الظنّ أكذبُ الحديث

حديثُ نفسٍ، وإثارة حسّ، يصدق حيث كان واقعًا، ويكذب حيث ظلّ خادعًا، فالأول قوسٌ من ألوان الطيف لمحته القلوب البصيرة، إذ رسمه جميل الظنّ، فلا ترصده سوى الحكمة بالإمهال، فثمرته الحمد، والآخر نفقٌ من خنادق الشَطَط خمّنته العقول الواهمة، إذ احتفره سوء الظنّ، فلا يمهّده سوى الحُكم بالاستعجال، فجمرته الندم، ورغم تباين الظنّين، واختلاف تكهّن النظرتين، فمن القليل النادر أن تخيب الفراسة فتكون ألمًا، كما من النادر القليل أن تُصيب الإساءة فتكون حزما، ويبقى لصاحب هذين البيتين رأيٌ جدير بالتأمّل والاهتمام إذ يقول:

وحسنُ الظنِّ يحسنُ في أُمورٍ

… ويمــكنُ في عواقــبِه نــدامـه !!

وسوءُ الظنِّ يـسمـجُ في وجوهٍ

… وفيـــه مِن سمــاجتِه حـزامه !!

وإطلاق الأحكام دون وعيٍ ورويّة بلاءٌ أخذت به بعض الحسابات عبر التواصل الاجتماعي، فكون المرء لا يجيد أو يتحرّج من الحديث عن شأن لا يفهم معانيه المعتبرة، لا يحقّ لغيره أن يخوّنه فيه كما في وطنيته مثلاً، إلّا أن يُسيء للوطن، فالإساءة برهانٌ ظاهرٌ، ودليلٌ واضحٌ، لا تحتمل شيئًا آخر سوى الأذى والضرر بل والخيانة.

أجل، أنا وأنت نحبّ الوطن ونفديه بأرواحنا لكن لا يحقّ لغيرنا أن يتّهمنا بالتخوين لمجرد عدم التغريد والتعبير؛ فامتلاك النفس من امتلاك المنطق، ولربّما فُهم خير ما تقصد، وأقصد بشرّ ما يُقصَد، قال أحمد شوقي:

فقـالت قـول عـارفٍ محقّــقِ

… ملكتُ نفسي لو ملكتُ منطقي

لا شيء أغلى من الوالدين على النفس، فهل عدم التغريد بمحبتي لهما في حسابي يُعدّ عقوقًا، ولا أقرب إلى نفسي من قرابتي فهل عدم الدعاء لهم عبر نوافذ التقنية عطّلَ حقوقًا، ولا أحبّ إلى نفسي من زوجتي وأولادي فهل عدم التعبير لهم بالمحبة والرحمة من خلال (السناب) يعني أنّ حبّي بغضٌ، وعطفي عنفٌ، فأيّ حكمةٍ هذه حين يُقذف من لا يعبّر عن الوطن بالتخوين؟!.

سيُقال الوطن منظومة اجتماعية عامة، وما ذكرت خصوصية ما لنا فيها من مريد وليس فيها لنا من مزيد، أقول: صدقت، وبَرَرَت، وبرّرت، فأحسنت، لكن .. ما دام المدّعى عليه لم يطرق مسمارًا يهزّ لوحة المحبّة، ولم يبرِ ريشةً تحرّف لون الانتماء الذي يجمعنا فيه صرح الوطن؛ فلِمَ الاتهام؟!

بيد أنّا قد نكون مقصّرين .. لكن هذا لا يعني إطلاق التخوين .. فالتخوين عظيمة النطق على اللّسان ، ثقيلة اللّفظ على الآذان ، فكيف على النفس والجَنَان ؟!.

فاصلة منقوطة؛

يا غـــلـيــظًا بـاتــهــامٍ … قـد رمى بالغــيب رجْما

إنّ بـعـضَ الـظـنِّ إثْــمٌ … فلَمِ التشــكيك ظُـلْما ؟!

إنّ حــــبّــي لــبـــلادي … ناصـبٌ في القلب خيْما

إنّ حـــبّـــي لــبـــلادي … دام فوقَ العيشِ أسمى

غـيـر أنّـا لسـنا نـرضى … بـاتـهـامٍ  عــاد ضَـيْمـا

فـــارغِ الــحـجّــة عَـيٍّ … أطرشِ الأذنـيـن أعــمى

فسكـوتـي في دفـــاعٍ … لـيس ضعفاً عُـدَّ جُــرما

ربّ حــــقٍّ ظُـــنّ زيـغًــا … وثـــنــــاءٍ ظُـــــنّ ذمّــا

قـد يخـونُ اللّفظُ حـبّي … فيُظنُّ ؛ الـحُـبُّ ســهما

فـأرى في الصمت بـرًّا … لست تـدنو مــنه فـهْما

——————

إبراهيم الوابل – أبو سليمان

ibrahim7370@

الاثنين – الموافق

27 – 2 – 1440هـ 

5 – 11 – 2018م

3 تعليقات

  1. رئيس التحرير عادل بن نايف الحربي

    دائماً مبدع يابوسليمان بزاويتك المشرقة الباعثه للنور لصفاء الذهن ..

  2. مقال جميل لافض فوك

  3. نعم لحسن الظن ولا للتخوين لأن سوء الظن والتخوين يزرع الكراهية ويشق الصف وهذا ما يريده أعدائنا ،، سلم قلمك وسلم فكرك .

اضف رد

يمكن للزوار التعليق مباشرة.