ الذين عبروا عن رفضهم التام لهذه الخطوة، التي تضرب في العمق مصلحة طلبة المدارس في العالمين الحضري والقروي.

وفي هذا الصدد، أكدت جمعيات المجتمع المدني والحقوقي بإقليم صفرو، في بلاغ، أن “قرار رئيس الحكومة لا يخدم التلميذ، بل سيسهم لا محالة في المزيد من الهدر المدرسي وعدم الانضباط ومتابعة الدروس”، مبينة أن هذا القرار يعتبر شكلا من أشكال تأزيم الوضع المدرسي لطلبة وطالبات المدارس وعمل الآباء والأمهات، معلنة عن رفضها القاطع لهذا الإجراء “أحادي الجانب وغير محسوب العواقب”.

بدورهم اعتبر باحثون في علم الاجتماع، أن هذه الاحتجاجات، حالة صحية من شأنها أن تعيد للمدرسة المغربية دورها المسلوب في بناء الوعي الممانع، لذلك وجب التعاطي معها بشكل إيجابي؛ من خلال استحضار المقاربات التربوية عوض أي مقاربة من شأنها خلق التوتر وتأزيم الوضع، مبينين في تصريحات متزامنة مع هذا الحراك التلاميذي، أن هذه الاحتجاجات لا يمكن فصلها عن سياقها الاجتماعي العام، المتسم بالتوتر وتراجع منسوب الثقة في مؤسسات الدولة وأجهزتها، خاصة بعد الأحداث التي شغلت بال الرأي العام وأثارت جدلا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي أعاد للشارع المغربي بعضا من التوهج والحركية.

الحكومة ترضخ وتتجاوب

تنامي وتصاعد هذه المسيرات الاحتجاجات واتساع رقعتها عبر ربوع المملكة، اضطر حكومة العثماني إلى الرضوخ والاستجابة لمطالب طلاب وطالبات المدارس.

وفي هذا الإطار، قرر سعيد أمزازي، وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، إعطاء الصلاحيات لمديري الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين بتنسيق مع الولاة، من أجل تحديد الصيغ الأنسب للتوقيت المدرسي وفق الخصوصيات المجالية لكل جهة، مع احترام الزمن الدراسي وزمن التعلم، واعتمادها خلال الفترة الشتوية.

وتوجه أمزازي بمذكرة وزارية، اليوم الجمعة 9 نونبر الجاري، إلى مديري الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين يطلب منهم التسريع باتخاذ التدابير اللازمة من أجل تطبيق الصيغ المقررة ابتداء من يوم الاثنين المقبل”.

بدوره أكد رئيس الحكومة، السيد سعد الدين العثماني، أن الحوار مستمر ومواصل مع مختلف الشركاء من أجل اتخاذ كافة الإجراءات الضرورية المرتبطة باعتماد التوقيت الصيفي بشكل مستمر، موضحا أنه مع الحوار الذي فتحه وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي مع جمعيات الآباء وأولياء التلاميذ ومع قطاع التعليم الخصوصي.

وأعلن رئيس الحكومة عن تتبع الموضوع من خلال “آلية التقييم والتتبع”، التي تضم عددا من الوزارات المعنية، مضيفا أنها “الآلية التي ستصبح مؤسساتية وثابتة، لأننا نريد الاستمرار في التقييم والتتبع واتخاذ الإجراءات المواكبة عن طريق الاستماع إلى المواطنين”.

رئيس الحكومة في ندوة حوارية استقبلها المعهد العالي للإعلام والاتصال بالعاصمة الرباط أمس الخميس 8 نوفمبر الجاري، وعد بأن الحكومة ستعلن عن مرسوم يضم المزيد من المرونة في التوقيتين المدرسي والإداري، بعد زيادة هذه الساعة الإضافية.

ويأمل المواطنون بصفة عامة وطلبة المدارس على وجه الخصوص أن تعدل حكومة العثماني عن هذا القرار، وتعود إلى التوقيت الرسمي العادي (توقيت غرينتش)، كما ينص على ذلك المرسوم الصادر بالجريدة الرسمية.

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.